الصيام وتحقيق التقوى في حياة المسلم لها أون لاين - موقع المرأة العربية

الصيام وتحقيق التقوى في حياة المسلم

دعوة وتربية » سنن وفضائل
20 - رمضان - 1435 هـ| 18 - يوليو - 2014


1

الصيام شعيرة واسعة الأهداف، فهي تحقق معان روحانية، ومعان مادية واجتماعية، تنعكس على حياة المسلمين، وتظهر آثارها في واقعهم، كما يقول الشيخ إبراهيم العشري، الداعية الإسلامي وأحد علماء الأزهر الشريف، الذي يشير إلى وصف صاحب الظلال للعلاقة بين الصيام والتقوى أنها علاقة الوجهين للعملة الواحدة، حين يصف التقوى بأنها "حساسية في الضمير، وشفافية في الشعور، وخشية مستمرة، وحذر دائم، وتوق لأشواك الطريق. طريق الحياة الذي تتجاذبه أشواك الرغائب والشهوات، وأشواك المطامع والمطامح، وأشواك المخاوف والهواجس، وأشواك الرجاء الكاذب، فيمن لا يملك إجابة رجاء، والخوف الكاذب ممن لا يملك نفعاً ولا ضراً".

 

وإذا كانت هذه أفعال التقوى في النفس البشرية، فإن الصوم يحدث الآثار نفسها كما يوضح العشري، ويضيف: حين نتأمل قول الله تعالى: "كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ"سورة البقرة183، نجد أنها تنبهنا على توقي مخاطر الحياة، وما قد يضر الإنسان المسلم في حياته الدنيا أو ما يضره فيما آخرته.

 

وتشير الآية الكريمة إلى أن الصيام أحد موجبات التقوى، وفي تفسيرها يقول الإمام ابن كثير رحمه الله: إن الله تعالى يخاطب المؤمنين من هذه الأمة وآمرا لهم بالصيام، وهو: الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع بنية خالصة لله عز وجل، لما فيه من زكاة النفس وطهارتها وتنقيتها من الأخلاط الرديئة والأخلاق الرذيلة.

 

وذكر أنه كما أوجبه عليهم، فقد أوجبه على من كان قبلهم، فلهم فيه أسوة، وليجتهد هؤلاء في أداء هذا الفرض أكمل مما فعله أولئك، كما قال تعالى: "لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا، وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً، وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ"المائدة : 48".

 

 ولهذا قال هاهنا: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" سورة البقرة183؛ لأن الصوم فيه تزكية للبدن، وتضييق لمسالك الشيطان; ولهذا ثبت في الصحيحين: "يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء".

 

ويضيف: ثم بين مقدار الصوم، وأنه ليس في كل يوم، لئلا يشق على النفوس، فتضعف عن حمله وأدائه، بل في أيام معدودات. وقد كان هذا في ابتداء الإسلام، يصومون من كل شهر ثلاثة أيام، ثم نسخ ذلك بصوم شهر رمضان، كما سيأتي بيانه. وقد روي أن الصيام كان أولا كما كان عليه الأمم قبلنا، من كل شهر ثلاثة أيام عن معاذ، وابن مسعود، وابن عباس، وعطاء، وقتادة، والضحاك بن مزاحم. وزاد: لم يزل هذا مشروعا من زمان نوح، إلى أن نسخ الله ذلك بصيام شهر رمضان.

 

وقال العشري: بعد هذه المقدمة الإيضاحية لتشريع الصيام على الأمم السابقة تم تشريعه على المسلمين، وأنه من موجبات التقوى، فيجب أن نسأل أنفسنا ما الواجب العملي أو ما السلوك الصحيح للمسلم في حياته اليومية لتحقيق هذه التقوى، وإصابتها على خير ما يحب ربنا تعالى ويرضى؟

 

ويقول العشري لو توقفنا أمام قول الله تعالى: "شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ"البقرة: 185، وقوله تعالى: "إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ"سورة الدخان: 3، وقوله سبحانه: "إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ" سورة القدر:1. هذه الآيات تؤكد منزلة شهر رمضان في القرآن الكريم، وبالتالي فإن القرآن الذي يعد دستور المسلمين والموجه لحياتهم، من الجدير بكل مسلم تدبره والحياة معه، وبه طوال العام عموما، وفي الشهر المبارك خصوصا، التماسا للتقوى، والزاد الذي يعينه على عبادته ومعاملاته مع الخلق.

 

وتعد الحياة مع القرآن الكريم في رأس الأولويات التي يجب على المسلم طلب التقوى بها، ولهذا نجمل القول في الحياة بالقرآن فنقول: إن هناك آدابا، أهمها أن يدرك المسلم أنه بقراءة القرآن فإنه يناجي ربه خالق الكون المتصرف في شؤون العباد.

 

ويحسن بنا أن نحذر من هجر القرآن لكريم، فالبعض ينشغلون عنه بملهيات لا تليق بقدسية الشهر الكريم، وهو ما يترتب عليه فوات الخير الكثير والوقوع في هجره.

 

وهناك صور متعددة لهجر القرآن الكريم، وبالتالي البعد عن إصابة التقوى، يقول الله تعالى: "وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا"سورة الفرقان: 30. ولأهل العلم عند تفسير هذه الآية أنواع هجر القرآن وهي: عدم الاستماع إليه إذا تلي، وإكثار اللغط والكلام عند تلاوته حتى لا يسمع، ترك الإيمان به، وعدم التصديق، وترك تدبره وتفهمه، وترك العمل به، فلا تمتثل أوامره، ولا تجتنب نواهيه، وترك التحاكم إليه.

 

وإن من أهم مظاهر التقوى، وتحققها في حياة الأفراد والجماعات هو انعكاس أخلاق القرآن وتوجيهاته على حياتهم، لذلك نحتاج في عند التماس التقوى وتعلمها من القرآن الكريم، أن نعلم ونعمل، ولا يكفي العلم فقط، فالبعض ينشغلون بالقراءة المجردة للقرآن، ولا شك أن الخير فيها، ولكن الأفضل منها هو تفعيل أوامر ونواهي القرن الكريم، والوقوف على أوامره ونواهيه، بنفوس راضية مقبلة، تشعر بالسرور والسعادة والبشرى في الإقبال على كلام الله وتوجيهاته.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...