العقل والقلب في الظاهرة الأدبية لها أون لاين - موقع المرأة العربية

العقل والقلب في الظاهرة الأدبية

أدب وفن » آراء وقراءات
21 - ذو القعدة - 1439 هـ| 03 - أغسطس - 2018


1

يختلط مفهوم كلمة العقل على عامة الناس، ولا يملك عنه أهل العلم إلا القليل، فنحن إذا دققنا النظر في بعض العبارات المتداولة على ألسنتهم نحو: فلان ذكي الفؤاد، وفلان صاحب دماغ عبقري، وفلان لا يسمع لأحد ولا يرى نفسه إلا على صواب؛ فإننا نجد أن بعضهم قد ظن من هذه العبارات وما يشابهها أن العقل هو الدماغ، وبعضهم فهم أنه القلب، والآخر ظن أنه الحواس. وقد نسي هؤلاء أن من أساليب اللغة العربية في التعبير إطلاق الجزء مع أنه يقصد الكل، أو يطلق الكل ويريد به الجزء.

 

والحقيقة أن كلمة العقل أكبر من الدماغ وحده، أو الحواس وحدها أو القلب وحده، بل هي الكلمة الجامعة (للحواس والدماغ والقلب)، وأن جميع ما ذكر هو من قوة التمييز والعقل.

 

ونجد مصداق ذلك من القرآن الكريم، حيث أطلق فعل العقل على القلب ((لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا))"الحج:46"؛ وذلك من قبيل إطلاق الجزء وإرادة الكل، ليدل على أجهزة العقل كاملة، لكنه ذكر القلب، لأنه آخر المراحل وأرقاها في تدرج عملية المعرفة من الواقع إلى الحواس، ومن الدماغ إلى القلب.

 

وفي قوله تعالى: ((فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ))"آل عمران:52"، ذكر الجزء وهو الحس، لكنه قصد عملية الإدراك بكاملها؛ لأنه رأى كفرهم متجسداً أمام حواسه بسلوكهم وأفعالهم، وتحققه بدماغه وقلبه. ومع أننا نقر أن جوهر العقل شيء غيبي، لارتباطه بالروح التي هي من أمر الله، إلا أن ظاهرة العقل فيما نلمسه من حالة الوعي الظاهرة عند الإنسان من خلال ما قدمناه، تدل على أن مصطلح العقل يعني مجموع (علم الدماغ علم القلب).

 

ولذلك فهو يدل على الأجهزة الظاهرة للعقل، وهو يدل أيضاً على ثمار هذا العقل؛ حيث العلم الذي يجعل الإنسان قادراً على التمييز ويعقله عن الوقوع في الخطأ، من خلال هذا الميزان الذي يتكون من قطبين هما: (الدماغ بحواسه) و(القلب بمملكته) وهما يتجاذبان عملية العلم والمعرفة تجاذباً يضمن لهما التطور والاستمرار. ويمكننا إلقاء الضوء على عملية التجاذب تلك، وإيضاح معالمها من خلال النقاط التالية:

 

1.علم الدماغ: نسمي (المعرفة) التي يتحصل عليها الدماغ أثناء عملية التفكير في المعلومات القادمة عن طريق الحواس، والوصول بها إلى مرحلة استنتاج (الحقائق والمفاهيم والأحكام) بـ(الحقائق الدماغية الفكرية)؛ لأنه يحاكم ويميز من خلال منهج يضبط عملية التفكير؛ حتى يصل بها إلى مرحلة الاستقرار والثبات، أو إلى حالة التساؤل والبحث الذي يدفع بها إلى عمليات تفكير جديدة.

 

2.علم القلب: نسمي (الموقف) الذي يصدره القلب على ضوء الحقائق الدماغية القادمة إليه من جهود الدماغ في التفكير بـ(قيمة الحقيقة)؛ لأنه يحكم على حقائق التفكير الدماغي أو مفاهيمه من خلال مركب من مشاعر التصديق والرضا والقبول، أو من خلال مركب من مشاعر الرفض والخوف والقلق أو منهما معاً، وهي عبارة عن ردة الفعل الطبيعية لدى فطرته أو موقفه الشعوري، حيث يرى قيمة هذه الحقائق وفائدتها في إشباع فطرته وعواطفه ومشاعره وإرادته وحاجاته، كأن يصدر مشاعر الفرح قيمة لحقيقة النصر، أو أن مشاعر الحزن قيمة لحقيقة الهزيمة، أو أن يصدر مشاعر الحزن والهلع قيمة لحقيقة الموت، أو أن يصدر مشاعر الكره والحقد قيمة لحقيقة الظلم والاضطهاد، أو أن يصدر مشاعر مركبة من رصيده الفطري الشعوري تجاه أحداث ومفاهيم وحقائق يكابدها في الحياة.

 

وإذا عدنا إلى الآية السابقة التي انطلقنا منها، فإننا نجد أن الحقيقة الدماغية المستخرجة من التفكير في السماوات والأرض، ظهرت في صيغة ((رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً))آل عمران 191، ومعناها يدل على حقيقة، ينفي فيها التفكير معنى العبثية عن الحياة والكون والإنسان، ويقر بأن الإنسان خُلق لمقصد محدد، وعندما ظهرت هذه الحقيقة بوضوحها أمام القلب المستقيم الفطرة، أصدر قيمة هذه الحقيقة والموقف منها لدى هذا القلب، وظهرت قيمة الحقيقة في صيغة ((سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)) {آل عمران/191} حيث ظهر هذا القلب الخائف أمام انتفاء العبثية وجدّية الحياة، وجاء على شكل دعاء وتعظيم لله سبحانه وتعالى، يتجلى فيه الإيمان والخضوع.

 

والاستعاذة بالله من عذاب النار. وهكذا ظهرت قيمة الحقيقة والموقف منها منضبطة بمعيار متلازم، لا انفصال فيه بين الموقف والقيمة، وهي أيضاً متصلة بالرؤية الفكرية التي كوَّنتها؛ لأن القلب هو الذي يعقل علم الدماغ وتفكيره وحقائقه ومفاهيمه، ويستفيد منها ويسترشد بها، أو يعرض عنها وينفر منها، وهكذا فهو يعقل قيمة هذه الحقائق ويدرك جدواها في إشباع ميوله وحاجاته وغرائزه وطموحاته.

 

ونلاحظ أن عملية المعرفة تتدرج في دماغ يعقل حقائق عالم الشهادة، وقلب يعقل وجه المصلحة من هذه الحقائق.

 

أما إذا عمي القلب عن إدراك هذه الحقائق ووجه الحق فيها، فمعنى ذلك أنه عرضت أمامه حقائق الحياة وحقائق التفكير ومفاهيمه عنها، لكنه لم يستجب لها، ولم يستفد منها، وأصبحت هذه الحقائق مجرد معلومات عابرة لم تؤثر في موقفه، ولم تعدل من استجابته، وما الفائدة من الحقائق التي يتعب الفكر الدماغي في الوصول إليها، إذا لم يقبلها القلب ويسترشد بها في تهذيب مشاعره وحاجاته وفطرته، حتى يدرك جوهر الحياة وحقائقها، فيخاف وقت الخوف، ويطمئن وقت الطمأنينة، ويتعظ وقت الاتعاظ، ويكره وقت الكره، ويحب وقت الحب. ولذلك وصف الله تعالى هذه القلوب بلسان الجمع في قوله: ((لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا))"الحج:46"؛ لأنهم في آية أخرى تفصل حالهم: ((وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا)) "الكهف:101". لا من قوى فكرهم ولا من فكر غيرهم؛ لأن مملكة الهوى تخضعهم لرغباتها، فهم لا يرون الحياة إلا من خلال منظارها.

 

ولا تخلو عملية التجاذب بين القطبين (الدماغ والقلب) من تبادل التأثر والتأثير فيما بينهما، بحثاً عن الوعي الأفضل والأمثل؛ فتارة يضيق القلب بحالات الجمود والتقليد الذي يعيشه الفكر أحياناً، فيدفع القلق القلبي الدماغ للنشاط والتفكير بحثاً عن العلم والتفسير والطمأنينة، وتارة يقوم التفكير الدماغي بهداية العواطف الجامحة لدى القلب، بما لديه من فكر، وبخاصة أمام حالات الجدة والدهشة والمفاجأة، يرشدها ويربيها؛ لتفيق من هياجها وتخضع للفهم الأفضل فيما استجد عن قناعة ورضى وتسليم.

 

وفي نهاية المطاف: لا بأس من التفريق بين العلم في بعض معانيه وبين المعلومات.

 فالعلم: يدل على حالة استفادة القلب من تفكير الدماغ ومفاهيمه وحقائقه. وفي هذه الحالة يستفيد القلب ويهتدي، وتتحول الحقائق إلى هداية في أعماقه وارتقاء في مشاعره وطباعه، وتهذيب في فطرته وانضباط في أهوائه، ثم يمتد هذا العلم إلى سلوك ظاهر في جوارحه وأفعاله وأقواله.

 

أما المعلومات: فتدل على الحالة الأخرى المغايرة، وهي الحالة التي تمرر فيها حقائق الدماغ عن الحياة وتفكيره وجهوده، وتعرض أمام بصيرة القلب لكنه لا يتعظ بها، ولا يتكيف معها في هداية فطرته، وهذا القلب عمي عن تلك الفائدة وقبول الحق منها، رغم أنها قريبة منه، وفي متناوله، وقد وصف الله سبحانه هذا النوع من القلوب بقوله: ((فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ))"الحج:46"؛ لأنها جعلت الإشباع هدفاً وهاجساً ومعبوداً، واستبعدت عملية تعلم الحق من أهدافها، فتحولت الحقائق إلى مجرد معلومات يختزنها في الذاكرة، ولكنه لا يستفيد منها ولا يعتبر بها. قال الإمام الشافعي رحمه الله: "ليس العلم ما تحفظ، إنما العلم ما نفع". ومن الأبيات الجميلة التي دارت في فلك الآية القرآنية قول أحمد شوقي:

 

لقد أنلتك أذناً غير واعية   ...       ورُبّ مستمع، والقلب في صمم.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...