السلطان عبدالحميد الثاني ضد أطماع الصهانية في فلسطين لها أون لاين - موقع المرأة العربية

السلطان عبدالحميد الثاني ضد أطماع الصهانية في فلسطين

وجوه وأعلام
20 - ذو القعدة - 1435 هـ| 15 - سبتمبر - 2014


1

السلطان العثماني عبد الحميد الثاني (1842 ـ 1918م) شخصيةٌ تاريخية، أثارت جدلا واسعاً، حكم عليه المؤرخون بأحكام متباينة؛ حيث ينظر إليه البعض على أنه مصلحٌ عادل، حكم دولةً مترامية الأطراف، متعددةَ الأعراق بدهاء وذكاء، ومدّ في عمر الدولة والخلافة العثمانية، ووقف ضد الأطماع الاستعمارية الغربية لاقتسام تركة "رجل أوروبا المريض". مستفيدًا من تضارب هذه الأطماع، فضلا عن موقفه الحازم والرافض لإقامة وطنٍ قومي لليهود في فلسطين.

 

بينما ينظر إليه آخرون على أنه مستبد ظالم ديكتاتور، حكم هذه الإمبراطورية الشاسعة لمدة 33 عامًا حكما فرديا، كانت كلمته هي الأولى والأخيرة؛ واضطهد الأحرار، وقتل بعضهم، وطارد البعض الآخر، ولم يسلم منه إلا من خضع له.

 

تمت البيعة للسلطان عبد الحميد بالخلافة في (9 شعبان 1293 هـ الموافقِ 31 أغسطس 1876)، وكان في الرابعة والثلاثين من عمره، وهو الخليفة السابع والعشرون في الخلفاء العثمانيين، وتولَّى العرش مع اقتراب حرب عثمانية روسية جديدة، وظروف دولية معقدة، فالدولة كانت على حافة الانهيار جراء ضعفها الداخلي اقتصاديًّا وعسكريًّا وعلميًّا، ومن جراء الخطر الخارجي الذي كان يتمثل في اجتماع الدول القوية مثل: إنكلترا وروسيا وفرنسا والنمسا عليها، ومحاولة كل منها ابتلاع قطع من أراضيها الواسعة الممتدة على ثلاث قارات.

 

واستطاع السلطان عبدالحميد المحافظةَ على الدولة العثمانية ثلاثًا وثلاثين سنة (1876- 1909م) بأقل الخسائر، وحال دون انهيارها، وقام بحملة كبيرة في ساحة التعليم وبناء المدارس والكليات، ولكن من جاء بعده من الاتحاديين فتّتوا الدولة العثمانية، وبعْثروا أشلاءها في عشر سنوات فقط.

 

وقد تعرض إلى العديد من الافتراءات الظالمة من قبل أعدائه؛ من أهمها أنه "كان سلطانًا ظالمًا قتل العديد من خصومه"، و"كان كثير الوساوس، وعلى خوف دائم على حياته وعلى عرشه؛ لذا قام ببث العيون والجواسيس في طول البلاد وعرضها". لكن المدقق للتاريخ العثماني، ولا سيما في أدواره الأخيرة سيدرك: أن إسطنبول عاصمةَ الدولة العثمانية كانت تعجّ آنذاك بجواسيس الدول الكبرى، وقد نجحت هذه الدول في تدبير المؤامرات والانقلابات حتى في القصر السلطاني؛ مثلاً استطاعت إنكلترا وفرنسا تدبير انقلاب على السلطان عبد العزيز (عمّ السلطان عبد الحميد)؛ لذا كان من الطبيعي قيام السلطان عبد الحميد بتشكيل مؤسسة استخبارية، تقاوم وتناضل ضد الألاعيب والمؤامرات التي كانت هذه الدول الكبرى تدبرها ضد الدولة العثمانية. هل كان المتوقع من هذا السلطان أن يترك دولته في مهب الريح طعمة للمؤامرات؟!

 

والمدقق لحياة السلطان عبد الحميد يتوصل إلى أن هذا السلطان كان شجاعًا رابط الجأش أمام المخاطر التي كانت تطير بألباب الرجال، أي يتوصل إلى عكس تهمة الجبن التي حاول أعداؤه إلصاقها به.

 

وحين عقد اليهود مؤتمرهم الصهيوني الأول في (بازل) بسويسرا عام 1315هـ، 1897م، برئاسة ثيودور هرتزل (1860م-1904م) رئيس الجمعية الصهيونية، اتفقوا على تأسيس وطن قومي لهم، يكون مقرًا لأبناء عقيدتهم، وأصر هرتزل على أن تكون فلسطين هي الوطن القومي لهم، فنشأت فكرة الصهيونية، وقد اتصل هرتزل بالسلطان عبد الحميد مرارًا ليسمح لليهود بالانتقال إلى فلسطين، ولكن السلطان كان يرفض، ثم قام هرتزل بتوسيط كثير من أصدقائه الأجانب الذين كانت لهم صلة بالسلطان أو ببعض أصحاب النفوذ في الدولة، كما قام بتوسيط بعض الزعماء العثمانيين، لكنه لم يفلح.

 

 وأخيرًا زار السلطان عبد الحميد بصحبة الحاخام (موسى ليفي)و(عمانيول قره صو)، رئيس الجالية اليهودية في سلانيك، وبعد مقدمات مفعمة بالرياء والخداع، أفصحوا عن مطالبهم، وقدَّموا له الإغراءات المتمثلة في إقراض الخزينة العثمانية أموالاً طائلة، مع تقديم هدية خاصة للسلطان مقدارها خمسة ملايين ليرة ذهبية، وتحالف سياسي يُوقفون بموجبه حملات الدعاية السيئة التي ذاعت ضده في صحف أوروبا وأمريكا. لكن السلطان رفض بشدة، وطردهم من مجلسه وقال: "إنكم لو دفعتم ملء الدنيا ذهبا فلن أقبل، إن أرض فلسطين ليست ملكي، إنما هي ملك الأمة الإسلامية، وما حصل عليه المسلمون بدمائهم لا يمكن أن يباع وربما إذا تفتت إمبراطوريتي يوما، يمكنكم أن تحصلوا على فلسطين دون مقابل"، ثم أصدر أمرًا بمنع هجرة اليهود إلى فلسطين.

 

ومن أقواله المشهورة: "انصحوا الدكتور هرتزل بألا يتخذ خطوات جدية في هذا الموضوع، فإني لا أستطيع أن أتخلى عن شبر واحد من أرض فلسطين، فهي ليست ملك يميني، بل ملك الأمة الإسلامية، ولقد جاهد شعبي في سبيل هذه الأرض ورواها بدمه، فليحتفظ اليهود بملايينهم، وإذا مزقت دولة الخلافة يوما، فإنهم يستطيعون آنذاك أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن، أما وأنا حي فإن عمل المبضع في بدني لأهون علي من أن أرى فلسطين قد بترت من دولة الخلافة، وهذا أمر لا يكون. إني لا أستطيع الموافقة على تشريح أجسادنا ونحن على قيد الحياة".

 

عندئذ أدرك خصومه أنهم أمام رجل قوي وعنيد، وأنه ليس من السهولة بمكان استمالته إلى صفها، ولا إغراؤه بالمال، وأنه مادام على عرش الخلافة، فإنه لا يمكن للصهيونية العالمية أن تحقق أطماعها في فلسطين، ولن يمكن للدولة الأوروبية أن تحقق أطماعها أيضًا في تقسيم الدولة العثمانية والسيطرة على أملاكها، وإقامة دويلات لليهود والأرمن واليونان.

 

ولهذا قرروا الإطاحة به، وإبعاده عن الحكم، فاستعانوا بالقوى المختلفة التي نذرت نفسها لتمزيق ديار الإسلام، أهمها الماسونية، والدونمة، والجمعيات السرية (الاتحاد والترقي)، والدعوة للقومية التركية (الطورانية)، ولعب يهود الدونمة دورًا رئيسًا في إشعال نار الفتن ضد السلطان.

 

وفي عام 1909 تم خلعه، وتم تنصيب شقيقه محمد رشاد خلفاً له، وكانت سياسات الحكومة الاتحادية بعد خلع السلطان عبدالحميد قد مهدت لأمرين هامين: أولهما: تحقيق المشروع الصهيوني في فلسطين، وثانيهماً: تفكيك الدولة العثمانية والعمل على إضعافها.

 

وكان الذين أبلغوا السلطان عبد الحميد الثاني بقرار نفيه، أحدهم أرمنياً، والآخر يهودياً، ليكون ذلك بحد ذاته بمثابة رسالة للسلطان إن سبب عزله، مرتبط بالمشروع الصهيوني بفلسطين. وأن المكان الذي نفي إليه السلطان هو مدينة (سلانيك) ذات السبعين ألف يهودي، ومركز الماسونية ليكون تحت حراستهم وربما شماتتهم.

 

تُوفِّي السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله تعالى في (الثامن والعشرين من  ربيع آخر 1336 هـ الموافقِ العاشر من فبراير 1918م) عن ستة وسبعين عامًا، واشترك في تشييع جنازته الكثير من المسلمين، ورثاه كثير من الشعراء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

ـ موسوعة ويكبيديا.

ـ الموسوعة الشاملة.

ـ مجلة حراء.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...