الفهم الصحيح لحديث "ناقصاتٍ عقلٍ ودين"!

دعوة وتربية » فقه الدعوة
20 - ربيع أول - 1440 هـ| 29 - نوفمبر - 2018


1

عزيزي القاريء الكريم: أهلا بك

الأحاديث الصحيحة التي وصف فيها النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ النساء بأنهن "ناقصات عقل ودين" من أكثر الأحاديث التي تثار حولها الشبهات ويتم التشكيك فيها، ومن أشهر تلك الشبهات التي يتشبث بها المبطلون: زعمهم أن "المرأة في نظر الإسلام: ناقصة عقل ودين!"

فيدّعون أن الإسلام ينتقص من قدر المرأة، ويضعها دائماً في الكفة الناقصة، ويتعامل معها على أنها مخلوق ناقص الأهلية مقارنةً بالرجل، مستندين إلى ما ورد في أحاديث صحيحة وصف فيها النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ النساء بأنهن "ناقصات عقل ودين"، وهؤلاء يصدُق فيهم قول القائل:

وَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلاً صَحِيحًا *** وَآفَتُهُ مِنَ الفَهْمِ السَّقِيم

 

- خدعة اجتزاء النص بغرض تشويه المعنى:

فصنعة مثيري الشبهات تقتضي أن يجتزؤوا جزءاً من النص، أو يعزلوا النصوص عن السياق الذي وردت فيه، فإخبار النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ عن نقصان عقل المرأة ودينها: ورد في سياق لابد من الإحاطة به؛ حتى يصح فهم المراد منه، فلنقرأ الحديث كاملاً ثم نتدبر: هل يعد هذا الوصف ذماً وانتقاصاً للمرأة أم مدحاً وتقريراً لطبيعتها ؟

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ "خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ إِلَى الْمُصَلَّى، ثُمَّ انْصَرَفَ فَوَعَظَ النَّاسَ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ, فَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ تَصَدَّقُوا"، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ, فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ؛ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ"، فَقُلْنَ: "وَبِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ، أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ" قلن يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ؟ قَالَ: "أَمَّا نُقْصَانُ الْعَقْلِ: فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ تَعْدِلُ شَهَادَةَ رَجُلٍ فَهَذَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ، وَتَمْكُثُ اللَّيَالِيَ مَا تُصَلِّي، وَتُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ فَهَذَا نُقْصَانُ الدِّينِ"(متفق عليه، رواه البخاري في الحيض(304) وفي مواضع أخر، ومسلم في الإيمان 143).

 

 

وقد نبه الله تعالى إلى السبب الذي جعل من أجله شهادة المرأة على النصف من شهادة ‏الرجل فقال سبحانه: "فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى"- البقرة:282- وهذا عام في ‏فترة الحيض وغيرها.‏

وأما نقصان الدين: فمعناه أن أداءها للعبادة ناقص؛ نظراً لما يفوتها من الصلاة والصيام في أيام حيضها، فهو نقصان بالنسبة لأهل ‏الكمال.‏ والرد عليه من وجوه:

- أنّ هذا أمرٌ لا تعاب المرأة به، فهو أمرٌ قدّره الله تعالى عليها، متلازم مع خَلقها الذي هيأها الله تعالى به للقيام بواجبات الزوجية والأمومة، من حمل ورضاع، قال النووي رحمه الله: ‏(ونقص الدين قد يكون على وجه يأثم به، كمن ترك الصلاة أو الصوم أو غيرهما من ‏العبادات الواجبة عليه بلا عذر، وقد يكون على وجه لا إثم فيه، كمن ترك الجمعة أو الغزو أو غير ذلك مما لا يجب عليه ‏بلا عذر. وقد يكون على وجه هو مكلف به كترك الحائض الصلاة والصوم). ‏- ثم إنّ هذا النقص لا تؤاخذ عليه المرأة، لأنه نقص حاصل بقَدَرِ الله عز وجل وشرعه، فهو الذي شرعه عز وجل رفقا بها، وتيسيرا عليها؛ لأنها إذا صامت مع وجود الحيض والنفاس يضرها ذلك، فمن رحمة الله شرع لها ترك الصلاة والصيام وقت الحيض والنفاس وقضاء الصوم فقط بعد ذلك).

- وهذا النقص الذي عناه النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لا يمنع أيضا تقواها لله، وكونها من خيرة عباد الله، ومن خيرة إماء الله إذا استقامت في دينها، وإن سقط عنها الصوم في الحيض والنفاس أداء لا قضاء، وإن سقطت عنها الصلاة أداء وقضاء، فإن هذا لا يلزم منه نقصها في كل شيء من جهة تقواها لله، ومن جهة قيامها بأمره، ومن جهة ضبطها لما تعتني به من الأمور، فلا ينبغي لأحدٍ أن يرميها بالنقص في كل شيء وضعف الدين في كل شيء، وإنما هو ضعف خاص بأداء عبادتها، وضعف في عقلها فيما يتعلق بضبط الشهادة ونحو ذلك، فينبغي إيضاحها وحمل كلام النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ على خير المحامل وأحسنها.

- سكت هؤلاء المروّجون لتلك الشبهة عن ذكر باقي أوجه التعامل الفقهي مع المرأة في مسألة الشهادة، فهناك مسائلُ لا تُسمَع فيه شهادة الرجل، وتُسمع فيه شهادةُ المرأة، وهي القضايا التي تختصُّ بالنساء؛ كالولادة، والاستهلال، والرَّضاع، والعيوب تحتَ الثياب، كالرَّتَق والقَرَن، والبَكارة، والثيابة.

 

- في الحديث بيان لقدرة المرأة على التأثير النفسي على الرجل!

سياق الحديث جاء في التعجب من النساء وقدرتهنَّ على التأثير، ولا يفيد ذم المرأة أو الانتقاص منها، إذ لا يعقل أن يعيب النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ النساء بهذا الوصف على الرغم من أنّ هذا النقص في خلقتهن لا يدَ لهن فيه، وإنما لحكمة جليلة من رب العالمين. 

وإنما يفيد استشهادًا وإقرارًا بما جعله الله تعالى مركبًا في طبيعتها من القدرة والاقتدار على الإقناع وقوة التأثير على الرجل، على الرغم مما فيها من نقص العقل والدين الذي وضحه الحديث، قال صلى الله عليه وسلم: " مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ، أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ"، فكم من رجل معروف بقوة الشخصية وشدة الشكيمة، يعجز الرجال عن إقناعه، يتسلل من يعرف خفايا الأمور إلى إحدى نسائه، أمّاً أو بنتاً أو زوجاً؛ فيصبح الممنوع ممكناً والمستحيل معقولا، بسبب تأثيرهن وتأثر الرجل – مهما كان حازما – بهن!!

قال الإمام العيني: "فإنْ قلت: أليس ذلك ذمًّا لهن، قلت: لا، وإنَّما هو على معنى التعجُّب، فإنهنَّ مع اتصافهنَّ بهذه الحالة يفعلْنَ بالرجل الحازِم كذا وكذا".

 

نصوص القرآن والسنة تنتصر للمرأة:

ماذا يقول هؤلاء أمام العديد من النصوص التي أثبتت للمرأة كل الاعتبار والتكريم، وأعظم ذلك مساواتها في درجات الإيمان والعمل الصالح وما يترتب عليه من الجزاء في الآخرة بالرجل، قال تعالى:" مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" ـ النحل: 97- ، بل وأكثر من ذلك: أن ضرب الله تعالى بها مثلاً للذين آمنوا، فجعلها محل الأسوة والقدوة للمؤمنين رجالاً ونساءًا إلى يوم القيامة، قال تعالى: "وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ"- التحريم:12،11-

وفي الحديث: " أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى"(رواه أحمد: 22391، وصححه الألباني).

وقد تكثر منها الأعمال الصالحات، فتربو على كثير من الرجال في عملها الصالح وفي تقواها لله عز وجل وفي منزلتها في الآخرة، وقد تكون لها عناية في بعض الأمور فتضبط ضبطا دقيقاً أكثر من ضبط بعض الرجال في كثير من المسائل التي تعنى بها وتجتهد في حفظها وضبطها، وبذلك كانت ولا تزال كثير من النساء الفضليات مرجعا في كثير من العلوم.

 

وأخيراً أعزائي:

لابد أن يكون المسلم على وعيٍ بحِيَلِ المبطلين، قال تعالى:" وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ"ـ الأنعام:55 -  

          فإثارة تلك الشبهات التي تنشط حينًا وترقد حينًا آخر: ليست إلا حلقة من سلسلة الممارسات التي تهدف إلى الصد عن سبيل الله تعالى، والإساءة إلى الإسلام وتشويه معالمه، وإظهار المرأة المسلمة في صورة الضحية المقهورة التي ينتقص من شأنها وتعامل على اعتبار أنها (نصف إنسان)!

آلا فلننتبه جميعاً، ولنحذر من مثل هذه الأكاذيب حتى لا يتأثر بها الرجل المسلم، فيتجبر على المرأة ويقلل من شأنها، ولا تتأثر المرأة المسلمة بتلك الصورة الذهنية المشوبة بالنقص والتقليل من شأنها أيضاً فتصاب بعقدة الدونية الكاذبة، وافتقاد الثقة بالنفس والقدرات، الأمر الذي ما أنزل الله بها من سلطان، بل أراد الله عزّ وجلّ بالمرأة كل خير وعزّ وكرامة لما أنعم الله عليها بالإسلام.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...