الفطام النفسي للطفل لها أون لاين - موقع المرأة العربية

الفطام النفسي للطفل

عالم الأسرة » أمومة وطفولة
03 - ذو الحجة - 1436 هـ| 17 - سبتمبر - 2015


1

  بالرغم من أن الأطفال قطعة من ذوات الوالدين, ونسمة تحمل طيفاً من روحهما, إلا أنهما ذوات مستقلة، تحتاج لتنشأ وفق عالمها الخاص، وبشكل يتناسب مع عصرها، مع الاستعانة بإرشادات الوالدين في طريق استقلالهم النفسي والجسدي.

   ويشكل الفطام النفسي في معناه استقلالية الطفل النفسية، بدلاً من حالة الاعتمادية التي ولد بها, والتي تعني أن يحتاج ويعتمد فيها الطفل على من يساعده لبلوغ أهدافه، سواء كانت أهدافاً أدائيةً, وظيفيةً, عاطفية أو نفسية. وهي  حالة عكسية للاستقلال.

فالطفل يبدأ حياته بالتعلق الشديد بمن يقدم له الرعاية، وغالباً ما تكون الأم. وينشأ ذلك التعلق من إحساسه بالضعف والعجز، والحاجة للعاطفة والرعاية معظم الوقت. ومع تطوره في النمو، ينشأ لديه دافع التعرف على عالمه الخارجي بكل ما فيه، وبشكل مستقل عن أمه، ليكتشف كل جديد عن طريق حواسه.

ففي مرحلة الحبو تبدأ بذور الاستقلالية لديه، لتقلل من اعتماديته على أمه في تعرفه على العالم من حوله. فيبدأ بتحسس الأشياء من حوله، وبالتقاطها وتذوقها لتجريب كل ما حوله بكل حواسه. وهذا الاستقلال يتيح له التفاعل والتعرف بشكل أكبر على البيئة من حوله. فكلما كان تعلقه الجسدي بأمه أكبر، كلما تقلص عالمه. ومع ذلك فهو ما يزال معتمداً على أمه عاطفياً، رغم استقلاله الجسدي بشكل جزئي. فنجده لا يرغب في فراقها والابتعاد عنها، أو أن تخرج وتتركه.

ومن المهم في هذه المرحلة أن تتيح الأم لطفلها بعض الحرية في الحركة، وتحيطه بمجموعة من الألعاب الآمنة مع الاهتمام بإزالة كل ما من شأنه أن يكون خطراً عليه، حتى يتمكن من اكتشاف عالمه الصغير بحرية وأمان. وبرقابة غير مباشرة منها.

ومع نموه الوجداني والعقلي، تبدأ آفاق جديدة من الاهتمامات تظهر لديه، لتثير موضوعات أخرى تستهويه، وتجلب له لذة غير لذة التصاقه بالأم. فيقل خوفه من الغرباء مع تقدمه العمري، فيصبح مندفعاً للتفاعل مع من حوله، ويساعده ذلك في تطوير مهاراته، ويكسب إدراكاً أكبر لعالمه. وعندها يتوق للاستقلال عن أمه بدرجة أكبر لشعوره أنه أصبح كياناً مستقلاً، لكنه محتاج للارتباط بأمه بعض الوقت، فيصرخ ويبكي لمناداتها. ومع الوقت تتطور قدرته اللغوية؛ ليشكل بعض الأحرف لمناداة أمه، بدلا من الصراخ في مرحلته السابقة.

      وفي هذه المرحلة يشجع الطفل على توسيع محيطه الاجتماعي، والقضاء على أي مخاوف قد تحد من تواصله مع من حوله. مع تنمية حصيلته اللغوية بالكلام معه، واستخدام الألعاب التفاعلية التي تساعده بالصوت والصورة على نطق الكلمات.

          وفي خلال عامه الأول، يُمده استقلاله الجسدي بالسعادة والحرية؛ لشعوره بقدرته على أن يتحرك ويتنقل لوحده، مما يمكنه من التعرف على الأشياء من حوله بشكل أكبر, لكنه رغم هذا التطور الاستقلالي إلا أنه لا يميز ذاته بشكل كامل، فنجده  قد يجلس أمام المرآة، ويشاهد نفسه ويلعب ويضحك ظناً منه أنه قد وجد طفلاً آخر يلاعبه! فهو لم يرسم لنفسه صورة ذاتية خاصة.

لكن بعد الفطام وتحديداً في عامه الثاني، يستطيع التعرف على ذاته وصورتها في المرآة وعندها يشعر برغبة ملحة في الاستقلال, وقلة حاجته لأمه في بعض الأوقات. لذا فهو يرغب في عمل بعض الأعمال بنفسه, وأن ينجز ويستخدم يديه ليشعر باستقلاله عن الوالدين. فتنطلق كلمات تعبر عن رغبته في الاستقلال، والقيام ببعض المهام المعتادة. فتتردد على مسامعنا كثيرا أنا.. أنا.. بهدف الاعتراض منهعلى قيام أحد الوالدين بإطعامه أو إلباسه. في محاولة لإثبات الذات والاستقلال بإنجاز بعض مهامه بنفسه، ويظهر ذلك جلياً في رغبته بتناول الطعام وحده، وارتداء ملابسه بشكل مستقل رغم عدم إتقانه لذلك. ومع ذلك فإنه من المهم احترام رغبة الطفل في تأكيده لذاته، بأن تمنح الأم طفلها قدراً من الحرية والوقت في ممارسة بعض الأنشطة، كتناول الطعام أو ارتداء بعض ملابسه؛ لأن ذلك يشعره باستقلاليته، ويمنحه الثقة اللازمة لبناء شخصيته. فهي بمثابة تدريب له ليتدرج في القيام بالأعمال الصغيرة إلى الكبيرة مع نموه وتقدمه العمري.

وكلما كان استقلاله بطريقة سلسة ومناسبة، كلما استطاع في سن الثالثة والرابعة أن يتمتع بقدر من تحمل المسؤولية، والقدرة على الإنجاز والتعاون مع الأقران، واللعب الحر الذي يدعم خياله وينمي ذكاؤه.

ويستمر الطفل بالاستقلال الجسدي.  ويستقل بالتدريج عاطفياً عن الأم، عند تفاعله مع من حوله، واللعب مع الأطفال. ومن ثم تكوين صداقات في مرحلة قبيل المدرسة. وهذا الاستقلال العاطفي يساعده في تكوين شخصيته بشكل مستقل، والذي عادة ما يبدأ بشكل عناد واضح، ومخالفة لما تطلبه منه الأم، خاصة إن وجهت له بصيغة الأمر وفرض الرأي لا المشاورة له. وهدف الطفل في هذه المرحلة ليس العناد، إنما أن يقول أنا موجود ولي رأي وكيان مستقل.  ومساعدة الأم للطفل بتقبل رأيه، وعدم إجباره أو إشعاره أنه مسير وغير مخير، يعطيه النمو الصحي نحو الاستقلال النفسي الذي يمنحه تقديراً جيداً لذاته وإحساسه بأنه شخصية مستقلة وإيجابية، قادرة على فعل الكثير بمفردها, بالإضافة إلى تكوين روابط اجتماعية جيدة مع من حوله، وذلك يزيد من ثقته بنفسه.

ويستمر الاستقلال بشكل منتظم، وعلى وتيرة واحدة في مرحلة الطفولة، ما استمرت سبل التنشئة بمساعدته. إلى أن يصل الطفل لمرحلة قبيل المراهقة، وعندها يشعر برغبته في الاستقلال في كل جوانب حياته واحتياجاته، إلا أنه يرجع مرة أخرى للاعتماد العاطفي على الأم أو أحد الوالدين. فعند ولادة شخصيته كراشد، يحتاج لجرعات عاطفية متكررة، تساعده ليسير في طريق الصحة والاستقلالية الصحيح، مع تجنب أي معيقات للاستقلال في التضييق عليه بحرمانه من الفرص الكافية ليجرب ويتعرف ويكتشف قدراته، أو إثقاله بالأوامر الوالدية التي تحاصر إنجازاته وحريته، وتستخف ببعض قدراته رغبة منها في الإنجاز السريع  والمتقن.

ومن المهم إدراكنا أن الاستقلالية سمة تظهر عن طريق زيادة التفاعل الاجتماعي بين الطفل وبيئته، وتزداد بالتدريب؛ لذا فالنتيجة الحتمية هي أن طرق تنشئتنا للطفل هي إما صناعة لذاته. أو تدمير له ولمستقبله. وعلى الوالدين اختيار أي السبيلين يريدانه لطفلهما.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
حقيقه

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...