الغربة الثانية!

تحت العشرين
18 - جمادى الآخرة - 1440 هـ| 24 - فبراير - 2019


1

ماذا لو عُدنا أدراجَنا، وتوقَّفنَا حيثُ كنَّا أولَ مرة، حين تقابلنا كغريبَيْن تائهَيْن، كلانا وجِلٌ يبحث عن الطريق، يتساءل كيف يسلكُها..

تقابلنا.. ودونَ تخطيطٍ مِن أحدنا مضَينا معًا، ليس فينا مَن يعرفُ الطريق ليدلَّ الآخرَ عليها، إذًا لمَ اخترنا أن نترافق؟ ألن يزيدَ كلٌ منّا الآخر حيرةً فوقَ تِيهِه؟ لا شك بلى!

ولكن ما مِن خيارٍ نستبدلُ بهِ ما اخترنا يَومَها.. ولعلَّ ما حدَّ مِن شردةِ الشعور وقتئذٍ هيَ المشاركة التي حظينا بها، الطريقُ الطويلةُ بدَت أقصر، هالةُ الحيرة التي أحاطتنا انقشعَ ضبابُها بمجردِ أن تجاوَرت أيادينَا وترافَقْنا المسير..

لم نعد غريبَين إذًا ! وعلى قصرِ المسافةِ وضُمورِ الأحاديثِ التي تبادلْنا؛ إلا أنها كانت كافيةً لأن تُلقي بالحواجز جانبًا بسرعة، وبدون أن يلحظَ أيٌّ مِنّا ذلك!

تبدَّدتْ الوحشةُ لتتخطَّفَ مِن الألفةِ ما أشعرَنا بالطمأنينة.. وكأنَّ أحرُفَ الغربةِ تنحّت جانبًا حين رأت طيفَ صداقةٍ قادم، فأفسحَت لأحرفهِ المجال لترتصَّ عوَضًا عنها.. أو هوَ أكبرُ من ذلك..!

المسافة كانت كافيةً بحق! وكما أسعدَتْنا كانت كفيلةً أيضًا بأنْ تخدعَنا.. فتناسَيْنا حتميَّةَ الفراق، وأن الطريق ستنتهي يومًا.. إلى أنْ تفاجأنا حين أدركنا أنَّ الوقتَ حان.. وأنَّ كلًا منَّا قد وصل إلى وجهتِه المقصودة.. سنفترقُ إذًا ونعودُ غريبَيْن كأنْ لم نلتقِ..

الغربَة الثانية تشقُّ طريقَها إليْنا.. لتقتحمَ أنفسَنا وتأبى ألا تغادرَنا حتى نلتقي مجددًا.. ولكن بَعُدَ اللقاءُ فلَن تغادرْ!

ماذا لو لَم نقطع تلك المسافةَ التي كانت؟

لو اكتفينا بابتسامةٍ تبادلناها، تمامًا كما يفعلُ أيّ عابِرَي سبيلٍ حين يلتقيَان، ماذا لو مضَيْنا كأنْ لا شيءَ قد كان؟

"ماذا لو اكتفَيْنا وقتَها بغربتنا الأولى!"

لكُنّا أعفَينا أنفسَنا مرارةَ الثانية، ومن الجدير بالذكر؛ الثانيةُ كانتْ أشدَّ وأعتى!

 

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...