الشيخ صالح الحصين .. مواهب قل أن تجتمع في رجل لها أون لاين - موقع المرأة العربية

الشيخ صالح الحصين .. مواهب قل أن تجتمع في رجل

دراسات وتقارير » في دائرة الضوء
24 - جمادى الآخرة - 1434 هـ| 05 - مايو - 2013


1

 

في حياته الكثير من العبر والدروس، فمن النوادر أن تجتمع في شخص هذه المواهب. فهو عالم وفقيه متبحر في العلوم الشرعية، وأحد أعضاء هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية، وقانوني متمرس ساهم في صياغة الكثير من القوانين والأنظمة في المملكة، ومجيد للفرنسية والإنجليزية، ومفكر يرد على كثير من الشبهات التي تثار حول الإسلام، ورائد في العمل الخيري رأس وأسس عدد من المؤسسات الخيرية. هذا فضلا عن شيمه وأخلاقه التي تحدث عن حسنها القاصي والداني.

 إنه فضيلة الشيخ صالح بن عبد الرحمن الحصين.

نشأته ومولده:

الشيخ صالح من مواليد المملكة العربية السعودية، محافظة شقراء عام 1351 هـ و وهو من عشيرة النواصر من قبيلة بني تميم، وقد درس الابتدائية بها عام 1364هـ، ثم انتقل للدراسة بدار التوحيد بالطائف ومكث فيها من عام 1366هـ إلى عام 1370هـ، ثم انتقل إلى مكة المكرمة حيث أكمل دراسته الجامعية بكلية الشريعة بمكة المكرمة، ثم حصل على ماجستير في الدراسات القانونية من جامعة القاهرة بمصر، ودرس بها من عام 1371 هـ إلى عام 1374 هـ،

أسرته:

وللشيخ صالح أربع بنات وابن واحد هو الدكتور عبدالله الذي يعمل أستاذاً في كلية الهندسة بجامعة الملك سعود. وله أخوان هما: الأستاذ سعد الحصين، ومعالي وزير المياه والكهرباء المهندس: عبد الله بن عبد الرحمن الحصين.

وظائفه والمناصب التي تولاها:

عمل مدرسا بالمرحلة الابتدائية وذلك عام 1368هـ، كما عمل مدرسا بمعهد الرياض العلمي عام 1373 هـ واستمر به إلى عام 1375 هـ.

بعد ذلك تم تعيينه ـ من قبل ولي الأمر ـ مستشاراً قانونيا بوزارة المالية والاقتصاد الوطني في الفترة من 1380هـ إلى عام 1391هـ، وعمل بعدها وزيراً للدولة، وعضوا في مجلس الوزراء من عام 1391هـ إلى عام 1394هـ، ثم أحيل إلى التقاعد إلى أن تم تعيينه رئيسا عاما لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي بمرتبة وزير في ذي الحجة عام 1422 هـ.

وفي عام 1424هـ اختاره خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز عندما كان وليا للعهد رئيسا لمركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني.

جهوده في العمل الخيري:

كان الشيخ مهتما بالعمل الخيري والإنساني على المستوى المحلي والدولي, ولديه مشاركة فاعلة فيه، خاصة من خلال عضويته في مؤسسة الوقف الإسلامي، وكان من أكثر المساندين للعمل والحرص على تسديد مسيرته وتصويب أخطائه وتحسين أدائه.

ونتيجة لجهوده في العمل الخيري والدعوي فقد فاز - بجائزة الملك فيصل العالمية في مجال خدمة الإسلام في دورتها التاسعة والعشرين، حيث نال الجائزة مناصفة مع الشيخ يوسف الحجي الكويتي الجنسية، وكان الأمير سلطان بن عبد العزيز ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء، قد أعلن عن منح الشيخ صالح الحصيِّن الجائزة "تقديراً لدوره البارز في الدعوة الإسلامية وأعمال البر، والحرص على الوسطية في المجتمع الإسلامي".

الشيخ صالح وقضايا المرأة:

وفي كلمة ارتجالية ألقاها أمام خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز في الديوان الملكي بقصر اليمامة عند استقبال الملك أعضاء الهيئة الرئاسية بمركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني برئاسة معاليه، تحدث عن قضية عمل المرأة، حيث أشار إلى أنه يوجد اتجاهان في هذا الشأن، الاتجاه الأول أن أسمى وأنبل عمل للمرأة هو عملها الأساسي في المنزل، وأنها إذا عملت خارج المنزل فإن الدافع والمبرر لعملها هو الحاجة، وعلى المجتمع أن يعتبر ذلك تضحية من المرأة، وأن يعمل على أن يحرر المرأة من هذه الحاجة، أو تقليل تأثير عملها خارج المنزل على عملها النبيل الأساسي راعية أسرة، والاتجاه الثاني يرى أن عمل المرأة ليس الدافع والمبرر له الحاجة، إنما هو الاختيار بدافع محاولة تحقيق ذاتها بالعمل واستقلال إرادتها وتحررها من التبعية للرجل وتحقيقها المساواة معه.

وأفاد معالي الشيخ صالح الحصين أن العالم مر بتجربتين مهمتين تتحيزان للاتجاه الثاني، الأولى منهما تجربة الثورة الشيوعية عندما أطلق لينين شعاره المشهور أن المجتمع لا يمكن أن يتقدم ونصف أفراده في المطبخ، وحقق النظام مساواة المرأة بالرجل في العمل، واستمرت هذه التجربة قرابة سبعين سنة عندما انهار النظام الشيوعي، وأعلن زعيم إعادة البناء أن المساواة بين الرجل والمرأة في العمل تحققت، ولكن هناك عجز في مزاولة المرأة لدورها كأم وربة منزل ووظيفتها التربوية لا غنى عنها، وأن كثيراً من المشاكل التي يواجهها الشباب في سلوكهم أو ثقافتهم أو في إنتاجهم يعود نتيجة لهذه السياسة في المساواة في العمل بين الرجل والمرأة.

والتجربة الثانية في الولايات المتحدة الأمريكية في بداية الستينات من القرن الثاني حيث الحركة النسوية التي اتخذت شعار المساواة التامة بين الرجل والمرأة، ولكن بعد أربعة عقود وفي عام 2005م أجريت دراسة أظهرت أن نصف النساء من الأكثر امتيازات والأرقى تعليماً اخترن العودة إلى البيت والعمل كربات بيوت، وعززت هذه الدراسة دراسات أخرى كثيرة، واستعرض معاليه عدداً من التجارب والإحصاءات، وخلص إلى أن هذه التجربة أظهرت أن الإنسان عندما يحاول بطيشه وجهله أن يعارض أو يصادم قوانين الطبيعة فإنه في النهاية يهزم أمامها.

قالوا عنه:

وقال عنه الشيخ د. صالح بن سليمان الوهيبي التميمي الأمين العام للندوة العالمية للشباب الإسلامي: أما الشيخ صالح الحصين فيأنس به المرء عالما بصيرا بشؤون الفكر الإسلامي عامة، وفي مجال الاقتصاد والتشريع بشكل عام، وهو مكب على كتابة بحوث في هذا المجال على الرغم من كثرة ارتباطاته، ومن تواضعه أنه إذا كتب بحثا أرسله إلى عدة أناس لقراءته وتصويبه والإضافة إليه.

ويقول معالي الشيخ الدكتور عبدالرحمن السديس الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي عن الشيخ "الحصين" ـ رحمه الله-: "هو شيخ هُمام، وعَلَم من كبار الأعلام، كريم الأخلاق بسَّام، لقد قدم شيخنا لدينه وولاة أمره وبلاده أعمالاً جليلة، تزيد على نصف قرن من الزمان، فكان فيها مثالاً للعطاء المتدفق".

ويقول الكاتب والأديب وسفير المملكة لدى اليونسكو الدكتور زياد الدريس في مجلة العربية العدد 300: "لم تكن رحلة البحث عن هذا الرجل سهلة كما توقعت، ليس ذلك لأنه شخص نكرة بين أهل المدينة المنورة، ولكن لأنه شخص لا يفقأ أعين الناس باسمه في كل مكان من صحيفة أو سقيفة! كان زاهداً في الأضواء وما تحمله كل حزمة ضوئية من ضجيج وصخب، لا يكاد ينطفئ حتى تنطفئ شمعة الإنسان المضجوج بالزحام من قبل".

أما عن تواضعه فحدث ولا حرج، يقول الدريس أيضاً: "حاولت أن آخذ منه دلة القهوة، لكنه أصر على إبقائها معه، كان مخجلاً أن يكون هو الذي يصب القهوة لمثلي، ليس لأنه وزير فحسب، ولكن لأنه رجل شارف السبعين من عمره ولا يزال بريئاً من عقد الألقاب وقوانين الشيخوخة! قال لي- عندما رأى تحرجي من شرب القهوة من يده- "تقهو".. أنا ألذ ما عندي في القهوة صبّها!".

لقد كان للشيخ الحصين نظرة مضيئة خاصة به نحو البساطة، يكمل الدريس: "قلت له: كيف نجمع يا شيخ صالح بين التحبب إلى الزهد، ثم دعوة الله عباده إلى إظهار النعمة؟ أجابني فوراً إجابة الخبير الممارس: ليس هناك تعارض كما يبدو لك وللبعض، بل الجلاء في التوازن بين هذا وذاك، وموجز هذا قول ابن تيمية عن زهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الشاكر لنعم ربه: "لا يرد موجوداً، ولا يطلب مفقوداً". بهذه المعادلة يزن الإنسان بين زهده وشكره.

أما الكاتب بصحيفة عكاظ محمد أحمد الحساني فيقول: "ترجل معالي الشيخ صالح الحصين من وظيفته في رئاسة شؤون الحرمين الشريفين بطلب منه، فقبل طلبه بالإعفاء من ولي الأمر الذي يقدر أمثاله من الرجال المخلصين". مضيفاً: "هو لم يسع في حياته إلى المناصب بل كانت هي التي تسعى إليه".

ويقرأ "الحساني" كيف حافظ الشيخ الحصين على مساره الخاص رغم إدارته لمنصبين في غاية الأهمية (شؤون الحرمين، ومركز الحوار الوطني) فيقول: "قاد مسيرته بدهاء وأناة وخبرة وجلد، متجنباً الأضواء ما وسعه ذلك. إنسان يتميز بصفات فريدة قد لا تتوفر في جيله، وربما في الأجيال التي بعده فهو رجل قانون من الطراز الأول، ويجيد عدة لغات أوروبية، منها: الفرنسية والإنجليزية.

أما الكاتب عبدالله الخريف، وهو أحد القريبين من الشيخ خصوصاً في مسيرته بمركز الحوار الوطني فيصف مواقف عديدة منها: "يتناقل الناس منذ السبعينيات قصصاً في غاية الظرف عن تواضعه، من ذلك: أنه أتى إلى الديوان الملكي بسيارة أجرة في الوقت الذي كان يحتل فيه مرتبة وزير، وقد أوقفه حرس القصر لكن عبور الدكتور رشاد فرعون سهّل الموقف".

 ويروي مراسل إمارة القصيم عندما قصده في مزرعته لإيصال دعوة لاجتماع عاجل في الرياض، فوجده وهو في ملابس المنزل على السلم يعيد طلاء السور! وفوجئ المراسل بأن المطلوب يقف على السلم بعدما ظن أنه أحد العمال!. مضيفاً: "وهو رجل دقيق في المواعيد يحضر في الموعد مهما يكلف الأمر، وإذا ما علمت بأنه يبتعد في أسفاره عن المظاهر وينتقل بالدرجة السياحية فلا تستغرب!".

ويؤكد الخريف: "هو أيضاً لا يحب الحاشية والمرافقين، ولا أذكر إلا أن لديه سائقاً وسكرتيراً يرتب أوراقه ومواعيده، وهو يتفرغ للقراء والتأليف في مجاله الذي يحبه وهو الاقتصاد والنظريات الإسلامية".

 ويستشهد "الخريف" بأن الحصين عرف عنه طوال رئاسته لمركز الحوار الوطني توقيعه في نهاية الخطابات بمقولة: "عن رئاسة المركز". كما عرف بأنه في العديد من اللقاءات الحوارية أنه يعتمد على النقر على الطاولة لتنبيه المتحدث بانتهاء الوقت بدلاً من المقاطعة الصوتية".

من مقولاته:

وكان للشيخ الحصين مقولات منها: "ربما يكون ريتشارد نيكسون أذكى رئيس أمريكي في العقود الأخيرة، وأكثرهم حنكة سياسية وأوسعهم ثقافة"، قد نشر كتاباً قبل وفاته بأسبوعين، قال فيه: "إن الإسلام عقيدة قوية لأنه يستجيب لحاجات الروح وليس لحاجات الجسم فقط، والعلمانية في الغرب لا تستطيع أن تغالبه، وكذلك العلمانية في العالم الإسلامي، وإن حقيقة أننا أغنى وأقوى دولة في التاريخ هذا لا يكفي، ما سوف يكون حاسماً هو قوة الأفكار العظيمة".

ولا يستغرب الشيخ انبهار الناس بالحضارة الغربية المعاصرة، قائلاً: "فيها فعلاً ما يبرر هذا الانبهار، لكن الكثير يغفل عن الجانب المظلم فيها لدرجة أن البعض منهم قد اهتزت ثقتهم بالإسلام والعياذ بالله، فيجب أن تكون مهمتنا هي كيف نرفع ثقة المسلمين بالإسلام؟".

وفاته (رحمه الله):

عانى الشيخ من التهاب حاد في الرئة خلال الفترة الأخيرة، وتدهورت حالته؛ مما دفع الأطباء إلى نقله للعناية المركزة بالحرس الوطني بالرياض، ومنع الزيارة عنه حتى توفي يوم السبت 24 جمادى الثاني 1434هـ الموافق 4 مايو 2013م، عن عمر يناهز 82 عاما .. رحم الله فضيلة الشيخ (الحصين) رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته.

  

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- إيمان - السعودية

25 - جمادى الآخرة - 1434 هـ| 06 - مايو - 2013




ربي اغفر له ووسع منزله وأموات المسلمين واجمعنا بهم في جنة عرضها السماء والأرض...
اللهم ارحمنا برحمتك

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...