القرار في العلاقات الأسرية الفلسطينية.. هل هو صورياً للمرأة وضمنياً للرجل؟

عالم الأسرة » هي وهو
23 - جمادى الآخرة - 1426 هـ| 30 - يوليو - 2005


في مكان ليس بعيد، بإحدى الجامعات المحلية بمدينة طوباس شمال الضفة الغربية اجتمعت عشرات النسوة من شرائح مختلفة، منهن الجامعيات والموظفات وعدداً ليس يسيراً من ربات البيوت لحضور مناقشة مشروع التخرج الذي أعدته "ازدهار صوافطة" طالبة في قسم الخدمة الاجتماعية، فموضوعه كان جديداً جديراً بالمناقشة والمتابعة حيث أنه يتعلق بدور المرأة في صنع القرار داخل الأسرة الفلسطينية، ازدهار بدت تناقش مشروعها بكل حماسة أمام الحضور فلم يبخل عليها بالمناقشة وأحياناً المجادلة...

تقول ازدهار أن القرار في العلاقات الأسرية ظاهرياً للمرأة لكنه ضمنياً للرجل، وراحت تؤكد أن المرأة مهما يكن لها من المكانة العلمية أو الاقتصادية أو الاجتماعية فإنها لا تملك صنع القرار في كثير من الأمور العالقة بأسرتها وتكون الكلمة الأولى والقرار النهائي للرجل مشيرة إلى أن هذه النتيجة توصلت إليها خلال بحثها الذي استهدف عينات مختلفة من النساء الجامعيات والموظفات وربات البيوت، وعزت ازدهار ذلك إلى جملة من العادات والتقاليد والثقافة السائدة في المجتمع الفلسطيني خاصة والمجتمعات العربية والشرقية التي لا تقبل القرار من المرأة خاصة داخل الأسرة.

وفي معرض ردها على سؤال حول النقاط الأساسية التي أوردتها في دراستها قالت ازدهار صوافطة:"أول تلك النقاط هي اتخاذ القرار في إنفاق الدخل أو الزواج أو تعليم الأبناء أو كون الأسرة نووية أو ممتدة، مشيرةً إلى أن النتيجة كانت واحدة في جميع الأمور وهي القرار الفعلي للرجل والصوري الشكلي للمرأة.. تصمت قليلاً وتقلب في ثنايا بحثها تستوقفها إحدى النتائج فتستعرضها قائلة:"قد يتوافق الزوجان لحد أن يقبل الزوج أن تقرر زوجته بعض الأمور المادية في الأسرة إلا أنه ما يلبث أن يتراجع عن قراره حين يصطدم بمجادلات أهله أولاً والمجتمع ثانياً وذلك لاعتبارات اجتماعية تقلل من قيمته كرجل"، تشق ملامح وجهها ابتسامة تغلق بحثها وتطبق عليه يدها وتتابع:"إن هذا الأمر يتعلق بما إذا كانت الأسرة نووية أو ممتدة وتذهب إلى القول بأن هامش الحرية في الأسرة النووية يكون أكبر مقارنة بمجال حرية الاختيار المسموح في الأسرة الممتدة، وراحت تضرب لنا مثالاً قالت:"إن مسألة زواج البنت في العائلة الممتدة يعود للجد ومن ثم للأب على خلاف الأسرة النووية.

المرأة العاملة وصنع القرار

وتوضح الباحثة ازدهار في أحد النتائج التي توصل إليها البحث أن عدم امتلاك حق اتخاذ القرار داخل الأسرة ليس قاصراً على النساء ربات المنازل اللواتي لا يعملن ولا يتلقين راتباً وإنما يشمل أولئك العاملات مبينة أنهم وحسب نتائج الدراسة لا يستطعن أخذ قرار داخل الأسرة بالإضافة إلى أنهن لا يملكون أصلاً حق التصرف في رواتبهن التي يتقاضونها لقاء عملهن إلا بجزء يسير جداً هو عبارة عن مصروف جيب للأطفال أو شراء بعض الحاجيات البسيطة فيما عدا ذلك يكون القرار للرجل خاصة عندما يتعلق الأمر بشراء أجهزة كهربائية أو غرفة أطفال أو اقتناء المجوهرات الثمينة.

وتورد ازدهار في بحثها نماذج لزوجات يعملن ينما أزواجهن عاطلين عن العمل فمنهم من تخصص جزءًا من راتبها وتقيم به مشروعاً صغيراً لزوجها كمحل بقالة أو تؤسس له مصنعاً متواضعاً، وحين تطلب منه أن يسجله باسمها فإنه يرفض ويتمرد وأحياناً كثيرة يتركها ويتزوج بامرأة أخرى غيرها" تتمتم ازدهار ساخرة من منطلق "قابلوا المعروف بالإساءة".

  مشاركة فعلية

بعد استعراض الدراسة كان لابد لنا أن نسجل بعضاً من التجارب لنساء بعضهن استطعن أن يشاركن أزواجهن القرارات الأسرية وبعضهن أخفقن وكان القرار الأول لهن أما النهائي فقد تفرد به الرجل وحده ضارباً بخيار زوجته عرض الحائط، أما الفريق الثالث كان القرار متفقاً عليه فيما بينهم.

سماح سعيد تعمل في إحدى المؤسسات الحكومية، شابة في مقتبل العمر متزوجة ولديها من الأطفال زينة ويزيد تحدثنا عن قدرتها على اتخاذ القرار داخل الأسرة فتقول أنها متفقة وزوجها على المشاركة في اتخاذ القرارات الهامة في حياتهم، والتي تنظم علاقاتهم الاجتماعية وتحمي مستقبلهم الاقتصادي لقدر معين من الزمن لا يتجاوز العام، أستأذنها أن تروي لنا بعضاً من القرارات التي توصلت إليها بالمشاركة مع زوجها، تلوح ببصرها بعيداً، بدت وكأنها تحاول استذكار أكثر شيء شاركت فيه زوجها القرار، وأخيراً طفقت تقول:"هناك العديد من المواقف في الحياة لكن الأكثر حضوراً في ذاكرتي هو عندما أقدمنا على شراء بيت لنا بدلاً من التنقل في بيوت الإيجار"، وتتابع:"كان الطرح في البداية من جانبي تناقشت مع زوجي كثيراً في الأمر.. في البداية أبدى اعتراضاً ليس لشيء سوى أننا لا نملك من المال ما يكفي شراء منزل، لكن ذلك لم يكن القرار النهائي فرحت أقنعه بإمكانية الحصول على قرضين من البنك كلاً حسب الراتب الذي يتقاضاه إلى جانب "تحويشة العمر" على حد تعبيرها فنستطيع من خلاله توفير مبلغ كدفعة أولى، وبعد مناقشات طويلة ودراسات حثيثة كان القرار بالمشاركة في شراء المنزل "، وهنا تشير سماح إلى أن زوجها عمد إلى تسجيل المنزل بالمناصفة بينها وبينه حتى لا يكون قد ظلمها.. ثم تابعت القول:"عندما يكون الزوجان متفاهمين يكون اتخاذ القرار بالمشاركة والمشاورة بينهما كذلك طبيعة الرجل وشخصيته تحدد إمكانية اتخاذ القرار من عدمه من جانب المرأة بالإضافة إلى البيئة المحيطة والثقافة والأسلوب الذي تتخذه المرأة في اتخاذ القرار فظاً، لطيفاً، متعصباً أو مرناً.

عادة ليس أكثر

لقد شاركت سماح زوجها في اتخاذ هذا القرار المصيري في حياتهما، ولكن ليس كل الرجال واحد وليس كل النساء واحدة أيضاً فهذه أماني تقول:"منذ نعومة أظافري وأنا أنتظر من يتخذ لي القرارات الهامة والعادية في حياتي، لم أتعود على اتخاذ القرار بنفسي حين كنت في الثانوية قرر لي أبي أن أدخل القسم العلمي، وعندما دخلت الجامعة أيضاً التحقت بقسم اللغة الإنجليزية بناءً على رغبته وأيضاً لأن خريج اللغة الانجليزية له حظ أوفر في فرص العمل"، وتضيف:" لم أكترث كثيراً بالأمر فكل التخصصات لدي واحدة لم أكن أرغب في تخصص معين فالتحقت بقسم اللغة الانجليزية وتخرجت منه، ومن ثم تزوجت أيضاً بالشخص الذي اختاره لي أبي وهو مدرس لغة إنجليزية بإحدى مدارس وكالة الغوث، قال إنه سيكون مطمئن على راحتي اجتماعياً واقتصادياً معه"، وتوضح:"رغم أنني أصبحت مدرسة أمتلك قدراً من الثقافة تمنحني إمكانية صنع القرار داخل أسرتي الصغيرة أو حتى المشاركة فيه إلا أن زوجي كان نفس نمط أبي فلم يعطني الفرصة ولم أحاول أن أجتثها منه لأنني ببساطة لم أتعود أن أتخذ قراراً في حياتي".

القرارات المالية بيدي

نقف أمام نموذج آخر يبدو على النقيض من سابقه.. مريم امرأة متزوجة محبة لزوجها متفهمة لمتطلبات حياتها ومدركة لما يحدث حولها من تطورات وأحداث، تقول أنها منذ ارتبطت بزوجها "أشرف" اتفقا على اتخاذ القرارات المصيرية في حياتهما بالمشاركة، ليس لأحد أن يمتلك القرار دون الآخر، ولكن مع مرور الوقت أدركت أن زوجي ينفق بسخاء من راتبه ولا يكترث بإمكانية تحصيل مبلغاً من المال للأزمات فشاورته في الأمر وأن ذلك قد يضر بنا مستقبلاً؛ خاصة وأننا لا نملك بيتاً نعيش فيه وإنما نسكن في بيت أخيه المسافر، تصمت قليلاً تتابع:"بعدها كم كان صعباً أن أخوض معه حواراً أطالبه فيه بالاقتصاد من أجل مستقبل مشرق لنا ولأطفالنا بإذن الله "، كنت شغوفة أن أعلم ردة فعل زوجها سألتها ماذا فعل فتبسمت مجيبة:"أنه تفهم الأمر جيداً، لم ينظر إليه كاتهام كما يفعل بعض الأزواج خاصة أنني ساعدته في تسديد ديون متراكمة عليه قبل الزواج، ولا أخفي عليك كأي رجل في البداية امتعض ولكن عندما علم أن ذلك لمصلحة الأسرة جميعها أوكل إليَّ حرية التصرف بالأمور المالية لدرجة أنه في كل شهر يأتيني براتبه فأضعه مع راتبي ومن ثم أقسمه: مبلغاً للديون وآخر لاحتياجات الأسرة، وثالث للملابس وهكذا وهو سعيد بذلك وراض"، مشيرة إلى أنها استطاعت أن تدخر مبلغاً وفيراً خلال الأربع سنوات الماضية من عمر زواجها وهي الآن بصدد بناء منزل خاص بها، وهنا استدركت بسؤال حول تدخل أهل زوجها فأشارت أن والدة زوجها هي من شجعتها وتقف دوماً إلى جوارها وتأتي على ابنها لصالحها في كثير من الأحيان.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...