الشيخ محمد زحل فقيه المغرب مكافح البدع وداعية الوعي بأهمية الأسرة

وجوه وأعلام
06 - ذو الحجة - 1438 هـ| 28 - أغسطس - 2017


الشيخ محمد زحل فقيه المغرب مكافح البدع وداعية الوعي بأهمية الأسرة

لها أون لاين

 

العلامة الشيخ محمد زحل ـ رحمه الله ـ أحد علماء المغرب العربي، الذين كان لهم إسهامات كبيرة في الوعي المجتمعي، وتبصير الناس بعناية الشريعة الإسلامية بالأسرة، كما كان له جهد بارز في نشر الوعي بالسنة النبوية الشريفة ومكافحة البدع، وله الكثير من الطلاب في طول الوطن الإسلامي وعرضه، ممن أجازهم في الحديث النبوي الشريف.

 

وللشيخ ـ رحمه الله ـ جهوده الدعوية المتعددة، مثل: تفسير القرآن الكريم خلال دروسه التي بدأها عام 1976م وانتهى منه كاملا العام الماضي 2016م, كما شرح خلال دروسه في مسجد الفوارات كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب, ودرّس آيات الأحكام في المسجد اليوسفي، كما فسر سور المفصل فيه, ودّرس جزءا كبيرا من جامع الترمذي في مسجد الفوارات, وشرح صحيح البخاري على امتداد ثلاث عشرة سنة في جامع عين الشق العتيق.

 

ولد الشيخ محمد بن أحمد بن سعيد الملقب بزحل عام 1943م الموافق 1363هـ في بلدة تيلوى دوار إكوزلن، فرقة أيت بها، قبيلة نكنافة حاحة الشمالية الغربية فرع من قبائل حاحة الكبرى، التي تمتد بمفهومها الحديث فيما بين الصويرة ومدينة أڭادير على الساحل الغربي للمحيط الأطلسي.

 

وكانت ولادة الشيخ إبان هيمنة الاستعمار الفرنسي، الذي حاول فرض قيمه وثقافته على المسلمين في المغرب، وعانى المغاربة ويلاته لا سيما المناطق الجبلية والريفية, بالإضافة إلى أن الحرب العالمية الثانية كانت قائمة شرسة، لا تبقي ولا تذر والمغرب منخرط فيها والأوبئة المتفشية المستعصية على العلاج تأكل الأخضر واليابس، حيث مات نصف سكان المغرب من الطاعون، كما تذكر تقديرات المستعمر الفرنسي وإحصائياته عام 1946م.

 

يقول الشيخ الراحل عن بلاده في تلك الفترة: كانت المغرب في تلك الفترة أسيرة أعدائها الأربعة، فرنسا المستعمرة والظالمة المؤذية والثلاثة الآخرين: الجهل والفقر والمرض. بالإضافة إلى الخرافات والبدع، وانحراف التدين عن المنابع الصافية للدين التي لم يشبها الكدر من الكتاب والسنة، ومنهج سلف الأمة، والهدي العملي لخير القرون المشهود لها بالفضل والخيرية.

 

سافر والد الشيخ الراحل بأسرته، مضطرا إزاء تلك الظروف إلى مدينة الصويرة، التي عمل في أحد مساجدها إماما ومحفظا لكتاب الله تعالى، ثم عاد بالأسرة إلى نكنافة من جديد بعد 5 سنوات.

 

ويتحدث الشيخ الراحل عن بداية طلبه للعلم فيقول: لما بلغت سن الدراسة، باع والدي كل شيء ليعلمني قائلا: "لو احتفظت بهذه الماشية فسيكون ابني جاهلا راعيا، ولن يكون متعلما", وحيث لم يكن في مناطقنا إذ ذاك مدارس نظامية ولا تعليم رسمي، وإنما كانت هناك الكتاتيب القرآنية والمدارس العتيقة فقد اضطر والدي لترك الفلاحة، ليكون ابنه من المتعلمين وليس من الجهال الرعاة للمواشي.

 

تعلم الشيخ الراحل مبادئ القراءة والكتابة على يد الوالد ـ رحمه الله ـ وبدأ يحفظ كتاب الله من قصار السور من آخر المصحف كما جرت العادة والعرف. وبعد معاناة مع مرض الشلل لمدة 3 سنوات: استأنف الشيخ حفظ القرآن تحت رعاية والده فأتقنه، وأحكمه لفظا ورسما بفضل من الله وفتح منه عام 1956م.

 

ومع استقلال المغرب عن المستعمر الفرنسي عام 1956م: انتسب الشيخ للمدرسة الجزولية لتعلم مبادئ العربية والفقه ومفاتيح العلوم الأخرى، تحت رعاية الشيخ أحمد بن عبد الرحمان السليماني الحسني, وقد اعتنى الأخير بالشيخ الراحل عناية خاصة؛ لكونه صديقا لوالده, فحفظ الراحل على يديه كثيرا من المتون في العربية والفقه كالإجرومية، ونظمي الزواوي، والجمل ولامية الأفعال وألفية ابن مالك وتحفة ابن عاصم، ومتن المرشد المعين، ومتن الرسالة لابن أبي زيد القيرواني، وبعض المتون الأدبية.

 

وبطلب من الشيخ وبعد إلحاح منه، وافق والده على الالتحاق بالمدرسة الهاشمية بتنمار، التي كان يديرها ويدرس فيها العلامة البشير بن عبد الرحمن السوسي البرحيلي المنبهي الملقب بتوفيق, ثم التحق الشيخ بعد سنة أخرى بالمعهد الإسلامي بتارودانت الذي بناه المحسن الكبير "الحاج عبد السوسي".

 

ثم سافر الشيخ إلى مدينة مراكش، والتحق بكلية ابن يوسف ذات الصيت الذائع والتاريخ العريق, وأخذ عن شيوخ نظاميين كانوا يتولون التدريس في الكلية، وآخرين غير نظاميين كانت لهم دروس خاصة في المساجد.

 

بعد أن تخرج الشيخ من كلية ابن يوسف في منتصف سنة 1963م: اتجه إلى مدينة الدار البيضاء، حيث شارك في مسابقة مدرسة المعلمين ونجح فيها, وبعد سنة من التكوين في الدروس النظرية والعلمية، تخرج بتفوق مما خوله التعليم بالمدينة نفسها, فكان يقوم بالتدريس في المدارس الحكومية، ويمارس الدعوة في المساجد والأندية ودور الشباب والجمعيات الثقافية.

 

اشتهر الشيخ الراحل بالخطابة والتدريس, فقد خطب الجمعة في مساجد كثيرة منها: جامع الحجر بدرب غلف، ومسجد الحاج علي الهواري بالقريعة, ومسجد السنة بدرب الطلباء, وجامع الشهداء بالحي المحمدي.

 

كما ألقي دروسا متوالية طويلة الأمد في كل من: المسجد اليوسفي بقرية الأحباس والمسجد المحمدي بها, ومسجد الفوارات بالحي المحمدي، والجامع العتيق بعين الشق, ومسجد الحفاري بدرب السلطان, ومسجد التوحيد.

 

شارك الشيخ ـ رحمه الله ـ في تأسيس الحركة الإسلامية أوائل السبعينات, وأسس مجلة الفرقان سنة 1984م وأدارها عشر سنوات، وكتب فيها مقالات مختلفة، ونبذا من تفسير آيات الأحكام, كما عمل في جمعية أنصار الإسلام صحبة الفقيه العلامة محمد مفضال السرغيني, كما شغل منصب رئيس رابطة علماء المغرب، وعضو مؤسس بمنظمة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

 

وحين صدرت مدونة الأسرة المغربية، كان للشيخ موقفه منها، وحذر من أنها تنطوي على العديد من بنود الفساد المجتمعي والتفكك الأسري، ففي المادة (19) التي رفعت سن الزواج وترتب عليها رفض طلبات آلاف القاصرين والقاصرات (أي من لم يبلغوا سن 18 عامًا)، وهو ما عزاه العلامة محمد زحل ـ رحمه الله ـ إلى "التقيد بالتغييرات التي جاءت بها مدونة الأسرة التي تم العمل بها منذ 2004 بالمغرب. معتبرًا أن هذه المدونة بشكلها الجديد "جرت الويلات على الناس"، وأحدثت الكثير من المشكلات بسبب التطبيق السيئ للمدونة بعد التعديل، مضيفًا: أنها تجاوزت ما تقتضيه الشريعة في مسألة الزواج الذي يهدف إلى درء الفساد، وتحصين الأمة من سوء الأخلاق وانتشار الزنا والرذيلة.

 

ودعا الشيخ وقتها إلى مراجعة هذه الملفات؛ لأن هناك من الفتيات مَن زواجها يعتبر أمرًا ملحًا، فقد تتعرض الفتاة لكثير من المخاطر، أو قد تقع في المحظور (من زنا ودعارة) إذا لم تتزوج، رغم عدم بلوغها السن الذي حددته مدونة الأسرة الجديدة.

 

وأوضح أن المقصود هو اختيار الزوج في وقت مبكر والعفاف والإحصان، إلا في حالة الفتاة اليتيمة التي يشترط فيها بعض الفقهاء أن تبلغ سن البلوغ، وما عدا ذلك فبإمكان المسلم الزواج في أي سن، مع الإتيان بشروط وأركان صحة الزواج، وهذا ما تخالفه المدونة الجديدة، والتي من آثارها رفض العديد من طلبات الزواج من فتيات لم يبلغن سن 18 عامًا.

وفي يوم الأربعاء غرة شهر ذي الحجة 1438هـ الجاري، توفي الشيخ محمد زحل، رئيس رابطة علماء المغرب العربي، وعضو رابطة علماء المسلمين، عن عمر 74 سنة، رحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مصادر:

ـ موقع الشيخ محمد زحل رحمه الله.

ـ موقع المسلم.

ـ لها أون لاين.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *: لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...