الغيرة بين الزوجين: مفهومها وطرق التعامل معها لها أون لاين - موقع المرأة العربية

الغيرة بين الزوجين: مفهومها وطرق التعامل معها

عالم الأسرة » هي وهو
25 - صفر - 1438 هـ| 26 - نوفمبر - 2016


1

تقدمت امرأة في مجلس موسى بن إسحاق القاضي، تدّعي أن زوجها عليه خمسمائة دينار مهرا لها، فأنكر الزوج.

قال القاضي للزوج أين شهودك؟ قال: قد أحضرتهم، فاستدعى بعض الشهود أن ينظر إلى المرأة. ليشير إليها في شهادته.

فقام الشاهد وقال للمرأة: قومي، فغضب الزوج وسأله ماذا تفعل؟

قال القاضي: تكشف عن وجهها لتصح عندهم معرفتها.

قال الزوج: إني أشهد القاضي أن لها علي هذا المهر الذي تدعيه، ولا تكشف عن وجهها.

قالت الزوجة: فإني أشهد القاضي أني قد وهبت له المهر، وأبرأته منه في الدنيا والآخرة.

إن الغيرة بمفهومها العام. صفة جُبل عليها الإنسان السوي الدي رفع الله قدره وكرمه. وفضله على سائر خلقه. وهي أي الغيرة محمودة إذا لم تكن في ريبة وسوء خلق. دافعة إلى الحب بموازين مضبوطة.

يختلف الناس في مفهومهم للغيرة، وطرق التعامل معها وحسن توظيفها.

عن الغيرة كان لنا هذا التحقيق الصحفي مع نخبة من الاستشارين، للإدلاء بآرائهم من خلال هذا التحقيق.

الغيرة من منظور فقهي ونفسي:

          تقول الدكتورة شيخة العودة: أتى الإسلام، هذا الدين الحنيف بمكارم الأخلاق، قال رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ»(رواه أحمد، والبخاري في الأدب المفرد والحاكم، وصححه ووافقه الذهبي، وصححه ابن عبد البر).

 ومن مكارم الأخلاق التي أقرها الإسلام: غيرة الرجل على أهله، قال ابن حزم رحمه الله: "الغيرة خلق فاضل متركب من النجدة والعدل؛ لأن من عدل كره أن يتعدى إلى حرمة غيره، وأن يتعدى غيره إلى حرمته، ومن كانت النجدة طبعا له حدثت فيه عزة، ومن العزة تحدث الأنفة من الاهتضام".

وتستطرد: فالغيرة غريزة فطرية موجودة داخل أعماق النفس البشرية، فهناك من تكون لديه الغيرة المعقولة، وتكون دافعا نحو التحفز والسعي للأفضل والحرص على ما نحب, وباباً من أبواب المنافسة، وبذلك تمثل الغيرة انفعالا طبيعيا، يختبره الشخص عندما يكون مهدداً بفقدان شيء مادي أو معنوي يمتلكه ويخاف أن يفتقده ويعمل على الاحتفاظ به، ودفع التهديد عنه، وتظهر في الحياة العملية كثيرا بين الأزواج وبين جنس الرجال والنساء، وبين الإخوة، وبين الأطفال.

وقد ثبتت صفة "الغيْرة" لله تعالى، ويوصف الله عزَّ وجلَّ بالغَيْرة، وهي صفةٌ فعليَّةٌ خبريَّةٌ تليق بجلاله وعظمته، لا تشبه غَيْرَةَ المخلوق، ولا ندري كيف: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}سورة الشورى11، ففي صحيح السنّة، ومما جاء في ذلك: عن أبي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ عَنْ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ يَغَارُ، وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ" رواه البخاري (4925) ومسلم (2761).

وأضافت:  وغيرة الله تعالى من جنس صفاته التي يختص بها، فهي ليست مماثلة لغيرة المخلوق، بل هي صفة تليق بعظمته، مثل: الغضب، والرضا، ونحو ذلك من خصائصه التي لا يشاركه الخلق فيها، وقد تقرر أنه تعالى ليس كمثله شيء في ذاته، فكذلك في صفاته، وأفعاله".

--------

ويقول د كتور محمد الشريم عن الغيرة: إن الغيرة خصلة فطرية تخلق مع الإنسان، وتمر بمراحل تتغير من الطفولة إلى المراهقة إلى ما بعد البلوغ، بل وحتى في مرحلة الشيخوخة.  ويضيف: والغيرة في أصلها سلوك غريزي، وبالتالي لا يلام الإنسان على وجوده. حينها يصبح وصف الغيرة صعبا بأنها محمودة أو مذمومة، لكن ما يحمد هو ممارستها بشكل معقول ومناسب، بما يحافظ على العلاقات بين الناس بقدر جيد، وبالعكس يمكن وصفها بأنها مذمومة، حينما تتحول إلى سلوك مرضي أو مقلق يؤثر سلبا على علاقة الإنسان بمن حوله.

ويعرف د محمد الشريم الغيرة من الناحية الفقهية بقوله: الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أقر الغيرة على المحارم، بقوله: "أتعجبون من غيرة سعد!" ومادامت الغيرة تظهر نتيجة سبب مشروع، فإنها مقبولة، مالم تتجاوز الحد المعقول، أو تؤدي إلى ارتكاب محرم، أو إفساد للحياة الزوجية، أو العلاقات مع الآخرين.

ويستطرد: من الناحية النفسية، فإن الغيرة تعكس الرغبة في التملك من جانب، والحصول على الاهتمام والشعور بالأهمية من جانب آخر. وهذان الأمران يمثلان سلوكا فطريا يولد مع الإنسان، وينمو ويهذب حسب البيئة التي يعيش فيها ويتعايش مع أفرادها، ويتعلم منهم بالمحاكاة أو بالتدريب والتلقين. وهي كسائر الاحتياجات الغريزية، تحتاج رعاية وتهذيبا منذ الصغر، حتى ينشأ الشخص بنفسية مستقرة حينما يشعر بالغيرة، ويتعامل معها بشكل معقول، ويكون قادرا على العيش بشكل طبيعي في ظلها.

تصنيف الغيرة وكيفية توظيفها

          يقول د محمد الشريم: الغيرة المحمودة هي التي تحفظ  قدرا من المودة والحرص في الحفاظ على العلاقة بين الزوجين متميزة وخاصة؛ لأنها توضح للطرف الآخر أن شعور الغيرة نابع من محبة واهتمام، ورغبة كبيرة في الحفاظ عليه. أما الغيرة المذمومة فهي التي تنطلق من شعور التملك والتحكم، والرغبة في فرض إرادة طرف على الآخر، دون إدراك لحق كل طرف في قدر معقول من الحرية، بعيدا عن تحكم الآخرين في تفاصيل حياته.

----------

وذكرت د شيخة قول ابن القيم رحمه الله: "وغيرة العبد على محبوبه نوعان: غيرة ممدوحة يحبها الله, وغيرة مذمومة يكرهها الله، فالتي يحبها الله: أن يغار عند قيام الرِّيبة, والتي يكرهها: أن يغار من غيْرِ رِيبة، بل من مجرد سوءالظن، وهذه الغيْرة تفسد المحبة، وتوقع العداوة بين المحب ومحبوبه".

          وتكمل: والغيرة منها ماهو ممدوح، ومنها ماهو مذموم، فالغيرة في موطنها والاعتدال فيها بالنسبة للرجال و النساء من جملة الأمور المحمودة، والمعاشرة بالمعروف تقتضي ذلك، ويجب على كل طرف أن يقدر غيرة صاحبه عليه، وما من أمر إلا و له طرفان ووسط ، ثبت عن رسول الله صلي الله عليه وسلم أنه قال: "إن من الغيرة ما يحب الله ومنها ما يبغض الله، وإن من الخيلاء ما يحب الله، ومنها ما يبغض الله، فأما الغيرة التي يحبها الله فالغيرة في الريبة، وأما الغيرة التي يبغض الله فالغيرة في غير الريبة(رواه أحمد وغيره، وحسنه الألباني).

وتضيف: وإذا زادت الغيرة عن حدها كانت نقمة على الشخص وعلى من حوله،  فكثير مما يسمى جرائم العرض والشرف قد ترتكب بسبب الشائعات؛ مما ترتب عليه إزهاق الأرواح في بعض الأحيان دون وجه حق ودون تثبت بسبب الغيرة القاتلة.

 وبعض الأزواج قد يكون مريضا بمرض الشك المر، الذي يحيل الحياة الزوجية إلى نكد لا يطاق.

فلا يصح أن يسيء الرجل الظن بزوجه، وليس له أن يسرف في تقصي كل حركاتها وسكناتها؛ فإن ذلك يفسد العلاقة الزوجية، ويقطع ما  أمر الله به أن يوصل.

وكان علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ يقول: لا تكثر الغيرة على أهلك فترامى بالسوء من أجلك.

غيرة المرأة وغيرة الرجل:

          وتشير د شيخه: أن الغيرة بين الزوجين إحساس مطلوب ومحمود، إذا كان في موضعه الصحيح. فهو يؤجج مشاعر المحبة والمودة بينهما. وتشعر كل طرف بحب الآخر له واهتمامه به. كما أنها تجعل كل طرف منها يعرف ويقدر إحساس الآخر، ولا يعرضه لمواقف تنشط فيها مشاعر الغيرة. وأيضا تبعد الرتابة والروتين عن الحياة الزوجية.

          وأضافت: كما أنه لا يوجد إنسان في هذا الوجود لا يغار بشكل أو بآخر، فالغيرة غريزة فطرية أوجدها الله فينا مثلها مثل غريزة الأمومة.

وتوصف الغيرة بأنها انفعال، وهذا الانفعال جزء من تركيبة أي شخص بغض النظر عن كونه رجل أو امرأة، وتختلف درجة الانفعال بين الرجل والمرأة بحسب  ثقافتهم.

 لكن الاختلاف بينهما في سرعة ظهور معالم وسلوكيات الغيرة عند المرأة.

والرجل نادرا ما يظهر غيرته بشكل واضح.

 --------

ويصنف الاستشاري الأسري فهيم الوهيب: أن الغيرة بين الزوجين صفة طبيعية مجبول عليها. إلا أن بعض الغيرة تكون مرضية، وبعضها مشكلة. والمرضية ترجع  لاضطرابات في الشخصية. وهي تعكس مرضا أكثر من كونه حبا واهتماما. وجوهرها: حب التملك.

  أما الغيرة المشكلة هي التي يصاحبها الخوف والقلق الشديدين وخشيت وقوع الخيانة.

ويضيف: وهي من المشاعر السلبية المتعددة التي يصاحبها الوسواس وغيره.  مثال ذلك غيرة المرأة من أقارب الزوج  أو امتداحه لهم.   وغالبا تنطوي تلك الغيرة على تدمير الزوج أو الزوجة بقصد حب التملك.

---------

          ويرى د محمد الشريم: أن الغيرة في أصلها واحدة، لكن تتغير صورها بحسب طبيعة العلاقة بين الزوجين، و لا شك أن المرأة تشعر في الغالب بغيرة أكبر من الرجل، ولاسيما أن الرجل يباح له الاقتران بأكثر من زوجة، مما يدفع مستوى الغيرة عند المرأة لمستويات أعلى مما هي عليه عند الرجل.

          وأضاف: أنه قد تكون ردة فعل الرجل عند شعوره بالغيرة أقوى منها عند المرأة، نظرا للطبيعة الحادة عند كثير من الرجال. ولكن الغيرة المرضية قد توجد لدى الرجال أو النساء بغض النظر عن جنسهما، وبالتالي يتأثر بها الشخص لأنه غيور في طبيعته وربما تنشئته. فالأمر غالبا يرتبط بطبع الشخص نفسه.

          التعامل الأمثل مع الشخص الغيور إلى حد الشك أو الحسد

وفي ختام كلامها أوضحت د شيخة العودة: قد تتسبب الغيرة في مشكلات بين الناس، خاصة إذا كانت غير إيجابية، وقد تؤدي إلى نفور وقطع العلاقات.

  ويحاط كل منا بأشخاص في حياته الخاصة أو العملية، لا نعلم عن مكنوناتهم ومشاعرهم  وطباعهم الداخلية.

ولا ندركها إلا حينما تتبلور هذه المشاعر تجاهنا عبر سلوكيات تتسبب لنا في ضيق وقلق، وقد تطوق نشاطنا وتقدمنا. وبعض هذه السلوكيات ماهي إلا نتاج الغيرة التي قد يصاحبها حسد أو شكوك.

          وأضافت: ليكن تعاملنا مع هؤلاء الناس يختلف باختلاف علاقتنا بهم، إذا كانت غيرة من النجاح لا مشكلة من دفع الغيور للنجاح والدال على الخير كفاعله.

وإذا كانت العلاقة غير هامة وغير دائمة. فالأجدى تجاهلها والتعامل بشكل رسمي تجنبا للاحتكاك والمشاكل.

وحذرت د  شيخة: من ايقاظ مشاعر الغيرة، خاصة من لديه استعداد للغيرة، أو التسبب في إيجادها عند الآخرين. لأن الغيرة قد تكون في البداية مشاعر وأحاسيس مكتومة في البداية، ومع إيقاظها ينتج عنها كارثة  للطرفين.

فيجب مراعاة مشاعر الآخرين، وعدم التسبب لنا أو للآخرين بمشاكل قد لا يدرك مداها.

نسأل الله أن يجعل غيرتنا في محلها وغيرة محمودة غير مذمومة.

وأن يجنبنا وإياكم شرور الغيرة المذمومة. وأن تكون حليتنا مكارم الأخلاق.

--------------

فيما ذكر الاستشاري فهيم الوهيب:

أن وصفة (روشتة) العلاج:

أولا: معرفة أسباب الغيرة المرضية، ونزع المفاهيم الخاطئة. وعدم المبالغة في الغيرة. وحب الآخرين. 

ويضيف: إن الحب بين الزوجين رباط مقدس، واتفاق أن يحقق كلا منهما رغبات الآخر، واحتياجاته دون تملك. ولا يحقق لإنسان امتلاك الآخر، وإعطائه مساحة من الحرية في غير معصية.

ثانيا: التعويض عن أوجه القصور، هذا بالنسبة للمرأة.

ثالثا: تقوية العلاقة بالله في جميع العبادات، وتجاوز بعض الأمور المسببة للغيرة.

وعدم الحرص على التتبع لأنه مجلبة للمرض النفسي، والاحتفاظ بالهدوء النفسي، وعدم إثارة غيرة المرأة لا سيما من جانب الرجل.

ونوه د. محمد الشريم في ختام حديثه على أنه ينبغي تجنب استثارة الشخص الغيور، ولا حتى من باب المزاح؛ لأنه غالبا يشعر بقلق كبير، حينما تثار قضية تثير غيرته، ويعجز عن التعامل معها بشكل طبيعي كما أراد الشخص الآخر. لذلك، فإنه من المهم طمأنته قدر الإمكان بأن مخاوفه وقلقه المؤدي إلى الغيرة المرضية غير مبرر، وليست له أسباب حقيقية. كما ينبغي أيضا التصرف بشكل طبيعي، وعدم تغيير السلوك ليتوافق مع متطلباته غير المعقولة؛ لأن ذلك يزيد في شعوره بأن غيرته المرضية طبيعية!

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- مسك المعاني - السعودية

27 - صفر - 1438 هـ| 28 - نوفمبر - 2016




دائما ما نجد الفائدة و المتعة في طرح الكاتبة وفقها الله في هذا الموقع المبارك وسرني كثيرا ما قرأته وتأملته فيما جمعته وكتبته وطرحته
بوركت أناملك
وبورك من شارك بالرأي والتعليق والتحقيق.

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...