الضغط النفسي: القاتل الصامت لها أون لاين - موقع المرأة العربية

الضغط النفسي: القاتل الصامت

عالم الأسرة » همسات
18 - محرم - 1440 هـ| 29 - سبتمبر - 2018


1

من طبيعة الحياة أنها تحاصرنا بالكثير من المسؤوليات والأعمال، التي تتطلب الجهد والوقت لإنجازها، فالحياة العصرية خاصة، قدمت لنا ما يريح أجسادنا، لكنها في الوقت نفسه استنفدت طاقاتنا بالكثير من الجهد الفكري، والذي يشكل عبئاً على منظومتنا النفسية. وبالتالي يوقعنا في دائرة الضغوط النفسية. كما أن سرعة الحياة والمتطلبات المتزايدة فيها، مع إدراكنا السلبي للأحداث من حولنا. كلها عوامل لها أثرها السلبي علينا. فنجد أنفسنا أُسارى ضغوط تؤثر على جودة حياتنا وصحتنا بشكل عام.

ويمكن تعريف الضغط النفسي: بأنه مشاعر سلبية، ناتجة عن عدم التوازن بين النفس والجسم، أو بين المهمات المطلوبة والقدرة على أدائها، أو الوقت الكافي لأدائها أو عدم القدرة على التكيف مع الأحداث الحياتية؛ وينتج هذا تفاعلا جسميا نفسيا يظهر بشكل أعراض مزعجة أو مشكلات نفسية أو جسمية.  

          وتنقسم الضغوط النفسية إلى قسمين: أحدهما ضغوط إيجابية، والتي يتبعها إنجاز ونجاح كالامتحانات الدراسية. بينما تمثل الضغوط السلبية القسم الآخر، وهو الأكبر والأكثر تأثيراً على صحتنا؛ نتيجة عدم قدرتنا على التحكم بها. والتي منها الحوادث والصدمات النفسية، أو الفقد كوفاة عزيز بالإضافة إلى أحداث الحياة المزعجة والإخفاقات التي نواجهها في الحياة. وكلها تُمثل ضغوط سلبية خارجية نصطدم بها في حياتنا.

وهناك نوع آخر من الضغوط السلبية، والتي لا وجود لها إلا داخلنا ونحن من نصنعها بتفكيرنا السلبي تجاه الأحداث من حولنا؛ لنصنع منها عوائق تجاه مواقف وأحداث الحياة من حولنا، رغم أنها في حقيقتها عوائق وهمية، لا وجود لها في الواقع كالخوف والقلق والتردد، وهي ما تُعرف بالضغوط الداخلية.

ورغم سلبيات الضغوط الكثيرة، إلا أننا نحتاج بعضاً منها لإثارة دافعيتنا نحو الإنجاز والعمل وتحقيق النجاح في جوانب حياتنا المختلفة. وبالرغم من احتياجنا لشيء من الضغوط الإيجابية للإنجاز، لكن تفكيرنا بها كأعباء بشكل متزايد، أو بطريقة سلبية: يحولها لعقبات في سبيل نجاحنا؛ لأنها تُعطل تركيزنا وتحرمنا الإنجاز والفعالية المطلوبة. فالقليل منها يدعم مسيرة نجاحنا لكن بتراكمها واستثارتها للقلق بشكل مستمر، تصبح عائقاً حقيقياً في سبيل نجاحنا. والضغوط لا تقف فقط في سبيل نجاحنا، بل وعقبة في سبيل استمتاعنا بالحياة، وتمتعنا بالصحة النفسية والجسمية أيضاً. فهي المسؤولة عن كثير من مشكلاتنا الصحية؛ لتأثيرها على مناعة أجسامنا تجاه الأمراض المختلفة؛ مما يجعلها عاملاً رئيساً في ظهور المشكلات الصحية الجسدية، فضلاً على أنها عامل مهم في زيادة هذه المشكلات وتفاقمها إن كانت موجودة من قبل. مع كونها أيضاً سبباً في نشأة بعض المشكلات النفسية، كالقلق والأرق وسرعة الانفعال والحزن، وكثيراً ما ترافقها أعراض مزعجة لا مسبب مرضي لها كالصداع والآلام المتفرقة في الجسد والتعب من أقل مجهود.

والنقطة المهمة هي أن علينا أن ندرك أن الضغوط موجودة من حولنا وبكثرة، ولا نستطيع التحكم بالكثير منها؛ لكن بوسعنا التحكم بأنفسنا وإدارة انفعالاتنا، وتحسين نوعية أفكارنا؛ لنواجه الضغوط بدون متاعب تذكر.  

وأهم ما يجب أن نفعله للحد منها، هو: أن ندرك أن الضغوط النفسية، هي سبب في الكثير من معاناتنا؛ لأن إدراكنا لوجود المشكلة وتحديدها، يفتح لنا أبواباً واسعة في الوقاية والتخلص منها. من خلال تأملها بنظرة فاحصة متأنية؛ لتصنيفها ضمن نوعها، والتعرف على مصدرها، وبالتالي يسهل علينا إدارتها. فمثلاً الضغوط الناتجة عن مشكلات لا نستطيع دفعها كالحوادث والوفاة لمن نحب؛ فإن إدارتها تتبع المنهج الإيمانية بالدرجة الأولى، وذلك من خلال تقبل حدوثها بالاحتساب والتركيز على جوانب الرحمة فيما حدث، مع تعظيم جانب الأجر والثواب المعد لمن صبر ورضي بما قدره الله؛ لتجاوز المشكلة واعتبارها حدثاً لا يحمل المشاعر السلبية، بقدر ما يحمل الرضا والأجر والرحمة بين جنباته. وكل ذلك بعد أن نصنفها ضمن ضغوط الابتلاءات المقدرة على البشر بصفة عامة، وأن علينا الإيمان بقضاء الله وقدره والرضا والتسليم؛ لنتقبلها ونتعايش مع وجودها.

أما الضغوط الناتجة عن مشكلات الحياة والعمل، فإن إدارتها غالباً ما يكون ممكناً من خلال استرجاع المواقف الضاغطة والمخفقة، والنظر إليهما بتجرد لما حصل من إخفاقات. فالهدف هو إعادة تدوير هذه التجارب؛ لتصبح صالحة للاستفادة منها مستقبلاً أو على أقل تقدير؛ لتساعدنا في تجنب الوقوع في الأخطاء السابقة، مع تعلم بعض المهارات التي تساعدنا على اختصار الوقت والجهد أو تعلم المهارات الشخصية في التواصل وغيره؛ مما يساعدنا على التعامل بشكل أفضل على المستوى الاجتماعي، وبالتالي يحد من بعض الضغوط. خاصة عند الاهتمام بإدارة أوقاتنا بشكل أفضل وترتيب الأولويات في الحياة الأهم فالمهم، مع تحديد الأهداف وسبل الوصول إليها ضمن حدود الإمكانات والقدرات الشخصية، مع رفع الثقة بالنفس، وتوكيد الذات برفض ما يفوق على الإمكانات الشخصية.

ومن المهم أيضاً: الانتباه لطريقتنا في التفكير؛ لتعديل أنماطنا الفكرية؛ حتى لا نجعل من صغائر الأمور عقبات تثير الأزمات النفسية لدينا. بتحويل تركيزنا بشكل دائم على الجوانب الإيجابية في كل المواقف والأحوال، واستشعار الأهداف المنشودة، بتخيل الوصول إليها، والعيش ضمن نتائجها المأمولة، فذلك يساهم في دفعنا للمواصلة، وتجاوز الكثير من العقبات، والتخفيف من ألم المعاناة في سبيل للوصول إليها وتحقيق النجاح.

مع محاولة توسيع نظرتنا؛ لتشمل الكثير من الجوانب في حياتنا، دون أن تكون محصورة على المشكلة فقط، بطرح أسئلة على أنفسنا هدفها زيادة الاستبصار مثل:

  • ما الفائدة على المستوى الشخصي والحياتي من طريقتنا في التفكير، والتي تجعلنا في إطار الضغوط طوال الوقت؟
  • وهل هذا سيحقق لنا فائدة في المستقبل أو أدنى نجاح؟
  • وكيف يمكن الاستفادة من الضغوط من حولنا؛ لتكون داعماً لنا، بدلا من كونها مثبطة لنا؟

فتحويل أنماطنا الفكرية من التفكير في المشاعر، إلى التفكير في الأسلوب الأمثل للتصرف في المواقف المختلفة، يعد من أفضل أساليب التعامل مع الضغوط؛ لتحويل التفكير لعمل واقعي مفيد، بدلاً من حصره في مشاعر سلبية تهدم ولا تبني. كما أنها تُدربنا على مواجهة الضغوط والتفكير في حلها دون هرب أو تأجيل لها.

بالإضافة إلى استخدام بعض المهارات السلوكية، التي نستطيع من خلالها السيطرة على ما نواجه من ضغوط كممارسة الاسترخاء، والتأمل فذلك مفيد في كل أنواع الضغوط؛ وذلك لاستعادة التكيف والتوافق النفسي مع البيئة والسلام الداخلي، وبالتالي زيادة القدرة على الإنجاز والعمل بفعالية أكبر. ومحاولة تصريف ما ينتج من قلق وأعراض مزعجة من خلال الرياضة. مع الاهتمام بالجانب الاجتماعي، لما له من أثر في الاحتواء والدعم. من خلال مجالسة الأشخاص الإيجابيين الذين يمدوننا بالطاقة الإيجابية للمواصلة، وكذلك بالتواصل مع الأصدقاء: نحصل على جرعات من الأنس تصرف عنا الكثير من ضغوط الحياة. فالتحدث إلى الأصدقاء، ومشاركتهم يخفف من الأعباء ويشعرنا بالمشاركة، وبالتالي تخف حدة الضغوط، ونعيد ترتيبنا للأفكار والمشاغل من حولنا. بالاستفادة من تجاربهم، وتفريغ المشاعر السلبية بالحديث معهم.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...