العائلة الفلسطينية في الشتاء.. ونكهة الأحاديث الدافئة!!

عالم الأسرة » شؤون عائلية
05 - محرم - 1428 هـ| 24 - يناير - 2007


1

زخات مطر تتساقط.. أغصان شجر تتمايل تداعبها نسمات شتوية باردة.. وشوارع تخلو من المشاة، فقط سيارات أجرة تُقِل المواطنين إلى أماكن العمل ومنها إلى البيوت والعكس في ساعات الصباح الأولى.

المحال التجارية أغلقت أبوابها الزجاجية ووضع أصحابها إشارة توضح أن المحل مفتوح ويستقبل الزبائن، أما بيوت الأسر الفلسطينية المتواضعة في المخيمات والمدن والقرى فما يكاد يعود أفرادها من العمل والمدارس حتى تغلق الأبواب والنوافذ معلنة البيات الشتوي إلا للأمور الطارئة، ويلتف الجميع في انسجام ودفء حول أجهزة التدفئة الإلكترونية أو التقليدية أو تحت البطاطين الثقيلة يشاهدون التلفاز أو يديرون الأحاديث المختلفة..

ليالي الشتاء الباردة تفرض طقوساً معينة على المواطنين في أرجاء العالم، هذا ما يتطرق له التحقيق التالي الذي أعدته "لها أون لاين" واقتربت فيه من الأسر الفلسطينية على اختلاف إمكانياتها:

الساعة الرابعة بعد العصر، حالة من السكون تعم المخيمات الفلسطينية، فقط بعض أصوات الأطفال الذين رافقوا آباءهم في ساحة المنزل لإيقاد الحطب في كانون حديدي للتدفئة، الأزقة المملوءة بالمياه وقنوات السيول المتدفقة بفعل الأمطار باتت معبقة برائحة الحطب المشتعل هنا وهناك، وحالة من الدفء تسود المكان وبصعوبة بالغة نجتاز بعض القنوات، نطرق أحد الأبواب نستطلع ما يجري بداخلها.

وصلنا منزل محمد ـ في التاسعة والعشرين من عمره ـ متزوج وله من الأطفال اثنان يقطن في طابق علوي مع عائلته، ليالي الشتاء الباردة تجعله يعود إلى طقوس قديمة كان قد اعتاد عليها برفقة والده – رحمه الله – يقول محمد: "أحب فصل الشتاء كثيراً يعيدني إلى أيام ومواقف عزيزة على قلبي لارتباطها بوالدي"، ومن طقوسه في ليالي الشتاء الباردة إيقاد الحطب في كل ليلة وطهي الشاي فوقه ومن ثم الاجتماع حول موقد الحطب للتسامر وتبادل الأحاديث الدافئة، ويتابع: "بعد مدة من الوقت قبل أن يهفت الحطب نعمد إلى تحميص الخبز على الفحم وتناوله مع الدقة أو الزعتر وزيت الزيتون فيكون وجبة عشاء شهية لا تعوض بأي من أنواع اللحم، كما نعمد إلى شوي حبات الكستناء اللذيذة التي تضفي لوناً آخر على الأحاديث الأسرية".

أما والدته في الستينيات من عمرها فطقوسها لا تختلف عن ابنها محمد، تحب الاجتماع مع أبنائها في ليالي الشتاء الباردة لتشعر بمزيد من الاحتضان والدفء معهم، وتضيف: "كما أحب أيضاً طهي مأكولات خاصة بفصل الشتاء تمد الجسم بالطاقة وتجعله يقاوم البرد، فما إن تتساقط الأمطار حتى أعمد إلى صنع الشوربات الساخنة التي تذهب البرودة من الجسم وتمد بالطاقة والحيوية وأهمها شوربة العدس والفريكة، بالإضافة إلى الشوربات الأخرى".

وتعمد المرأة الستينية أيضاً إلى طهي البصارة والحماصيص فهما أكلتا أولادها وأحفادها المفضلة مع الخبر المحمص على النار، وتستطرد: أما في ساعات السمر فأعمد إلى صنع المشروبات الساخنة أكثر من مشروبات الأعشاب الطبيعية كالزعتر والبابونج والقرفة والشاي والحلبة واليانسون طبعاً؛ إذ إنها تمد الجسم بالدفء وتقضي على فيروسات الرشح والأنفلونزا التي تصاحب فصل الشتاء، بالإضافة إلى صنع المُحليات من أصناف المهلبية بالحليب والنشا والكاكاو المزذانة بالعسل جوز الهند، وأطباق الأرز وحليب والعوامة وبلح الشام التي تمد بالطاقة والدفء.

أحاديث دافئة ومُحليات شتوية

ولا تختلف طقوس عائلة "أم شادي" في بداية الأربعينيات من عمرها، من مخيم الشاطئ بمدينة غزة عن سابقتها، تقول أم شادي: "فصل الشتاء يفرض عليك بعض الطقوس، فالبرد والأمطار المتدفقة من السماء تعجزك أحياناً عن القيام بالزيارات وتجعلك تفضلين البقاء في جو المنزل الدافئ"، أما عن بعض طقوس أسرتها في ليالي الشتاء الباردة تؤكد ما إن يعودوا أدراجهم من المدارس وأماكن العمل حتى يلتحفوا البطاطين في الصالة، بعضهم يشاهد التلفاز والآخر ينهي واجباته المدرسية، وفريق ثالث يهمس بأحاديث جانبية، ورابع ينتظر بفارغ الصبر ازدياد زخات المطر حتى يشهد تساقطها ويتجه إلى الله بالدعاء الخالص من القلب.

وتتابع أم شادي: "في ساعات بعد الظهر نجتمع على طعام الغداء والذي غالباً ما تتضمنه الشوربات الطازجة التي تمد بالدفء والطاقة وفي المساء وبعد أن ينهي كل فرد التزاماته بالدراسة يبدأ الإعداد لحفل السمر الطويل، نحب بعد المغرب الجلوس في جو عائلي نتناول المحليات الشتوية كالسحلب المدعم بالمكسرات وجوز الهند، أو العوامة اللذيذة التي تكون ضيافة رائعة للجيران والأقارب الزائرين".

في البيت الكبير

بدا المنزل كبيراً، صامتاً نوعاً ما إلا من أصوات حميمة لأطفال تلهو بألعاب بلاستيكية وأخرى لأشقاء يتناقشون ويدرسون، النوافذ مغلقة وكذلك الأبواب والستائر أسدلت فأضفت جواً من الهدوء والدفء على المنزل، أما الأنوار فكانت خافتة تتلون بين الأصفر والأبيض، "منى" في الثلاثينيات من عمرها وإحدى قاطني المنزل، قالت عن طقوسها في فصل الشتاء: "ما إن تتلبد السماء بالغيوم معلنة أول قطرة مطر في فصل الشتاء حتى أعمد إلى تغيير ديكور المنزل وإعادة ترتيب غرفة الجلوس الرئيسية فيه بما يتوافق مع الأجواء الشتوية الماطرة الباردة".

وبشيء من التفصيل تتابع الفتاة حديثها: "أنقل جلسة الأسرة الرئيسية من الصالة الخارجية إلى غرفة داخلية كبيرة بالمنزل وذلك بعد فرشها بالبسط الصوفية والفراش الأرضي وتضمينها الوسائد وعدداً كافياً من البطاطين الثقيلة، كما أعمد إلى تضمينها جهاز التلفاز والتليفون حتى لا نتحمل عناء البرد أثناء الانتقال من الغرفة الدافئة إلى الصالة الخارجية شديدة البرودة للإجابة على الهاتف، وفي ركن آخر من هذه الغرفة أضع ألعاب أبناء أشقائي ليلعبوا وينعموا أيضاً بجو الدفء".

وتشير الفتاة إلى أن الغرفة معدة خصيصاً للبيات الشتوي بها نافذة واحدة كبيرة وباب واحد على خلاف بقية الغرف المزودة بنافذتين وبابين أحدهما داخلي والآخر خارجي يطل على شرفة صغيرة، كما أنها قريبة من المطبخ أيضاً"، تصمت قليلاً ثم تضيف: "فيها نجتمع وأشقائي وزوجاتهم وأطفالهم ونستقبل فيها الأهل المقربين والجيران، الأطفال يلعبون ويمرحون فيها أمام ناظرنا".

 وعن نظام الحياة الشتوية فيها تشرح: "البداية تكون بعد ساعات العصر حيث ينهي كل منا أعماله وواجباته المنزلية ويأتي موعد الالتقاء الأسري، تنزل زوجات أشقائي من بيوتهن في الطابق العلوي، نحتسي الشاي سوياً ثم نتبادل الأحاديث في جو من الهدوء والاطمئنان ونناقش بعض الأمور، ثم نتجه إلى متابعة المسلسلات الدرامية وبينهما يكون أداء صلوات المغرب والعشاء، ويتخلل الجلسة تناول المشروبات الساخنة المخصصة للشتاء كالسحلب، أو نقوم بشواء البطاطس الحلوة أو الكستناء مع بعض المسليات كالبزر والمكسرات الأخرى، وما إن تحين الساعة العاشرة حتى نعمد إلى صنع العشاء وغالباً ما يكون ساندويتشات من الجبن الأصفر أو الدقة أو الزعتر المحمص على المدفأة الكهربائية".

وتشير منى إلى أن أسرتها في فصل الشتاء تكثر من صنع الشوربات والمأكولات التي تشعر بالدفء ولاسيما محشي الملفوف الرائع وكذلك أكلات المفتول السريعة المطهوة فقط بصلصة الطماطم والبصل، وتشير منى: ما إن تلوح الشمس بالشروق بعد الأيام الماطرة حتى نخرج إلى الحديقة نتلمس دفء الشمس الطبيعية وتحلو الجلسة وتطول من ساعات الصباح حتى بعد الظهر بصحبة الحمضيات الطازجة كالبرتقال والكرفوت والبوملي التي تحمي من فيروسات الأنفلونزا المصاحبة للأجواء الماطرة شتاءً.

تلك كانت بعضاً من أجواء الأسر الفلسطينية في فصل الشتاء، تعكس بعضاً من ملامح الحياة المتواضعة البسيطة لهم سواء في السلوكيات أو طبيعة الأطعمة التي يتناولونها شتاءً لتمدهم ببعض من دفء الحياة المتلاشي بفعل الأمطار الجارفة.

أكلات تقليدية وأجواء حميمية

أما فاطمة الزيني في نهاية الستينيات من العمر فتحدثنا عن طقوسها وأسرتها في ليالي الشتاء الباردة تقول: "البداية تكون أكلة أفضلها وأولادي في هذا الفصل البارد قد تكون غير مشهورة كثيراً اسمها "حلقة إصبع" وهي عبارة عن مزيج من المفتول المجفف مع قطع من الخبز تطهى على النار مع بَشر البصل ومقدار من الماء لنضج المفتول والملح والفلفل الأسود أصنعها أحياناً طعاماً للغداء إلى جانب شوربة العدس أو تكون وحيدة على مائدة العشاء فهي خفيفة جداً ومغذية وتمد بالطاقة والنشاط "، وتتابع السيدة: "تكون وجبة الفطور المميزة لدى أولادي يوم الجمعة فالكل مجتمع لا أعمال ولا مدارس صباحية أطهي لهم الشعرية اللذيذة المحلاة بالسكر المزينة برشات الفستق وجوز الهند والقرفة، وفي ساعات المساء نجتمع حول موقد الحطب نحتسي الشاي ونتسلى بحبات الكستناء المشوية على الفحم برفقة الأقارب والأهل القادمين لزيارتنا، نتبادل الأحاديث الحميمة وتطول بنا الساعات تحت الأغطية والبطاطين الدافئة فتلهج قلوبنا وألسنتنا بالدعاء ونقيم الصلوات الجماعية داخل غرفة الجلوس التي تشهد كافة تفاصيل يومنا منذ ساعات الصباح حتى الولوج إلى النوم".

ومن طقوسها الشتوية تؤكد المرأة أنها تقوم بطهي بعض المأكولات التقليدية كالبصارة والحماصيص والجريشة والمفتول المجفف المطهي بالبصل والطماطم، ناهيك عن دمسة العدس التي يتناولها الأولاد مع الخبز المحمص وأكواب الشاي كوجبة إفطار أو عشاء شهية إلى جانب الدقة والزعتر الممزوجة بزيت الزيتون والفلفل الأحمر، وتستطرد الزيني قائلة: "هناك وجبات ساخنة أعمد إلى طهيها في فصل الشتاء لا يمكنني التنازل عن صنعها ثلاث مرات على الأقل في الفصل كمعجنات السبانخ الأخضر والزعتر وفطائر اللحم المفروم التي تؤكل ساخنة فتكون أشهى وألذ وأطيب، ناهيك عن أكلات الخبيزة، وشوربة العدس الرائعة مع الخبز الساخن وأقراص الفجل الأحمر والبصل الأخضر".

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- احمد صبحى احمد الزينى - المغرب

19 - شوال - 1428 هـ| 31 - اكتوبر - 2007




لايوجد

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...