الشخصية الهستيرية: طفل على مسرح الحياة

عالم الأسرة » شؤون عائلية
21 - جماد أول - 1439 هـ| 07 - فبراير - 2018


1

      كانت تجلس في إحدى الاجتماعات العائلية، وتتجاذب فيها أطراف الحديث مع العائلة بمرح وبهجة وفجأة. قطع تداخل الأصوات رنين هاتفها النقال، والذي أُبلغت من خلاله خبراً أزعجها ولم يكن في حسبانها؛ فسقطت على الأرض وهي ترتجف بقوة، ثم بدت وكأنها غابت عن وعيها مغشياً عليها بشكل درامي مفاجئ.

لكن اللافت للنظر: أن سقوطها كان مرناً لم يُسبب لها أي أذى. كما أن سقوطها المتكرر في كل مرة تتلقى فيه صدمة أو خبراً مزعجاً، لم يكن إلا على أعين من حولها؛ مما يجذبهم نحوها لمساعدتها والاهتمام بها. وحدث ذلك رغم سلامتها الجسمية، والتي أكدها الأطباء مراراً بعد رحلة طويلة في أروقة المستشفيات وما فيها من أقسام مختلفة.

كان ذلك مشهداً قصيراً من فصول الشخصية الهستيرية المسرحية. تلك الشخصية التي تعشق جذب الاهتمام بشتى الصور، حتى لو كلفها الأمر بعض التمارض، لتبقى دائماً تتصدر عرش الاهتمام. كما وتسعى لإبهار من حولها بجاذبيتها واهتمامها بنفسها، فصورتها البراقة هدف في حد ذاته. وقوة شخصيتها وسيطرتها وحبها لذاتها: يجعلها محور الاهتمام لمن يراها أول مرة. فتمتلئ عينه إعجاباً بها، وينجذب لأحاديثها وروحها الاجتماعية، ويرمقها بعين الصداقة والإخلاص. لكنها سرعان ما تهوي بسلوكياتها كما هوت بجسدها. فتصرفاتها الطفولية وأنانيتها الممزوجة بلفت النظر تُظهران عدم نضجها، وسطحية انفعالاتها، فمن السهل أن تتلون مشاعرها خلال دقائق معدودة،  فتبدو كطفلة في عواطفها وسلوكياتها، فتنثر الأحاديث الجذابة والعواطف القوية وفي داخلها خواء.

والواقع أنها في حقيقتها لا تُكن لغيرها صداقة ولا إخلاص، فهي تبحث عنهم لمعرفة أخبارهم وتتبع عوراتهم. فروحها الاجتماعية تستهدف البحث عن عيوب من حولها؛ لتبقى على القمة. فبالرغم من تعدد علاقاتها الاجتماعية، إلا أنها علاقات سطحية عابرة لا تدوم طويلاً،  وعواطفها أيضاً سطحية متقلبة، كتقلب انفعالاتها الحادة التي تتأرجح بين الاندفاع بقوة والرفض بقوة. فتنفجر غضباً لأسباب تافهة، ولا تقوى على مواجهة الضغوط، فلا تلبث أن تتفكك شخصيتها مستجيبة للضغوط، وتتحول انفعالاتها إلى أعراض جسمية ليس لها أساس عضوي كالإغماء أو فقد وظيفة جسمية، تظهر لنا في صورة شلل وظيفي، أو في صورة فقدان أحد الحواس، رغم السلامة العضوية. وذلك نتيجة صراع داخلي أو وجود حاجة نفسية تحتاج لإشباع.

 

وقد تتخذ من التهديد بالانتحار سلاحاً لها، لا لأجل التخلص من حياتها؛ إنما لجلب الاهتمام إن تبعثر عنها ولتشكل مركزا من حولها. لذا فإن محاولات الانتحار إن قامت بها، ستكون على مرأى الجميع، ليتم إنقاذها والاهتمام بها في ذلك الموقف وما بعده.

أما عن حديثها فهو سطحي، يفتقر للعمق والأهمية؛ لأن غايته أن تكون هي محوره؛ لذا فمن الضروري أن يكون الحديث جذاباً لافتاً. ولهذا فلا مانع من تزيينه ببعض الأحداث المتخيلة. فاختلاق الأحداث لها هواية؛ لصياغة المواقف الدرامية في حياتها. لتبقيها في دائرة الضوء من الجميع.

وهذه الشخصية لا تستطيع تحمل أي مسؤولية في الحياة الواقعية، فتكثر العقبات في حياتها الزوجية وعلاقتها بأبنائها فالحياة من وجهة نظرها، مجرد رسم صورة جميلة لذاتها لاستعراضها أمام الآخرين دون أي نقد أو تشويه.

          ولذلك فشكواها كثيرة، وعلاتها متعددة، دون سبب جسمي، إنما تبعاً للمواقف المختلفة. فتسقط عند أي مشكلة، وتبكي كطفلة عند اعتراض رأيها، وتشعر بالألم عندما يحين موعد أعمالها المنزلية. وهكذا من حال إلى حال، ومن عرض لآخر لتتهرب من مسؤولياتها. ورحلة التنقل مستمرة بين هذا الطبيب وذاك.

وكل ما تقوم به من شكاوى وأعراض مرضية، هي لغة خاصة بهذه الشخصية، تطلب من خلالها الاهتمام والتعاطف معها، فأشد المواقف إزعاجاً لها هي المواقف التي لا تكون فيها مركز الاهتمام لمن حولها. بالإضافة إلى كون هذه الأعراض هي المخرج الذي تستطيع من خلاله الاعتماد على غيرها في أداء مسؤولياتها، والهروب من المواقف الضاغطة.

ولعل الشخصية الهستيرية تتجسد بشكل أوضح في الإناث أكثر من الذكور، فلهن النصيب الأكبر منها. والتي تعد أحد اضطرابات الشخصية التي تُزعج من يتعامل معها، ولا يستبصر صاحبها بطبيعته وانفعالاته. فيتخذ من الإسقاطات أسلوباً حياتياً لتغليف شخصيته من أي عيب أو نقد، قد يُوجه إليه مع تكرار استخدام الفصول الدرامية في المواقف المختلفة؛ لتحقيق النجومية المنشودة في مسيرته الحياتية.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...