القرار الصَعب لها أون لاين - موقع المرأة العربية

القرار الصَعب

أدب وفن » دوحة السرد
12 - صفر - 1440 هـ| 23 - اكتوبر - 2018


1

مضت عدة شهور، وهو على هذا الحال، لا يستطيع الكلام والوقوف، أو حتى تحريك جزء من جسمه. لكنّني بقيت معه، فأنا أعتني به منذ تلك الحادثة التي أفقدته القدرة على الحركة.

 

تخلّى عنّا جميع إخوتي. فكل منهم مشغول بأعماله ومشاكله وهمومه، لذا بقيت الوحيد مع والدي. كثيراً ما تساءلت عن سبب عدم زيارتهم لنا، أو سبب تحمّلي للمسؤولية الكبيرة وحدي!, كثيراً ما وسوس لي الشيطان، ولم أستسلم. كل إخوتي الذكور والإناث أسّسوا أسرهم الصغيرة، الكل تزوج وأنجب، وأنا بقيت هكذا من أجله. ذهبت إليهم واحدًا واحدًا من قبل ولم يهتموا بالأمر، بل كانوا يعتقدون أنّني أتسوّل منهم، وأرغب في النقود! لقد مضى الكثير من الوقت وأصبحت المسؤولية الملقاة على كاهلي تزداد وتكبر. كما بدأت أشعر بشعور غريب في الآونة الأخيرة، فأنا أخشى أنني حرمت نفسي وحرمته - هو الآخر- من أشياء كثيرة.

 

في كلَ يوم، أبذل قصارى جهدي لإرضاء والدي، رغم إحساسي القويّ بالأسى؛ لأنني لا أستطيع البقاء معه طوال الوقت بحكم عملي. فكثيرا ما أشعر بحزنه عندما أعود للمنزل، خاصة إذا كان قد بلّل ثيابه أو فراشه. لكنَ جاري أصبح يساعدني بشكل كبير مؤخراً، فهو يحس بمدى صعوبة الأمر بالتأكيد. أنا أدرك تماماً أنّ أبي شخص قويّ الإيمان، وراضٍ بقضاء الله وقدره، إلّا أن الألم يعتصرني عندما أحس أنه يرغب بشيء ما، ولا يستطيع القيام به، أو حتَى قول ما يريد، لكنَه بالتأكيد يتألّم أكثر منّي.

 

ظلت الحال هكذا في منزلنا، ويوماً بعد يوم تزداد المعاناة والآلام؛ إلى أن وجدت إعلانا مفاجئاً في إحدى الجرائد. تمعّنت في ذلك الإعلان وقرأته جيداً، وقد بدا لي أنّه الحل الوحيد والمتبقي من أجل سعادته وسعادتي، حتى لا يحس بالنقص والحرمان الذي يعيشه معي! كان قراراً صعباً، لكنَ اتخاذه أصبح ضرورة قصوى، من أجل راحتي وراحته. فبدأت بجمع الحقائب استعداداً للسفر في الغد.

 

في اليوم الموالي، سافرت أنا وأبي بواسطة القطار في اتجاه أكبر مدينة في البلاد، وحملت معي الجريدة التي اشتريتها بالأمس. فقد كُتب على صفحاتها عنوان المستشفى الكبير، وهو مقرّ عمل طبيب اكتشف عملية غريبة لعلاج العديد من الأمراض؛ رغم أنّها تتطلّب الكثير من الأموال والتضحيات.

 

وصلنا بعد ساعات إلى المستشفى المطلوب، فنقلنا أبي لغرفة خاصّة بحالات الشلل. وبعد ذلك أخذت أتكلّم مع الطبيب، ثم أطلعته على كلّ ما يتعلّق بحالة والدي. كان يصغي إليّ باهتمام وتفهّم، حتّى أخبرته برغبتي في إجراء تلك العملية الجديدة لأبي فتفاجأ قائلاً:  ماذا؟ هل تريد فعلاً أن تمنح جسدك لأبيك، وتمتلك جسده بعملية التبادل؟ هل تعرف ما معنى هذا؟ ستبقى مشلولاً إلى الأبد!

 

فأجبته بحزم يملؤه الألم: أجل يا دكتور، لقد فكّرت في الموضوع جيداً، ولهذا قرّرت أن أمنح جسدي وصحّتي لأبي، وسأكون سعيداً جداً بالحصول على رضاه مدى الحياة. صحيح أنّني سأصبح مشلولاً وفي نفس حالته، لكنّ هذا الأمر لا يهمّني كثيراً. فهو يتألم عندما لا يستطيع النهوض والذهاب إلى المسجد. لقد اشتاق لصلاة الفجر في جماعة، وإلى إمساك القرآن بيديه لتلاوته، كما اشتاق لزيارة الأقارب والأصدقاء والمرضى واليتامى، حتى إخوتي الذين تخلّوا عنه؛ كان كثيراً ما يزورهم ليطمئن عليهم. إنّه يتألمّ جداً، وأنّا أتألّم أكثر منه عندما أراه في هذه الحالة!

 

بدا الطبيب متأثراً جداً بما قلته، فهو لم يتوقّع أن تكون تضحيتي بهذا القدر، وأمنح صحّتي كلها لوالدي، لكنّه طلب منّي أن نأخذ الإذن من إخوتي، فهو والدهم أيضًاً، ولا بدّ من اطلاعهم على القرار. شرحت له الأمر جيداً، وأعطيته أرقام هواتفهم حتّى نتمكّن من إجراء العمليّة في الغد، فيما قررت الخروج قليلاً من المستشفى، فقد تكون آخر مرّة أحرّك فيها يديّ ورجليّ.

 

أحسست بالألم عندما مشيت في الشارع، فقد رأيت العديد من الناس في الطريق. كان بعضهم يضحك، وبعضهم يشتري من المتاجر، وآخرون يتشاجرون. لا أحد منهم يعلم قيمة تحريك الجسم والمشي والكلام. يا للغرابة! فقد بدأت الدموع تخرج من عينيّ عندما تخيّلت أبي واقفاً أمامي من جديد، يبتسم معي ويضحك مثلهم. آه! كم اشتقت لكلامه ودعواته معي!. تمنّيت برهة أن أعود إلى الماضي، وأعيش معه جميع اللحظات من جديد، وحبّذا لو كانت والدتي المتوفاة معنا أيضاً. سيتحقَق ما أريده، فمعاناته ستنتهي أخيراً إن شاء الله. توقّفي أيتها الدموع عن النزول! سيصبح أبي بصحة جيّدة، وسيقوم بكل أعماله التي كان يقوم بها في السابق. أعلم تماماً أنّ عدم قدرتي على الكلام أو الحركة أمر صعب، إلّا أنّني سأكون سعيداً لأنّ أبي سيكون كذلك، ولن يتألّم بعد الآن.

 

آسف جداً، فأنا لن أستطيع الوقوف والابتسامة من جديد، لذلك لن أستمرّ في عملي. أعتذر من كل قلبي، فلن أتمكّن من الزواج وبناء أسرة صغيرة كما كنت أحلم. صحيح أنّني لن أكون قادراً على فعل شيء، وسأصبح بدون قيمة في المجتمع. لكنّ رضا والدي عنّي يكفيني.

 

مضت عدَة ساعات، ولم أستطع التفكير في الموضوع أكثر، فرجعت إلى المستشفى بعدما مسحت دموعي، لكنّ المفاجأة التي كانت هناك لم تكن متوقّعة أبداً!

 

لقد وجدت كل إخوتي في الغرفة! كل منهم يبكي ويتألم ويتحسر! كانوا ينظرون إليّ بنظرات غريبة لم أدرك معناها الحقيقيَ!. كان الطبيب معنا في تلك اللحظة، فخرج من الغرفة بهدوء دون النطق بأيّ كلمة. بينما بقيت أنا وإخوتي مع أبي.

 

فقال أخي الكبير باستغراب: لم نتوقع أبداً أن تضحَي بصحتك يا صهيب من أجل والدنا! أنا لا أعرف ماذا أقول؟ ثم أضافت أختي الصغرى: لن نتركك تصبح مشلولاً وتضحّي بحياتك وحدك فهو والدنا جميعاً! أنا أقترح أن يمنح كل واحد منا جزءاً من صحته لوالدنا؛ حتى يعود كما كان! تكلّم جميع إخوتي، وفي كل مرّة يقبّل أحدهم والدي. بينما بقيت صامتاً طوال الوقت، فلا يمكن لأيّ كلمة أن تصف ما أشعر به أمامهم!

 

كان الموقف أكبر مما كنت أتصوّر وأحتمل، ولم أعاتب أحداً منهم على تقصيرهم؛ لأنّ وجودهم معنا كان كافياً، حتّى دموعي التي كانت ترغب بشدة في النزول، منعتها بقوَة كي أستطيع رؤية السعادة الواضحة على وجه أبي بعدما رآنا مجتمعين.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...