العتبة النفسية في حياتنا اليومية

عالم الأسرة » همسات
15 - رجب - 1438 هـ| 12 - ابريل - 2017


1

كثيراً ما يبدو مذاق قطعة من الشكولاتة اليسيرة ممتعاً، لمن اعتاد أن يستمتع بمذاقها، ولم يمنح نفسه، أو لم تمنحه بعض الظروف الفرصة لتجربة مذاق أنواع من الشكولاتة الفاخرة. غير أن هذه المتعة تنخفض كثيراً عندما يبدأ بتجربة الأنواع الأفضل. ويرجع هذا التغيير في مشاعر المتعة والابتهاج، نتيجة تغيير العتبة النفسية للشخص نفسه، فقد اعتاد على مستوى مُرضٍ بالنسبة له في الاستمتاع بالطعم.

وربما اعتقد أنها الأفضل على الإطلاق، فمنح نفسه شعور الأفضلية. فقد كان الرضا بما يملكه، بل والاستمتاع به هو أمر واقعي. غير أن دخول عتبة جديدة في المذاق، أو حتى على مستوى السماع بوجودها، وهذا يحدث تغييرا في عتبته النفسية.

وجميعنا نواجه في الحياة، مجموعة من العتبات المختلفة في النوع والشدة. والتي لها كل الأثر على مجمل حياتنا وأفكارنا. والمشكلة أننا نواجهها ونتعايش معها بكل درجاتها دون أن ندركها. فنعيش ونتساءل لما تغيرت مشاعرنا تجاه بعض الأشياء؟

وحتى على مستوى الأطفال: نلحظ التغير، فمثلاً العتبة النفسية للمتع بالنسبة للأطفال في السنوات الأخيرة تغيرت في ارتفاع شديد. فالصغير لم يعد كالسابق، يقنع ويستمتع بلعبةٍ ولعبتين. لأن ألعاب الأطفال العادية بوجه عام، لم تعد هي هدفه للمتعة. وإن استلمها فهي لوقت محدود، دون أن نشعر أنها حققت له المتعة، كما كان أطفال السنوات الماضية؛ لأن عتبة المتعة لديه ارتفعت من كونها لعبة طفل بريء، يستمع بسيارته التي تنطلق بسرعة عبر دفعات يده. أو الطفلة التي تحاكي والدتها بدميتها، وأدوات طبخها الصغيرة؛ لألعاب تختلف بمجملها وطبيعتها عن الألعاب السابقة. فطفل اليوم يلهو إلكترونيا. ويجد المتعة بين أحضان جهازه، الذي مكنه منه الكبار؛ لإشغاله عنهم بعض الوقت ليهدأ، أو أهدوه إليه ليواكب عصره!

فكيف يجد هذا الطفل متعة في ألعاب جامدة أمامه، وهو قد ارتقى بعتبة المتعة لديه لألعاب متحركة تتفاعل معه وتحاكي واقعه، وتشعره بأنه أصبح كبيراً كوالديه باستخدامه للأجهزة الذكية مثلهم!

وكذلك الحال في الترفيه، فقد أصبحت العتبة النفسية فيها أكثر تقدماً بشكل ملحوظ. فكلمة الملل هي من أكثر الكلمات تردداً على ألسنة هذا الجيل، حتى مع وجود وسائل التسلية المتنوعة. فلم تعد الاجتماعات العائلية، والسفر للقاء الأهل متعة يشبع الكثيرون منها. وحتى تنوع الطعام والشراب واللباس والكماليات المختلفة، ومع تحولها إلى عالم المتعة، باتت تحتاج للتحديث بشكل مستمر لتشبع رغباتهم. والملحوظ هنا أنه كلما تنوعت الخيارات، كلما زهدنا بما لدينا، وتأثرت عتباتنا النفسية من الرضا إلى التذبذب بين هذا وذاك دون إشباع.

ومن أهم الأسباب في ارتفاع العتبات النفسية:

الاستعجال في كثير من الأمور، فالبدء من درجة مرتفعة في العطاء، لا تتناسب مع سن الابن مع عدم التدرج في البدء من القليل فالكثير، تُفسد ما دونها من عتبات أقل، كان يمكن الاستفادة منها في التحفيز بأقل التكاليف، مع الحفاظ على سعادة وسلوكيات الأبناء بالمستوى المطلوب.

كما أن تحول النظر مما بأيدينا، إلى ما يملكه الآخرون، نتيجة محاولة البعض إظهار سعادتهم بما لديهم، وعرضه على عامة الناس بمنظر جذاب عبر الوسائل المختلفة. أو نتيجة الانفتاح المعلوماتي، وعرض المغريات فيه والخيارات المتنوعة.

فحصر وسائل المتع وحصر تعدد الخيارات، هو ما يحد من ارتفاع العتبة النفسية في كثير من الأمور. وبذلك يمنحنا الإحساس بالمتعة، بما نملكه ويستشعر أبناؤنا حجم ما لديهم من نعم. وبمجرد الارتقاء بهم لعتبة واحدة، فإنهم يستشعرون السعادة والرضا.

وتتنوع أضرار ارتفاع العتبة النفسية في مجملها ويمكن ذكر أهمها:

إن أضرار ارتقاء العتبة النفسية المادية، لا ينحصر فقط في طلب المزيد وفقدان الإحساس بالمتعة، بما كان يُشكل مصدراً لها من قبل. بل بالاستهانة بما نملك، وإمعان النظر بما يملكه الآخرون، والشعور الدائم بالملل والحرمان، حتى مع الاستجابة والارتقاء الشديد في الرغبات المختلفة. فضلاً على أن المسيرة التربوية تحتاج للعديد من المكافآت والحوافز؛ للتشجيع على السلوك الإيجابي، وارتفاع العتبة النفسية للمتع مثلاً، وهذا يجعل الوالدين في مأزق. فالطفل ذو الأعوام القليلة الذي اعتاد اللعب بجهازه الذكي، وأصبح رفيقه حتى في فراشه. يصعب إيجاد التعزيز المناسب الذي يمكن إضافته إليه، لتعزيز سلوكه الإيجابي في النجاح مثلاً. فقد وصل لعتبة تضاهي والديه، وتم إشباع احتياجاته دون أن يحتاجها. بل تم خلق الحاجة إليها وإشباعها. فإلى أي مدى يمكن أن يصل باحتياجاته التي صنعت له؟

وإلى أي مدى يمكن للوالدين، أن يبذلا من الجهد المادي والمعنوي لمواكبة تطلعاته القادمة؟

ولكن هل يمكن أن نستفيد من العتبة النفسية في الاتجاه الإيجابي لحياتنا؟

بالتأكيد، فالطموح هو شاهد على ذلك، فكلما وصل طالب العلم مثلاً لهدفه، ارتفع بعتبته ليصل ويحقق هدفه الآخر. غير أن الفرق يكمن في أن العتبة النفسية هنا، تحتاج للبذل والجهد للوصول، فبالتالي ترتقي بدرجات متناسبة وإيجابية. ولذلك فهي تحمل المشاعر الإيجابية.

كما أن زيادة عتبتنا النفسية في الارتقاء روحانياً، تجعلنا نستمتع أكثر، كلما زدنا قرباً وتقرباً من خالقنا. وكلما حجمنا شهوات النفس، وأطلقنا العنان لرقينا الروحي حباً وعملاً.

ولعل المشكلة الحقيقية، تكمن في تجاهلنا لسؤال أنفسنا. إلى أي مدى سترتقي عتبات حياتنا المادية، مقابل عتبات حياتنا الدينية الروحية؟

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...