الشام لا بواكي له: في ضوء ما يفعله الروس وحلفاؤهم

كتاب لها
03 - ذو القعدة - 1437 هـ| 07 - أغسطس - 2016


1

كنت أشاهد بعض القنوات التي تصور المشهد الدموي في سورية، بما تقوم به عصابات الإجرام والمؤازرون لها، وتجلى هذا في مأساة حلب التي ركز عليها الإعلام كثيرا، وهي مشاهد معروضة من عمق الحدث تبكي الحجر والشجر- والعالم المتمدن يتفرج!!-  وتدل على عمق الحقد الطائفي الذي تكنه عصابات تدعي الانتساب إلى أهل البيت زورا وبهتانا، وتصرح تصريحات في غاية الخطورة، تتوعد فيه أهل السنة بما ينتظرهم في المستقبل الذي بدت أماراته من هذا التحالف الروسي الإيراني الصفوي ومليشيات متطرفة من العراق ولبنان وأفغانستان - وهناك أكثر من (حلب) في سورية هناك. مآسي النازحين واللاجئين في بعض الدول، وهناك المخطط الرهيب الذي يسعى إلى تفريغ المنطقة من سكانها الأصليين المنتمين إلى أهل السنة - هذا مايصرح به المسؤولون الروس ومن معهم حيث يقولون: سنجعل أهل السنة في سورية أربعة ملايين، أي يشكلون نسبة ضئلة من عدد السكان بعد أن كانوا هم الأغلبية - وإحلال محلهم مذاهب أخرى من أعراق ليست عربية، كما قال المتنبي: ولكن الفتى العربي فيها غريب الوجه واليد واللسان، والعربي - هنا - هو المسلم الذي يعتز بدينه وشخصيته ولغته.

والذي أود أن أقوله إلى أبناء ملتنا: لقد تخلى عنكم أغلب الناس، وليس لكم من ملجأ إلا الله. فأخلصوا النية إليه، وذلك بالتوجه الصادق إلى دينه اعتقادا وقولا وعملا، وارفعوا أكف الضراعة إليه سبحانه في كل حين، ولا سيما في الساعات التي يستجاب فيها الدعاء، بعد أن تعلنوا التوبة النصوح، وتعملوا بما أمر الله سبحانه وتنتهوا عما نهى عنه. والناظر في التاريخ يستيقن بأن كل المعارك التي خاضها المسلمون مع أعدائهم (والعدو ما يزال هو هو وإن تغيرت الأسماء والشارات والشعارات ولبس العدو ثيابا أخرى للتمويه) لم ننتصر فيها إلا بعودتنا إلى دين الله تعالى، وأكبر مثال على هذا: معركة حطين وعين جالوت (وا إسلاماه!) ولقد حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من فتنة الدنيا وهي أساس البلاء الذي نحن فيه، وسبب هذا الهوان الذي نعاني منه.

      وفي الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: في ذم الدنيا "ولكني أخشى عليكم الدنيا - أي على المسلمين ـ أن تنافسوا فيها، وتقتتلوا، فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم" وهذا لفظ مسلم، وفي مسلم أيضا في الزهد(2962)قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا فُتِحَت عليكم فارسُ والرُّومُ أيُّ قومٍ أنتم؟ قال عبدُالرَّحمنِ بنُ عَوفٍ نقول كما أمرَنا اللهُ. قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: " أوَ غيرَ ذلك تتنافَسون ثم تتحاسَدون ثم تتدَابرون ثم تتباغَضون أو نحوَ ذلك ثم تنطلِقون في مساكينِ المهاجرِينَ فتجعلون بعضَهم على رقابِ بعضٍ"، وفي رواية ابن ماجه: "إذا فتحت عليكم خزائن فارس والروم.." وعن أبي سعيد الخدري ـ كما جاء في الصحيحين ـ  "إن مما أخاف عليكم بعدي: ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها"

       إن من المحزن حقا: إنه ما يزال بعض الناس يلتمسون النصر من هنا وهناك - والمسلم عليه أن يعمل بكل الأسباب التي تعينه على النصر بالطرق الشرعية - وينسون أن لله جنودا لم يروها تقف بجانبهم في معاركهم مع عدوهم، شريطة أن نخلص لله العمل، ولا نستعجل النصر.

 وأنا أقول هذا وأعلم جسامة المأساة التي نحن فيها؛ ولذلك أعتقد أن خلاصنا لا يكون إلا بنصر دين الله أولا في نفوسنا، والحقيقة المرة أني ألاحظ أننا ما زلنا بعيدين عن هذا، ومن أجل هذا أكتب وأذكر، وكما يقول المثل: الذي يأكل العصي ليس كمثل الذي يعدها. فوالله - وبمثال واحد بسيط – إن من ينظر إلى ما ينشر في وسائل التواصل، وما يقوم به المسلمون من أعمال (ومنها الفرقة والاختلاف  فيما بينهم) - ليتوصل إلى أن النصر الذي نريده والصورة التي نسعى إليها ما يزال بعيدا! ونحن من يختصر زمانه، وأما إذا ما أردنا أن نستبدل نظاما بنظام أسوأ منه، وطاغوتا بطاغوت آخر؛ وجِبْتا بجبت؛ فالأمر هين لين، ولكن بُعْدًا له بعد أن قدمنا التضحيات، وحلت بنا الكوارث لأننا نقول: ربنا الله، وحسبننا ديننا ونبينا؛ ولهذا يستعدينا العالم بأسره ممن يغتاظ من هذا. مرة أخرى أقول: علينا وبسرعة أن نصطلح مع الله ودينه. جربوا أيها المسلمون هذا بالنية والقول والعمل وانتظروا النتائج. إن مشكلتنا مع أنفسنا أولا ثم مع عدونا؛ فلا سلطان له علينا إلا بما يقدر أن يلج إلى نفوسنا فيزين لنا – بمؤازرة الشيطان – أعمالنا التي تغضب الله تبارك وتعالى، فنتبع الهوى، وندع الهدى، فيسلط الله بعضنا على بعض حتى يفني طَرَفٌ الطرفَ الآخر. والعلاج – كما أسلفت -  هو بالتمسك بحبل الله المتين القرآن الكريم. 

     ولقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم مما حل بنا سابقا والآن وفي المستقبل. فهل نستفيد من الدرس النبوي؟ أدعو كل مسلم أن يقرأ أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والتي تتحدث عن بعض الفتن والملاحم التي تعصف بالأمة وطريقة الخلاص منها ففي هذا دواء نافع وناجع.

     ففي الصحيحين عن عمرو بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها،  وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صالح أهل البحرين، وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي، فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة، فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما صلىى ثم انصرف، فتعرضوا له، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآهم. ثم قال: "أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين؟" فقالوا: أجل يا رسول الله، فقال: "فأبْشِروا وأمِّلوا ما يَسُرُّكم، فواللهِ ما الفقرَ أخشَى عليكم، ولكني أخشى أن تُبْسَطَ عليكُمُ الدُّنيا، كما بُسطت على من كان من قبلَكُم، فتَنافَسوها كما تَنافَسوها، وتُهْلِكَكُمْ كما أهلكتْهُم".

       وهكذا فإن التوجيهات النبوية، وسيرة السلف الصالح ودروس التاريخ، لمن أفضل ما ينبغي أن نطلع عليه كي نستفيد من غابرنا لحاضرنا، ومن حاضرنا لمستقبلنا، والعاقل من اتعظ بغيره، والله أمرنا ألا نتنازع حتى لا نفشل وتذهب ريحنا، وحثنا على الصبر فهل من معتبر؟! 

      أخيرا: فإن من أخطر ما نعاني منه هو داء الإصرار على المعصية، وإن كانت من الصغائر فإن ابن عباس يقول: لا صغيرة مع إصرار, ولا كبيرة مع استغفار. ينبغي ألا نعالج الخطأ بالخطأ، وأن نتجرع الدواء ولو كان مرا في نظرنا، والخير كل الخير فيه. أترانا فاعلين أم ما نزال مستكبرين!!

      ولتسمعُنَّ يا أهل الحق من أهل الكتاب والمشركين وأذنابهم أذى كثيرا وسخرية!! فلا تلتفتوا إلى نباح هؤلاء، وسيروا بقوة وجدية في طريقكم الذي ليس لكم منه مناص حتى تنتصروا، والنصر قادم قادم ولكنكم تستعجلون!!

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


مالك فيصل الدندشي

إجازة في الآداب – قسم اللغة العربية / جامعة دمشق
دبلوم عال في الشريعة الإسلامية / معهد الدراسات الإسلامية في القاهرة

مالك فيصل الدندشي من سوريا - محافظة حمص والمولود في العام/ 1949م.
تلقيت تعليمي الابتدائي والمتوسط والثانوي في بلدتي ( تلكلخ ) ثم التحقت بالجامعة في مدينة دمشق, وحصلت على الإجازة ( بكالوريوس ) في الآداب – قسم اللغة العربية وتخرجت في العام 1974م.
عملت في التعليم العام في سوريا ثم في المعاهد العلمية التابعة إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية مدة إحدى وعشرين سنة وخلال هذه المدة سافرت إلى القاهرة وحصلت على دبلوم عال في الشريعة الإسلامية.
أعمل الآن مدرساً منذ تسع سنوات في مدارس الفرسان الأهلية وخلال إقامتي في الرياض حصلت على عشرات الدورات والورش والمشاغل في مواضيع مختلفة في التربية والتعليم.
كتبت العديد من المؤلفات والأبحاث والمقالات في موضوعات شتى.


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...