القوامة على المرأة والحكمة منهما (2ـ2)

دعوة وتربية » نوافذ
27 - ذو الحجة - 1437 هـ| 30 - سبتمبر - 2016


1

قال الله تعالى: "الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ"(النساء 134)، ونستحضر قوله تعالى: "لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ"الأنبياء23، وقوله عز من قائل: "قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ"آل عمران 140.

سبق وتكلمنا في الحلقة الأولى عن المدخل إلى فهم الولاية والقوامة على المرأة في الإسلام(1-2)، وتحدثنا عن معنى الولاية والقوامة، وبدأنا في بيان الحكمة من جعل القوامة بيد الزوج أو جعل الولاية بيد الرجل. واليوم نستكمل ما بدأناه في الحلقة الأولى.

 

     لقد اقتضت حكمة الله تعالى أن تبدأ الحياة الإنسانية من التقاء شطري النفس الواحدة؛ وذلك لإنشاء مؤسسة الأسرة؛ ولهذه المؤسسة تبعات ضخمة: منها توفير السكن والاستقرار، والصون والستر والإحصان للنفس بشطريها؛ وكذلك لإمداد المجتمع البشري بعوامل النمو والامتداد، والترقي.

     ولقد تضمنت الآية السابقة وغيرها من آي الذكر الحكيم التي تعنى بشؤون الأسرة - دستورا كاملا شاملا دقيقا، لتنظيم حياة المؤسسة الإنسانية الأولى في المجتمع؛ وإنها لتدل بكثرتها وتنوعها، ودقتها وشمولها على مدى الأهمية التي يعقدها المنهج الإسلامي للحياة الإنسانية على مؤسسة الأسرة الخطيرة.

 

     إن مهمة الأسرة رعاية الطفل في طفولة طويلة، يحتاج فيها إلى حماية وتربية، والأخذ بيده إلى وضع اجتماعي يستطيع به كسب معاشه والقيام بوظيفته، ومساهمته بترقية الحياة الإنسانية.

     إن هذا النص ـ في سبيل تنظيم المؤسسة الزوجية، وتوضيح الاختصاصات التنظيمية فيها لمنع الاحتكاك فيها بين أفرادها بردهم جميعا إلى حكم الله تعالى، لا حكم الهوى والانفعالات الشخصية ـ يحدد أن القوامة في هذه المؤسسة إلى الرجل، بما فضله بمقومات القوامة، وما تتطلبه من خصائص فطرية ودربة (معتادة)، ومن ثم تكليف الرجل الإنفاق على هذه المؤسسة والقيام بصيانة الخلية الإنسانية الأولى من الخراب، وحمايتها من النزوات وطريقة علاجها؛ وكذلك يبين المشرع الحكيم الإجراءات الخارجية التي تتخذ عندما تفشل الإجراءات الداخلية، وإن أهمية الأسرة تكمن ـ أيضا ـ بأنها تضم الفراخ الخضر في محضنها وهي معرضة للبوار.

 

     وصدق الله إذ يقول: "وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا، قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى {20/126} وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى" سورة طه124 ـ127.

     لقد خلق الله الناس من ذكر وأنثى – زوجين على أساس القاعدة الكلية في بناء الكون - وجعل من وظائف المرأة: أن تحمل وتضع وترضع، وتكفل ثمرة الاتصال بينها وبين الرجل، وهي وظائف ضخمة خطيرة، وليست هينة ولا يسيرة بحيث تؤديها المرأة أداء جيدا؛ لأن الأنثى مهيأة تهيئة عضوية ونفسية وعقلية في كيانها، وبالتالي ـ وحتى تستقيم الحياة وتقوم على العدل والمساواة؛ فقد أنيط بالرجل توفير الحاجات الضرورية، وتوفير الحماية للأسرة، لتقوم الزوجة متفرغة بوظيفتها الخطيرة.

          فكان ـ عدلا ـ أن يمنح الرجل من الخصائص في تكوينه العضوي، والعصبي، والعقلي، والنفسي ما يعينه على أداء وظائفه، وأن تمنح المرأة في طبيعتها ما يعينها على القيام بوظيفتها خير قيام. ولقد زودت المرأة ـ فيما زودت ـ بالرقة والعطف، وسرعة الانفعال والاستجابة العاجلة لمطالب الطفولة ـ بغير وعي ولا سابق تفكير -  وهذه الخصائص في المرأة ليست سطحية في كيان المرأة، بل هي غائرة في كينونتها وجبلتها.

 ولقد زود الرجل بالخشونة والصلابة، وبطء الانفعال والاستجابة، واستخدام الوعي والتفكير قبل الحركة والاستجابة، وهو – أي الرجل – يمارس دور الحامي للزوج والأطفال، ويقوم بتدبير معاش أسرته. فسبحان من هيأ كلا منهما لمهامه.

إن مؤسسة الحياة الزوجية لا تسير بلا قوامة   - والولاية جاءت نتيجة لمهمة القوامة - كسائر المؤسسات الأقل شأنا منها والأرخص سعرا، والتي تُعْنَى بشؤون الحياة الأخرى.

 والرجل هو الذي أوكلت إليه مهمة القوامة؛ لأنها تتناسب وخصائصه وطبيعته، وهو أكفأ من المرأة في هذا المجال– بحكم تكوينه -، وليس من العدل أن تسند للمرأة وظائف لا تتناسب وطبيعتها، فمن قلب ميزان الحياة؛ فسوف يؤدي هذا الاختلال إلى مشكلات خطيرة في حياة الأسرة قد تعصف بها. إن وظيفة الأمومة وما يتعلق بها من شؤون التربية عمل شاق لا يقدر أن يقوم بها الزوج كما أن تأمين الرعاية الاجتماعية والحماية الأسرية هي من وظيفة الرجل لا تقدر المرأة على تأديتها، فهي تتنافى مع تكوينها. ولا يترك تنظيم الأسرة فيها إلى الأهواء.

 

    وحين ابتعد البشر عن منهج الله تعالى، حدث تخبط واضطراب في حياة البشر هزهزت كيان البيت، وهددته تهديدا خطيرا في وجوده وذاته؛ وإن من يتأمل  فيما آلت إليه المجتمعات وما حصل فيها من أمراض تكاد تزلزل أركان البيت، وإن بدا متشحا بالألوان الزاهية، والمظهر البراق الخلبي!.

     أخيرا: ليس من شأن هذه التنظيمات إلغاء شخصية المرأة في البيت ولا في المجتمع الإنساني؛ ولا إلغاء وضعها المدني، وإنما هي مهمتها - داخل كيان الأسرة  - لإدارة هذا البيت وصيانته وحمايته، وإن وجود القيم في مؤسسة ما لا يلغي وجود ولا شخصية ولا حقوق الشركاء فيها والعاملين في وظائفها.

والإسلام حدد في مواضع أخرى – في القرآن والسنة – صفات القوامة والولاية وما يصاحبها من عطف ورعاية, وصيانة، وتكاليف في نفسه وماله وآداب مع زوجه وعياله. فإن ظلم وجار، أو تخلفت فيه صفات ينبغي أن تكون فيه ليتحمل مسؤولية القيادة في بيت الزوجية؛ فتسحب منه الولاية والقوامة.  

 

    إن تعاسة البشرية اليوم تعاسة أشقت الإنسان، فهو حزين في باطنه، وإن تظاهر بخلاف هذا وحكماء العالم يندبون الحضارة الغربية التي بدلت في وظائف شطري الخلية الإنسانية  - الأسرة – وأدت إلى استرجال المرأة، وتأنيث الرجل، فشقي الرجل والمرأة على السواء، وانعكس هذا الشقاء على حياة الأولاد وما أكثر المشكلات والأمراض الاجتماعية في عصرنا هذا، وما من مجتمع إلا وهو مهدد بالدمار نتيجة الانحراف عن الفطرة البشرية فطرة الله التي فطر الناس عليها.

 

     وإن الحديث عن القوامة والولاية لن يعجب المترجلات من النساء، والمخنثين من الذكور، وسيقبلها العقلاء من البشر، وإن لم يتمكنوا من الالتزام بها عمليا بسبب ضغط الواقع الماكر، وانخداع الناس بالمظاهر الكاذبة. وصدق الله إذ يقول: "قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا، أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا"سورة الكهف103 ـ105.

 

           وستعود البشرية إلى بارئها عاجلا أم آجلا، مهمها شردت عنه، وكم من شقي اهتدى – وهو يقرأ القرآن ليطعن فيه – وانقلب إلى تقي يعبد الله على علم وبصيرة. وما أكثر الأشقياء في هذه الحياة، وهم محتاجون إلى ربهم، وإن استكبروا في ظاهرهم!

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


مالك فيصل الدندشي

إجازة في الآداب – قسم اللغة العربية / جامعة دمشق
دبلوم عال في الشريعة الإسلامية / معهد الدراسات الإسلامية في القاهرة

مالك فيصل الدندشي من سوريا - محافظة حمص والمولود في العام/ 1949م.
تلقيت تعليمي الابتدائي والمتوسط والثانوي في بلدتي ( تلكلخ ) ثم التحقت بالجامعة في مدينة دمشق, وحصلت على الإجازة ( بكالوريوس ) في الآداب – قسم اللغة العربية وتخرجت في العام 1974م.
عملت في التعليم العام في سوريا ثم في المعاهد العلمية التابعة إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية مدة إحدى وعشرين سنة وخلال هذه المدة سافرت إلى القاهرة وحصلت على دبلوم عال في الشريعة الإسلامية.
أعمل الآن مدرساً منذ تسع سنوات في مدارس الفرسان الأهلية وخلال إقامتي في الرياض حصلت على عشرات الدورات والورش والمشاغل في مواضيع مختلفة في التربية والتعليم.
كتبت العديد من المؤلفات والأبحاث والمقالات في موضوعات شتى.


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...