العلاقة بين الحج والبيت

رؤية تربوية لرسالة الحج.

دعوة وتربية » سنن وفضائل
05 - ذو الحجة - 1436 هـ| 19 - سبتمبر - 2015


1

 

ما هي إلا أيام وتطل علينا أيام الحج؛ والمسلمون يستعدون لأداء هذا الفرض العظيم، استجابة لأمر الله تعالى، ثم لنداء إبراهيم عليه السلام الذي أقام قواعد البيت، بمساعدة ابنه إسماعيل عليه السلام: ((وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ، رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ، وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ))سورة البقرة128،127.

 

     والحج رحلة إيمانية تربوية تغير حياة المسلم إلى الأحسن، إن أدى هذه الفريضة متبعا سنن الإسلام فيها، مقتديا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وصحابته الكرام. فإذا عاد الحاج إلى بيته وأهله، وقد وطن نفسه على طاعة الله، وخضع لأمر الله عز وجل؛ فتَعَوَّدَ ألا يرفث، ولا يصخب ولا يشتم، ولا يجادل، ولا يرفع صوته على أحد؛ فإن ذلك سينعكس على سلوكه مع أهل بيته وأولاده، وأرحامه وجيرانه، وأصدقائه، وبالتالي يصبح نسخة حية من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام. وهو بهذا يحقق المقاصد التي شرع الحج من أجلها إضافة إلى مقاصد أخرى.

 

     وإليك أخي المسلم طائفة من أقوال أهل العلم في تفسير بعض المصطلحات التي وردت في الآيات والأحاديث، والتي ترغب الحاج في سلوك معين، أو تنهاه عن خلق مشين في ضوء الآية الكريمة: ((الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ؛ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ، فَلا رَفَثَ، وَلا فُسُوقَ، وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ. وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ، يَعْلَمْهُ اللَّهُ. وَتَزَوَّدُوا، فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى, واتقون يَا أُولِي الأَلْبَاب ((البقرة الآية 197.

{وَلَا فُسُوقَ} عن ابن عباس: "هي المعاصي"، وكذا قال جماعة من التابعين. وعن ابن عمر قال: "الفسوق، ما أصيب من معاصي الله صيدا أو غيره." قال آخرون: "الفسوق ها هنا: السباب" قاله ابن عباس، وابن عمر وابن الزبير، ومجاهد، والسدي، وإبراهيم النخعي، والحسن. وقد يتمسك هؤلاء بما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» [رواه البخاري ومسلم] وقال الضاحك: "الفسوق، التنابذ بالألقاب".

قال ابن كثير: "والذين قالوا: الفسوق ها هنا هو: جميع المعاصي، الصواب معهم، كما نهى الله تعالى عن الظلم في الأشهر الحرام، وإن كان في جميع السنة منهيا عنه، إلا أنه في الأشهر الحرم آكد، ولهذا قال: {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ  ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ  ؛فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} [سورة التوبة: 36]، وقال في الحرم: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} {سورة الحج: 25}.

ومن أخلاق الحاج - التوبة الصادقة، وهي: الرجوع عما يكرهه الله ظاهرا وباطنا، إلى ما يحبه الله ظاهرا وباطنا، قال تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّـهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [سورة النور: 31].

     والتوبة واجبة في كل حال على العموم، إلا أنه في حال الحج آكد، ومن معاني الحج العظيمة التي ينبغي للحاج أن يتخلق بها، والتي ستؤثر على سلوكه في بيته ومن حوله من الناس: حسن الخلق.

وحسن الخلق كما عرفه الحسن البصري -رحمه الله- يتضمن أمورا ثلاثة هي:

كف الأذى، وبذل الندى، وطلاقة الوجه، وهذه الثلاثة متأكدة جدا في حق الحاج، فينبغي أن يكف الحاج أذاه عن الناس، سواء ما يتعلق بأموالهم، أو ما يتعلق بأنفسهم، أو ما يتعلق بأعراضهم

ومن الأذى: التضييق على الحجاج ومزاحمتهم ومدافعتهم، والافتراش في طرقهم واستغلالهم بأية وسيلة كانت.

     وأما بذل الندى، فهو الكرم والجود: قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لإحدى النساء: «إن لكِ من الأجر على قدر نصبك ونفقتك» نصبك: يعني تعبك [رواه الطبراني في الأوسط، وصححه الألباني]. وقال صلى الله عليه وسلم ): «برالحج: إطعام الطعام، وطيب الكلام» [رواه الطبراني في الأوسط، وحسنه الألباني].

وفي الحديث: "يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟"، قال: "سقي الماء"» (رواه ابن حبان، وحسنه الألباني).

 

     وأما طلاقة الوجه، فهو ملاقاة الناس بالبشر والحفاوة:

 

قال صلى الله عليه وسلم: «لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق»رواه مسلم.

ومن حسن الخلق في الحج: العفو عن المسيء، وقبول المعاذير، وترك الغضب، والرفق واللين، والحلم، وإدخال السرور على الحجاج، وقضاء حوائجهم، وغير ذلك من أوجه البر، وصنائع المعروف.

 

الصبر:

ومن أخلاق الحاج: خلق الصبر؛ لأن الحج من أكثر العبادات التي تحتاج إلى صبر؛ لما فيه من الزحام، واختلاف طبائع البشر وعاداتهم، وكذلك يحتاج الحاج إلى الصبر وعلى طاعة الله، والصبر عن معصية الله، والصبر على أقدار الله، والصبر على مفارقة الأوطان والأهل والأحباب، قال تعالى: {وَاللَّـهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} (آل عمران: 146).

 

التواضع

ومن أخلاق الحاج: التواضع، والحاج حينما يخلع ملبسه، ويلبس إزاراً ورداءً؛ فإنه يعلن بذلك عن تواضعه وذله لله رب العالمين، ولكن ينبغي أن يؤكد ذلك بتواضعه لعباد الله، وعدم الترفع عليهم، والتكبر على فقرائهم وضعفائهم. قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله أوحى إلي أن: تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد» (رواه مسلم).

 

التأني وترك العجلة:

 

       فإن بعض الحجاج تراه يزاحم ويسابق، ويدافع كأنه في سباق، وهذا ليس من البر، والنبي (صلى الله عليه وسلم) حينما دفع يوم عرفة، فسمع وراءه زجرا شديدا وضربا للإبل، أشار بسوطه وقال: «أيها الناس، عليكم بالسكينة، فإن البر ليس بالإيضاع»رواه البخاري، والإيضاع هو: الإسراع والعجلة.

 

       وهكذا فإن رحلة الحج ذات المنافع الكثيرة، سواء المادية منها والروحية، تُخْرِجُ الحاج إخراجا جديدا: وتولده ولادة ذات طراز خاص، تصنع منه مسلما ذا خلق كريم، فإذا انتهت رحلة الحج، وعاد إلى منزله؛ فعليه أن يبدأ مع أهل بيته، ومن يحيط به بداية تشعرهم أنهم أمام شخصية مسلمة طيبة ذات سلوك حسن. وللأسف الشديد فإن فئاما من المسلمين حجوا بيت الله الحرام؛ ولكنهم لم يتغيروا، بل عادوا وهم شر خلق الله تعالى.

       وختاما فإن رسالة الحج التربوية، لها دور كبير في تغيير حياة المسلم في ذاته؛ ثم في إشاعة جو تربوي إسلامي في البيت؛ وذلك بما يقوم به الحاج العائد من رحلة الحج بسلوكه الطيب الذي تربى عليه في هذه العبادة الكبيرة، وصار واقعا ملموسا في حياته، فيعود من الحج كأنه إنسان أو مولود جديد.

          وأما الذي يعود من حجه، ولم يستفد من رسالته التربوية، فكأنه لم يحج روحا وسلوكا، وإنما حركات أداها خالية من أية معان سامية، وقيم عالية، ومثل هذا النمط من الحجاج يسيء إلى رسالة هذه الفريضة العظيمة، ولا يستحق أن ينعت بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه))متفق عليه. 

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


مالك فيصل الدندشي

إجازة في الآداب – قسم اللغة العربية / جامعة دمشق
دبلوم عال في الشريعة الإسلامية / معهد الدراسات الإسلامية في القاهرة

مالك فيصل الدندشي من سوريا - محافظة حمص والمولود في العام/ 1949م.
تلقيت تعليمي الابتدائي والمتوسط والثانوي في بلدتي ( تلكلخ ) ثم التحقت بالجامعة في مدينة دمشق, وحصلت على الإجازة ( بكالوريوس ) في الآداب – قسم اللغة العربية وتخرجت في العام 1974م.
عملت في التعليم العام في سوريا ثم في المعاهد العلمية التابعة إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية مدة إحدى وعشرين سنة وخلال هذه المدة سافرت إلى القاهرة وحصلت على دبلوم عال في الشريعة الإسلامية.
أعمل الآن مدرساً منذ تسع سنوات في مدارس الفرسان الأهلية وخلال إقامتي في الرياض حصلت على عشرات الدورات والورش والمشاغل في مواضيع مختلفة في التربية والتعليم.
كتبت العديد من المؤلفات والأبحاث والمقالات في موضوعات شتى.


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...