الطلاق ولعبة النَّار (3)

كتاب لها
28 - ربيع الآخر - 1424 هـ| 29 - يونيو - 2003


 

ينتابني شعور بالكآبة والضيق حين أتذكّر أنَّ نسبة (30%) من حالات الزواج في إحدى العواصم العربية الكبرى مصيرها الفشل، حسب إحصاءات نشرتها الصحف نقلاً عن مصادر رسمية، ويختلجني إحساس غامض: هل نسبة (70%) الباقية تمثِّل الحياة الزوجية السعيدة؟

لماذا (30%)؟! هل غدت كلمة "طالق" أو "طلِّقني" أسهل من "السلام عليكم"؟! هل من يعنيهم الأمر من زوج وزوجة لا يفهمان ماذا تعنيه تلك الكلمة؟! وما التوابع واللواحق والنتائج والآثار والمصائب التي تترتّب على تلك الكلمة؟!

دعكم من أنَّ بعض الطلاق رحمة، فهذا لا أعنيه، ولكن ما أقصده حين تغتال تلك الكلمة حكمة الرجال وصبر النساء، ويعزف بها على جرح الألم والفراق، حين تئن البيوت وتتسع الجراحات، وحين تتضعضع المنازل لأسباب تذكِّرنا بنزاعات الأطفال على أشيائهم، لكنَّ الأطفال سرعان ما يعودون ويدملون جراحهم، أمَّا الكبار فإنَّ جراحهم تظلُّ تثعب دماً.

ولعلِّي في عجالة سريعة أضع القلم على أسباب هذا الجرح النازف كما أعتقدها:

أولاً: غياب الحكمة:

 يُمدح الرجل بالحكمة والاتزان، وكذلك المرأة؛ حين يكون من أوَّل مواصفاتها أنَّها امرأة رزينة (متأنية عاقلة). إنَّ غياب تلك الصفة يعني انهيار الحياة السعيدة ثمَّ سقوط برج الزواج. لكن الملاحظ أنَّ كثيراً من النَّاس يفتقر إلى الحكمة في اتخاذ القرارات، وخصوصاً قراري الزواج والطلاق، وهما القراران اللذان يرسما منعطفاً خطيراً في حياة الفرد.

فزيجات كثيرة تتم دون السؤال الكافي من الزوج عن المرأة، وعن تربيتها، عن دينها ومقدار تمسُّكها به وحرصها عليه، فقد يكتفي كثير من الرجال بالمواصفات الخارجية.

وزيجات كثيرة تتم على عجل دون سؤال عن الزوج، إذ يُكتفى أيضاً بمقدرته المالية أو نسبه الرفيع.. أو حتى أين سيقيم حفل الزفاف.. وأين سيمضي بزوجه شهراً من "العسل"؟!

وهنا تختفي الحكمة!

وتختفي الحكمة أيضاً حين يكون من أسباب الطلاق توافه الأمور، فهذه امرأة طُلِّقت لأنَّها لم تجد طبخ وجبة ما! أين الحكمة؟! وأخرى طلَّقها زوجها حين أفسدت آلة من أدوات المنزل! وثالثة اختلفت وجهات نظرها مع وجهات نظر زوجها، فكان الطلاق حاسماً لهذا الخلاف!! ورابعة.. وخامسة..

وهذا زوج أخذته العزَّة فرمى كلمة الطلاق على زوجته تحدياً حين طلبت ذلك.. وغير ذلك، أمثلة كثيرة توضِّح أنَّ الحكمة قد غابت أو غُيِّبت في مثل تلك المواقف، والحكمة مطلوبة من الطرفين، لكنَّها في حق الرجل أوجب؛ وذلك لأنَّ زمام الأمور بيده، والمرأة قد تستعجل في لحظة انفعال وغضب فتطلب الفراق، لكنها حين تسمع الكلمة سرعان ما تعود إلى نفسها فتندم، ولات ساعة مندم.

لو يدرك كلا الطرفين أنَّ الاستعجال في اتخاذ القرارات وارتجالية المواقف ينتج عنه عواقب وخيمة لكليهما! لو أدركا.. لكان للحكمة موقف هنا.

البساطة التي ترتكز عليها أمور النَّاس في السابق أوجدت السماحة في المعاملة، على عكس تعقيد الحياة وكثرة المغريات اليوم.

بعض حالات الطلاق في الوقت الحاضر نتاج الانغماس في تلك المثيرات، فهذا زوج انجرف أمام مغريات القنوات الفضائية، فبدأ يقارن بين زوجته وبين "النساء الفضائيات" فزهد بما لديه على أمل أن ينال ما يرى.. وهذه زوجة أغرتها الحياة الدنيا وملذّاتها فلم تقنع بما لديها وبنصيبها الذي كتبه الله لها، وبدأت تقارن بين حالها وحال مثيلاتها أو حال من هو أعلى منها جاهاً وحسباً، فزهدت في زوجها؛ رجاء أن يأتيها فارس على صهوة جواد أبيض!

ثالثاً: استقلالية الرأي:

 استقلالية الرأي أمر محمود إلاَّ في بعض الحالات، حين يفرز ذلك الأمر قرارات عشوائية لا ترتكز على المصلحة العامة، والانفراد باتخاذ قرارات مصيرية بهذا الشكل الارتجالي أمر سيئ العاقبة. مشاورة أهل العلم وأصحاب العقول الراجحة والآراء الصائبة في كثير من النزاعات أمر قد يقلِّص حالات الطلاق، خاصة عند كثير من الناس ممَّن يفتقد القدرة على احتواء مشكلاته بنفسه، ولنا في القرآن خير معين حين يأمر بإرسال حكم من أهله وحكم من أهلها للصلح بين الطرفين.

رابعاً: الجهل بالغرض من الزواج:

 كثيرون يرون أنَّ الزواج يعني وجهاً جميلاً وبيتاً منظَّماً وعشاء فاخراً. وكثيرات يرين أنَّ الزواج رجل غني وحرية واسعة وانطلاق بلا حدود. لكن ثمَّة غرضاً يجهله بعض الأزواج، وهو أنَّ الهدف من الزواج تحقيق السعادة لكلا الطرفين دون ضرر أو إضرار بأي طرف آخر.. وحتى تتحقق هذه المسألة فعلى الطرفين الاهتمام برعاية حقوق كلّ منهما، واحترام تلك الحقوق في إطار الحرص على عدم تبادل الأدوار بينهما، فالزوج رجل والزوجة امرأة، فحين تمتشق المرأة القوامة.. وحين يضحِّي الرجل بغيرته متساهلاً مع زوجته؛ يصهل خيل الطلاق؛ لأنَّ الرجل مهما قدَّم من تنازل سيطالب بتلك القوامة وهي حق من حقوقه، والمرأة مهما نشدت الرجل أن يمنحها حرية أكثر وأن يخفف من غيرته ستطالب بها يوما؛ً لأنَّها ستدرك أنَّها المظلَّة التي تقيها عواصف الحياة، وإذا حدث الرفض من أي الطرفين لواقع تبادل الأدوار هذا فسيصهل خيل الطلاق، سيصهل الخيل!! ويغدو الطلاق لعبة نار يلهو بها من يشاء.

 

مقالات أخرى:

·         الطلاق ولعبة النار-1-

·         الطلاق ولعبة النَّار-2-

·         محصّلة التشبُّه: عرى الأجساد، خواء العقول!!

 



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...