العيد في عيون الشعراء

أدب وفن » آراء وقراءات
04 - شوال - 1429 هـ| 05 - اكتوبر - 2008


تحدث الشعراء متغزلين في العيد وما يتركه من أثر في نفوسهم؛ هناك من تحدث عن العيد وذكرياته فيه، ومنهم من تحدث عن وقفة العيد، وهناك من نظر للعيد على أنه ملاذ للفقراء والمساكين والمكرويين، وهناك من رأى في العيد حلا لمشكلات المجتمع، ومنهم من وجده عنواناً للخير، نحاول من خلال هذه الأبيات التريض بين عدد من الأبيات والقصائد والشعراء نستنشق منها عبق جميلا ونحاول أن نرى صورا أجمل.

حَبَّذا العيدُ يَومَ يَبدو المُصَلّى       وَالنَقا وَالمَناخَةُ الفَيحاءُ

يقول الشاعر يحيى توفيق في قصيدته «ليلة العيد»، حيث يرى في العيد مصدرا للبشر والفرح والسعادة، حيث يقول فيها:

بشائر العيد تترى جمة الصور          وطابع البشر يكسوا أوجه البشر

وموكب العيد يدنو صاخباً طرباً          في عين وامقة أو قلب منتظر

وكان بعض الشعراء يستبشر خيراً بقدوم العيد، ويأمل أن يجد فيه حلاً لمشكلات المجتمع، ويتمنى أن يكون العيد فرصة لمساعدة الفقراء والمكروبين:

طاف البشير بنا مذ أقبل العيد        فالبشر مرتقب والبذل محمود

ياعيد كل فقير هز راحته              شوقاً وكل غني هزه الجود

كما أن من الشعراء من استغل فرصة العيد ليذكر بالخير والحث على الصدقة كما فعل الشاعر محمد الأسمر؛ الذي يقول عنه:

تعاهد الناس فيه: من أضر به         ريب الزمان ومن كانوا لكم تبعا

وبددوا عن ذوي القربى شجونهم         دعا الإله لهذا والرسول معاً

آسوا البرايا وكانوا في دياجرهم         بدراً رآه ظلام الليل فانقشعا

لكن كان لمعروف الرصافي رأي آخر، فقد كان يرى أن الفساد الذي طرأ على مجتمعاتنا قد أضر بالعيد وأساء إلى استقباله، فلم يحصل على حظه منه غير الأغنياء:

أطلّ صباح العيد في الشرق يسمع       ضجيجاً به الأفراح تَمضي وتَرجع

صباح به تبدي المَسرةُ شمسَها               وليس لها إلا التوهمَ مطلع

صباح به يختال بالوَشْي ذو الغنى        ويُعوِز ذا الإعدام طِمْرٌ مرقّع

صباح به يكسو الغنيّ وليده        ثياباً لها يبكي اليتيم المضيَّع

صباح به تغدو الحلائل بالحلى       وتَرفَضّ من عين الأرامل أدمع

ألا ليت يوم العيد لا كان إنه       يجدّد للمحزون حزناً فيَجزَع

أما الشاعر الفلسطيني؛ مطلق عبد الخالق، فقد ترك العيد في نفسه صنوفا من الأحاسيس تدور كلها حول الشجن وانقضاء العمر وضياع مشاعر الطفولة البريئة التي كان يستشعرها مع قدوم العيد:

ذكريات العيد يا للـ        قلب من ذي الذكريات

خلفت فيه قروحا                 وجراحا داميات

أيها القلب المعنى                إن ما تبغيه فات

أما الطفلة الفلسطينية التي عرفها الشاعر عبد الرحمن العشماوي، والتي كانت تعيش تحت قهر اليتم ونير القصف وبراثن الاحتلال تخشى أن يجيء العيد الذي تحبه في داخلها وتتطلع إليه... لا تخشى منه؛ لكنها تخشى عليه... كانوا يقولون لها سيأتي العيد عندما يطلع هلال شوال، وهي الآن تخشى على هذا الهلال الجميل المحبب أن يلاقي من الأسى ما تلاقيه؛ فتقول له:

غِبْ يا هلالْ..

إني أخاف عليك من قهر الرجالْ

قِف من وراء الغيم

لا تنشر ضياءك فوق أعناق التلالْ

غِبْ يا هلالْ..

إني لأخشى أن يُصيبك

- حين تلمحنا- الخَبَالْ

أنا - يا هلالْ...

أنا طفلةٌ عربيةٌ فارقت أسرتنا الكريمة

لي قصةٌ

دمويةُ الأحداث باكية أليمة

أنا - يا هلالْ

أنا من ضحايا الاحتلالْ

أنا من وُلدت

وفي فمي ثَدْيُ الهزيمة

كذلك لم يجد عمر بهاء الدين الأميري في العيد سعادة؛ لأن الأوطان تشقى وتئن فيتساءل: كيف يكون العيد عيداً والقدس في الأسر تصرخ، فيتمنى أن يعود العيد وقد تحولت الهزيمة إلى نصر، وتحول العار والخزي إلى عزة وكرامة:

يقولون لي: عيد سعيد ، وإنه      ليوم حساب لو نحـس ونشــعرُ

أعيد سعيد !! يا لها من سعادةٍ     وأوطاننا فيها الشقـاء يزمــجرُ

يمر علينا العيد مراً مضرجاً     بأكبادنا والقدس في الأسر تصرخُ

عسى أن يعود العيد بالله عزة     ونصراً ، ويمحى العار عنا وينسخُ

وهذا هو عمر أبو ريشة يعاني من ذات الألم، ويشرب من ذات الكأس التي شرب منها الأميري؛ فيقول في معارضته لقصيدة المتنبي الشهيرة (عيد بأية حال عدت يا عيد) فيقول أبو ريشه:

يا عيد ما افتر ثغر المجد يا عيدُ     فكيف تلقاك بالبشر الزغاريدُ

يا عيد كم في روابي القدس من كبدٍ  لها على الرفرف العلوي تعييدُ

سينجلي ليلنا عن فجر معتركٍ     ونحن في فمه المشبوب تغريدُ

أما الشاعر محمد ضياء الدين الصّابوني فقد أدمت عواطفه ذكرى فلسطين، وما يتعرّض له أهلها من الأطفال والنّساء هناك من جرائم ومذابح مستمرة، فيقول في قصيدته (تحية العيد):

العيد وافى وقلب الحرّ يلتهبُ       لا بهجة العيد تسليه ولا الطربُ

ذكرى «فلسطين» قد أدمت عواطفه    فالطفل يُذْبَحُ والعذراء تنتحبُ

من للشيوخ وللأطفال ينقذهم       مما اعتراهم ونار الحرب تلتهبُ

من للثكالى وللأيتام يرحمهم   ويمسحُ العار عن (قدسي) ويضطربُ

وعلى ذات الطريق يسير الشاعر حفيظ الدوسريّ في قصيدته (في ليلة العيد)؛ فيقول:

ما زلتُ أسمع يا هلالَ العيد صوت النائحينْ

ما زلتُ أسمع في الفضاء بكاء أمّتنا الحزينْ

ما زلتُ أنظر للثكالى واليتامى الضائعينْ

ما زال قلبي في الهموم مكبّلاً مثل السجينْ

أنا يا هلال بحسرتي أبكي ضياع المسلمينْ

أنا بين أمواج العذاب أغوص في نار الأنينْ

وهكذا تظل آمال الأمة وآلامها محور إبداع الشعراء المعنيين بقضايا أمتهم.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


د. سامية مشالي

باحث في العلوم الشرعية


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...