العنف الأسري .. الظاهرة والعلاج

دراسات وتقارير » في دائرة الضوء
13 - رجب - 1433 هـ| 03 - يونيو - 2012


1

العنف الأسري هو أحد أنواع العنف وأهمها وأخطرها، وقد حظي هذا النوع من العنف بالاهتمام والدراسة كون الأسرة هي ركيزة المجتمع، وأهم بنية فيه،  وتعرض هذه الركيزة لأي خطر يهدد بنية المجتمع ذاته. وظاهرة العنف الأسري من الظواهر القديمة في المجتمعات الإنسانية, فهي قديمة قدم الإنسان الذي ارتبط وما زال يرتبط بروابط اجتماعية مع الوسط الذي فيه يؤثر وبه يتأثر, إلا أن مظاهره وأشكاله تطورت وتنوعت بأنواع جديدة، نتيجة للحياة العصرية وما يتولد عنها من ضغط نفسي وإحباط، حتى أصبح العنف الأسري كأهم أنواع العنف البشري انتشاراً في المجتمعات العربية والأوروبية على حدٍّ سواء.

وتؤثر التنشئة الاجتماعية غير السوية والقيم الثقافية الخاطئة والمعايير الاجتماعية غير المنضبطة بشكل كبير في انتشار العنف إذ يتخذها الكثيرون مبرراً للعنف، وكذلك المكانة الاجتماعية التي تعطي الأقوياء في الأسرة ذوي النفوذ الامتيازات التعسفية أكثر من الضعفاء خاصة الأخوة والأخوات أو الكبار والصغار منهم.

"لها أون لاين" في سياق التحقيق التالي تتعرض لأشكال العنف الأسري وترصد نسب وجوده وأسباب انتشاره وتقف على تأثيره على نفسية المتعرضين له بالإضافة إلى التبصير برأي الشرع حول العنف والفرق بينه وبين التأديب.

معاناة

تشكو "أم محمد  سويلم" - 45 عاما - من مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، من معاملة زوجها لها، فهو غالباً ما يفرغ غضبه عليها دون سبب وعندما يعجز وفق تأكيدها يفرغه على أبنائه حتى باتت حياتها جزءا من الجحيم.

وتوضح "أم محمد" أن حياتها الأسرية لم تكن على هذا الحال، وإنما الحصار وتسريح الزوج من العمل وما أثمره من فقر وعجز لديه عن توفير متطلبات الحياة الأساسية لأسرته كان السبب الأبرز في معاناتها، مضيفة: "أنه كلما أراد الحصول على المال أهانها وهددها بالخروج من المنزل بلا عودة فما يكون منها إلا الاتصال بأهلها شارحة أوضاعها المادية ليرسلوا لها بعض ميراثها من والديها.

 وتقول: "إنها أنفقت كل ميراثها على أسرتها وتعليم أبنائها، خاصة وأن والدهم بسبب ما يعاني من ضائقة مالية وبطالة تنكر لحقوقهم عليه" وتضيف :"لم يمكنني ترك أبنائي دون تعليم خاصة وأنهم متفوقون جداً في دراستهم".

نمو خطير

تشير تقديرات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى ارتفاع معدلات العنف الأسرى، مما يتطلب التحرك سريعاً من كافة أطراف المجتمع لوقف نموه وإصلاحه عاجلاً، حيث بيَّن تقرير العنف الأسري خلال النصف الأول من عام 2011م أن ما يقارب من 51.1% من الأطفال تعرضوا للعنف داخل أسرهم بمعدل 45.8% في الضفة الغربية و59.4% ﻓﻲ ﻗﻁﺎﻉ ﻏﺯﺓ، وأشارت الإحصاءات إلى أن نسبة من تعرضوا لعنف نفسي من قبل آبائهم وصلت إلى 69.0% بينما بلغت نسبة الأطفال الذين تعرضوا لعنف جسدي بالضرب تقريباً 34.4%، وكانت نسبة 66.3% تعرضوا لعنف نفسي من قبل أمهاتهم وقرابة 34.5% لعنف جسدي.

فيما أوضح تقرير العنف الأسري الذي أصدره  الجهاز المركزي أن قرابة 37%ﻤﻥ ﺍﻟنساء ﺍﻟﻠﻭﺍﺘﻲ ﺴﺒﻕ ﻟﻬﻥ ﺍﻟﺯﻭﺍﺝ ﺘﻌﺭﻀﻥ ﻷﺤﺩ ﺃﺸﻜﺎل ﺍﻟﻌﻨﻑ ﻤﻥ ﻗﺒل ﺃﺯﻭﺍﺠﻬﻥ؛ بمعدل 29.9% ﻓﻲ اﻟﻀﻔﺔ ﺍﻟﻐﺭﺒﻴﺔ، ﻤﻘﺎﺒل 51.1% ﻓﻲ ﻗﻁﺎﻉ ﻏﺯﺓ، وقال إن ﻨﺴﺒﺔ ﺍﻟﻠﻭﺍﺘﻲﺘﻌﺭﻀﻥ ﻟﻌﻨﻑ ﻨﻔﺴﻲ "ﻟﻤﺭﺓ ﻭﺍﺤﺩﻩ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﻗل" من  هؤلاء ﺍﻟﺴﻴﺩﺍﺕ بلغت تقريباً 58.6% فيما تعرضت 55.1%  ﻟﻌﻨﻑ ﺍﻗﺘﺼﺎﺩﻱ، ﻭقرابة 54.8%  ﻟﻌﻨﻑ ﺍﺠﺘﻤﺎﻋﻲ، ﻭما يقارب من 23.5%  ﻟﻌﻨﻑ ﺠﺴﺩﻱ، ﻭ11.8%  فقط لعنف جنسي، أوضح التقرير أيضاً أن 7.3%  ﻤمن تجاوزا 65 عاماً قد تعرضوا لأحد أشكال العنف من أفراد أسرهم، وبلغت النسبة في الضفة الغربية قرابة8.5% ، فيما انخفضت للنصف في قطاع غزة بنسبة 4.5% وبيّن التقرير أن أبزر أشكال العنف لدى كبار السن كانت في الإهمال الصحي بنسبة  17.1%، منهم 18.3% من النساء، مقابل 15.5% من الرجال وأكد أن ما نسبته 11.4% من كبار السن تعرضوا لعنف نفسي منهم 9.3% من النساء و13.3% من الرجال.

ثقافة المجتمع

وتوضح "علا جمعة" - 37 عاماً - من مخيم النصيرات، أن الرجل قد يمارس العنف ضد زوجته وأسرته بمقتضى العادات والتقاليد التي اعتادها المجتمع، وأضافت جمعة، وهي أم لخمسة أطفال أكبرهم في الصف السادس الابتدائي أن المجتمع العربي بالعموم يقيس مقدار الرجولة لدى الزوج في قيادة أسرته من خلال العنف والقوة، وأن من لا يمارس القوة والعنف يعتبره المجتمع "محكوما" وفقاً لتعبيرها، وبينت أن تلك النظرة بدأت تختلف قليلاً في السنوات القليلة الماضية نتيجة التوعية والتثقيف بأهمية الأدوار الأسرية لمختلف أفراد الأسرة في المجتمع.

 وأضافت أن درجة الثقافة هي التي تحدد طبيعة وأسلوب العنف المستخدم داعية إلى الارتقاء بالسلوك وتغذية أواصر المحبة والود التي حث عليها القرآن الكريم من أجل حياة إنسانية آمنة لكل أفراد الأسرة أبداً، مؤكدة على ضرورة التفريق بين العنف كوسيلة مهينة لآدمية الإنسان وكرامته وبين التأديب الذي تتدرج مراحله بدءاً من النصح والإرشاد انتهاءً بالضرب غير المبرح الذي يؤدي رسالة ويحقق هدف وغاية.

أسباب العنف:

يؤكد "د. فضل أبو هين"،  أستاذ علم النفس بجامعة الأقصى، ورئيس مركز التدريب المجتمعي وإدارة الأزمات، أن المجتمع الفلسطيني ليس وحده متفرداً بظاهرة العنف الأسري لكن له من الخصوصية ما ليس لغيره من المجتمعات، وبحسب تقدير د. أبو هين فإن ضغوط الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ومرور الفلسطينيين في قطاع غزة بتجربة الحرب كان لها أثر كبير في انتشار ظاهرة العنف الأسري مؤخراً بشكل كبير وفق الإحصاءات الرسمية.

 وأضاف أن الظروف القهرية التي يعانيها الآباء والأمهات في المجتمع الفلسطيني كانت بمثابة دافع لعنف الآباء تجاه الأبناء، مؤكداً أن ذلك العنف لا ينفي حب الآباء لأبنائهم وعطفهم وخوفهم قائلاً: "إن ما يحدث هو أمر طبيعي تؤكده القاعدة القائلة بأن أي مجتمع يعيش تحت ظروف ضاغطة تتغير سلوكياته نحو العنف" لافتاً أن التعاملات بين الأفراد في المجتمع تشير إلى صحة القاعدة، وأضاف أن المواطن الفلسطيني نتيجة الظروف الضاغطة التي تعرض لها حدثت له تغيرات انفعالية وفكرية وسلوكية طفقت إلى تعاملاته مع من حوله.

الفئات الأضعف

ويوضح أبو هين أن الفئات الأضعف في الأسرة تتعرض بصورة أكبر للعنف من قبل الأقوياء فيها خاصة المرأة والطفل، وبمزيد من التفسير أوضح لـ"لها أون لاين" أن تعرض المجتمع الفلسطيني بأكمله للعنف نتيجة ضياع حقوقه وانتهاكها من قبل دولة الاحتلال الصهيوني التي تضرب بعرض الحائط كافة القوانين الدولية، وقال: إن تعرض الرجل للعنف من قبل الاحتلال يجعله يبحث عن الحلقة الأضعف في أسرته ومحيطه الاجتماعي لتفريغ غضبه وسخطه عليه، وغالباً ما تكون المرأة التي بدورها تفرغ غضبها على أطفالها عنفاً وأخيراً يفرغه الأطفال فيما بينهم، أو على الحيوانات الأضعف في محيطهم قائلاً: "الإنسان المعنف يبحث دائماً عن متنفس لتفريغ التوتر والغضب الموجود داخله".

وحدد د. أبو هين لنا بعض صور وأشكال العنف، لافتاً إلى أن أخطرها العنف المعنوي والجسدي الذي يعمد المُعنِف فيه إلى استخدام آلات حادة قد تؤدي إلى كسر أو تُحدث عاهة مستديمة لدى المُعنَف،  وأشار إلى أن الآثار النفسية للعنف أعمق أثراً على استمرار حياة الأسرة بمزيد من الطمأنينة والاستقرار فقد تتجاوز الإصابة بالاضطرابات النفسية للأبناء إلى التأخر الدراسي والتشتت بالإضافة إلى الاتجاه نحو السلوكيات اللاأخلاقية كالانحراف وتعاطي المخدرات وغيرها ناهيك عن تمردهم على آبائهم.

التوعية هي الحل

وفي سياق متصل شدد د. أبو هين على أن التوعية والتثقيف والإرشاد المجتمعي أقصر الطرق لإنهاء آثار العنف الأسري، مهيباً بمؤسسات المجتمع المدني المهتمة بالحياة الإنسانية والاجتماعية بالعمل على نشر الثقافة المجتمعية بمضار العنف الأسري وآثاره السلبية، خاصة وأنه لا يمكن تجريد الإنسان من طاقة أساسية موجودة لديه هي طاقة العنف وقال: "فقط نستطيع أن نوجهها ونروضها بالوعي والبرمجة النفسية" وذلك من خلال الندوات واللقاءات المفتوحة في مختلف وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة.

فهم خاطئ

يخطأ كثير من الآباء في تبرير عنفهم تجاه أبنائهم أو أزواجهم بأنه من أنواع التأديب التي أقرته الشريعة الإسلامية، وفي هذا المقام يؤكد الأستاذ المشارك في الفقه وأصوله د. ماهر الحولي، على وجود فروقات بين ما أقرته الشريعة الإسلامية من تأديب وبين ما يمارسه الأفراد في المجتمع من عنف قائلاً لنا: "الشريعة الإسلامية حرصت على حفظ كرامة الإنسان وطالبت بتوفير مستلزمات حياته وأعطته أرضية من المبادئ والقيم للحياة الكريمة"، فيما أن العنف مخالف بسلوكه للفطرة الإنسانية والشريعة الإسلامية.

 وأشار إلى أن التأديب الأسري يشتمل على مراحل متعددة تبدأ بالوعظ والإرشاد وتمثيل القدوة الحسنة للطفل، ومن ثمَّ تعليمهم وتعويدهم التزام الأخلاق والآداب وفقاً للمراحل العمرية، مؤكدا أن الإسلام لم يُشرع العنف والضرب المهين للكرامة والإنسانية لافتاً إلى أن الأحاديث والآيات القرآنية التي يستند فيها الناس لتبرير العنف ابتدأت بالإصلاح والإرشاد، ومن ثم كان الأمر بالضرب، موضحاً أن الضرب لا يكون ضرباً مبرحاً مهيناً للكرامة بل لإيصال رسالة سواء للزوجة أو الابن بأن تجاوز حدود النصيحة والإرشاد، وبيَّن وجود العديد من الوسائل والأساليب التي يمكن من خلالها تعديل السلوك وتغيير القناعة وتأديب النفس عن الأبناء كالمنع أو الحرمان من المصروف أو منع الامتيازات وأخيراً يكون الضرب غير الموجع.

وفي تفنيده لتأديب الزوجة وفقاً لما تنص عليه الآية: "وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا"سورة النساء، قال: لقد أقر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية مراحل تأديب الزوج لزوجته الناشز، مؤكداً أن ليس كل امرأة يتوجب تأديبها، وإنما فقط من تعصى زوجها وتخرج عن إطار الأدب والأخلاق معه،  لافتاً أن التأديب بدايةً أيضاً يكون بالموعظة الحسنة والكلمة الطيبة، وبتذكيرها بأصولها وأدبها وعلمها وأخلاقها ونسبها وأدب أهلها واستنهاض المعاني الطيبة والجميلة في نفسها وأهلها، ومن ثمَّ يدخل مرحلة تأديبية أشد وقعاً بالهجر في فراش الزوجية وإن لم تستجب يكون الضرب وهو وفق تعبيره ضرباً هيناً غير مؤذياَ لا يؤدي إلى امتهان كرامة وحياة المرأة.

ودعا د. الحولي كافة أفراد المجتمع إلى التفريق بين العنف والتأديب الذي هو مشروع ومشروط بضوابط ومعايير في الشريعة الإسلامية، قائلاً: "الإسلام يرفض العنف لأن فيه تعدي على الكرامة ومعنى الإنسانية".  ناصحاً أفراد المجتمع بأسره بتفعيل معاني المحبة والمودة بين أفراد الأسرة الواحدة وفهم الشريعة الإسلامية والتعامل بروحها ومقاصدها ومبادئها وأخلاقها منوهاً أنها تحمل في طياتها من معاني الرحمة والإنسانية والمحبة كفيلة بإنهاء ظواهر العنف في المجتمع.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...