الصلاة الخاشعة: خير ما يعينُكِ على "التركيز" لها أون لاين - موقع المرأة العربية

الصلاة الخاشعة: خير ما يعينُكِ على "التركيز"

تحت العشرين » إبداع بلا حدود
18 - صفر - 1440 هـ| 29 - اكتوبر - 2018


1

ابنتي القارئة الكريمة: أهلا بكِ

تعاني كثير من الفتيات من تشتت الذهن، وضعف التركيز، مما يؤثر سلباً على تحصيلهن الدراسي، وعلى مستواهن في إتقان الأداء بشكل عام، وليس في الدراسة فقط، وتتأكد حاجة الفتاة الناجحة إلى (التركيز)؛ نظراً لما تتدرب عليه من مسؤوليات في بيت والديها إعداداً لأدوارها العظيمة المقبلة، كأم وزوجة وربة منزل، وربما كانت تعمل أيضاً، فإن أتقنت هذه المهارة في مطلع حياتها: أصبحت عادة راسخة في نفسها، وسببا من أسباب التقدم والإنجاز في حياتها المقبلة.

ويعرَّف (التركيز) بأنه: توْجيهُ كلِّ المَجْهود العَقْليّ إلى مَوْضوع واحد.

ولذلك كان سر التميز والنجاح المستمر، ف(العبقرية ليست أكثر من تركيز الذهن) .

وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍ خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيءٌ فلا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا وكذا ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن (لو) تفتح عمل الشيطان "(رواه مسلم).

وإليكِ أولاً أكثر أسباب التشتت شيوعاً:

- افتقاد القدوة الجادة، التي تمارس التركيز على المهام عملياً أمام الفتاة كل يوم، وعدم التعود على التركيز والصبر على أداء المهمات حتى تنتهي، فالتركيز عادة مثل أي عادة قد يتربى عليها المرء ويكتسبها من بيئته الأسرية.

-  قد يكون التشتت عارضاً، بسبب وجود مشكلة ملّحة تسيطر على تفكيرك، سواء مشكلة شخصية- عائلية- عاطفية- مالية- اجتماعية، وكذلك  وقوع أمر يشغلك أو يفرحك بشدة.

- توقع حدوث أمر مخيف والانشغال به، مثل ما يحدث للطلبة قبيل موعد الامتحانات.

- الضعف الصحي العام، أو المعاناة من مشكلة صحية بذاتها أيضاً قد يسبب تشتت الذهن.

- التعود على العيش أسير الخيالات، والاستسلام لأحلام اليقظة، خاصة عند المراهقين.

لماذا يحثنا الإسلام على التركيز؟

لأن تركيز الإنسان على أداء الأعمال بإتقان في أوقاتها التي يجب أن تؤدَى فيها هو عيْن التوفيق، وهو المعنى الواضح لكلمة "الانضباط الذاتي" التي ينادي بها الآن علماء الإدارة، بمعنى إدراك الإنسان لمسؤولياته وقيامه بها على أكمل وجه.

فالإسلام يدعونا إلى "التركيز" فيما ينفعنا في الدنيا والآخرة، في القرآن والسنة، قال تعالى: "وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ"(الأنعام: 153)، عَنْ أَبِي عَمْرٍو وَقِيلَ: أَبِي عَمْرَةَ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ـ رضي الله عنه ـ قَالَ: "قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا غَيْرَك؛ قَالَ: قُلْ: "آمَنْت بِاَللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ"(رَوَاهُ مُسْلِمٌ).

 كما كان صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله تعالى من تشتت الذهن؛ لأنه من أقوى أسباب الفشل وضياع الأوقات سدىً بغير فائدة، فكان من دعائه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَسْوَاسَ الصَّدْرِ، وَمِنْ شَتَاتِ الأَمْرِ"(ضعفه ابن حجر في الفتوحات الرباني، والعراقي في تخريج الإحياء).

صلاتك الخاشعة: أفضل تدريب على تنمية التركيز

ابنتي الحبيبة: إنّ بناء القدرة على التركيز الذهني والعقلي: يحتاج إلى تمرين هادئ وطويل، ولكنه صارم ودقيق كما يفعل الإنسان عند بناء وتقوية عضلاته، بحيث يستطيع بعد ذلك تركيز قواه الذهنية، وحصر تفكيره العقلي في أي وقت أراد، وفي أي موضوع أيضاً.

 ومن أحسن وسائل التدريب على التركيز حتى يصبح عادة: هو إتقان الصلاة الخاشعة المطمئنة، وذلك لأن كل التدابير والوسائل التي ينصح بها خبراء التدريب والتنمية البشرية، من أجل رفع كفاية التركيز، نجدها مجتمعة في خطوات الصلاة المطمئنة، من أول الاستعداد لها وحتى الانتهاء منها، ولنستعرض معاً تلك الخطوات:

- جعل الله تعالى الصلاة الخاشعة هي طريق الفلاح، كما أن التركيز هو وسيلة النجاح، قال تعالى: "قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ"سورة المؤمنون1ـ3.

- تفريغ الذهن وإعداد الجسم والثوب والمكان للصلاة:

ومن أمثلة ذلك: إخلاء مكان الصلاة؛ مما يشغل العين والقلب، فقد صلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في خميصة لها أعلام، فشغلته عن الصلاة، فلما انصرف قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم، فإنها ألهتني آنفاً في صلاتي وأتوني بأنبجانيته"رواه البخاري: 5817، و(معنى أنبجانية: كساء غليظ).

 ومنها سكون الجوارح وتحقيق الاطمئنان في الصلاة، عن ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضي الله عنهما ـ عَنْ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ، وَلَا أَكُفَّ ثَوْبًا وَلَا شَعْرًا"(رواه البخاري).

ومنها احترام المواقيت المحددة للصلاة: مما يمنح الفتاة عادة الانضباط واحترام المواعيد في سائر أعمالها، قال تعالى: "إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا"(سورة  النساء:103) فلا يصلح للمسلم أن يؤجل الصلاة عن وقتها المحدد بدون عذر، حتى يخرج وقتها تماماً، كما أن الحرص على أدائها في أول الوقت: هو من أعظم القربات إلى الله تعالى، عبد الله بن مسعود -رضي الله تعالى عنه- قال: "سألت النبي -صلى الله عليه وسلم- أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: الصلاة على وقتها، وقال: قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله" (متفق عليه).

ومنها استغلال أوقات النشاط، وإقبال النفس للاستزادة من صلاة النافلة، وعدم إكراه النفس عليها، وهو ما يطلق عليه: أوقات الذروة. فعن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال دخل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإذا حبل ممدود بين الساريتين، فقال: ما هذا الحبل؟ قالوا: هذا حبل لزينب فإذا فترت تعلقت. فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "لا، حُلُّوه! لِيُصَلِّ أحدُكم نشاطَه فإذا فترَ فلْيقعُدْ"(روه البخاري). 

وأخيرا ابنتي الحبيبة:

عليكِ بمطالعة سير الناجحين، وقدرتهم على التركيز التام أثناء الصلاة!

كانت القرون الأولى من هذه الأمة شديدة التفوق في تركيز الذهن فيما هو نافع ومفيد، سواء في أدائهم للعبادات بشكل نموذجي، أو في مجالات نبوغهم العلمي وأعمالهم المهنية التي يتكسّبون منها، وبمجموع هذه الثلاث أقاموا أعظم حضارة عرفها التاريخ. ولقد كان خشوعهم في الصلاة أمراً عجيباً، يدل على قدرة عالية على تركيز الذهن وحصر الفكر، فقد قيل لبعض السلف: هل تحدث نفسك بشيء من الدنيا في الصلاة؟ فقال: "لا في صلاة ولا في غيرها!". وقال ميمون بن مهران: ما رأيت مسلم بن يسار ملتفتاً في صلاة قط، ولقد انهدمت ناحية من المسجد ففزع أهل السوق لهدتها، وإنه لفي المسجد يصلي فما التفت.

ورُوِيَ أن عبد الله بن الزبير ـ رضي الله عنهما ـ كان يصلي في جوف الكعبة، وهو محاصر بجيش عبد الملك بن مروان الذي يسدد ضرباته بالمنجنيق، فمرت فلقة من حجر عظيم بين لحيته وحلقه فما زال ـ رضي الله عنه ـ عن مقامه، ولا ظهر على صورته هَمٌ ولا اهتمام. وهذا عروة بن الزبير أصاب رجله خبث، فقرر الأطباء قطع رجله، فقال اقطعوها وأنا في الصلاة، فقطعوها وهو يصلي. بل وقبل ذلك عباد بن بشر ـ رضي الله عنه ـ حيث رمي بثلاثة أسهم وهو يصلي فلم يقطع صلاته، كما في صحيح البخاري!

فإذا كان هذا هو شأن سلفنا الصالح، وكان ذلك هو شأن التركيز؛ فلننهض محاولين أن نلحق بالركب عسى أن نكون من الفائزين.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...