المثقفة السعودية.. هل أصبحت ظاهرة صوتية؟!

كتاب لها
06 - جماد أول - 1426 هـ| 13 - يونيو - 2005


تعتبر قضايا المرأة المعاصرة موضع جدل عند كل شرائح المجتمع المختلفة، وقد أخذ هذا الموضوع حظاً وافراً من المناقشة والمحاورة والتنظير؛ تولّد هذا المخاض الطويل عن سيل من الحبر المكتوب في أعداد هائلة من المقالات والدراسات، التي لم يترجم منها في أرض الواقع سوى النزر اليسير الذي لا يتناسب مع طبيعة المرحلة التي نعيشها.. وهذا ما دعاني لأن أثير بعض الأفكار وأناقش بعض المفاهيم لشريحةٍ مثقفةٍ برزت كصوتٍ ناطق للأغلبية الصامتة من نساء المجتمع خصوصاً من حمل منهن لواء التوجيه العام أو الكتابة الصحفية أو الحديث باسم المرأة السعودية من ذوي التوجه الإسلامي.. ولعل المقام يقتضي إبراز أهمها بإجمال في النقاط التالية:

1- كثُر الحديث إلى درجة الانحراف حول التغير السريع لمجتمعنا وتطوّر آليات انفتاحه على العالم بصورة مذهلة والأخطار المحدقة بالمرأة جرّاء هذا السيل، لكن النتيجة لذلك الخطاب أدى إلى تمحور جلّ الأنشطة النسائية نحو اتهام الآخرين بالوقوف وراء هذا المدّ التسونامي ودفع الشبه عنهن ومحاربة أعراض ذلك التغيّر دون الغوص في أمراضه، ونشأ بالتالي فقه يقوم على الولاء والبراء لمسائل شرعية نتجت عن هذا التغيّر كعباءة المرأة وقيادتها للسيارة أو دخولها للانتخابات أو سفرها بغير محرم إلى غيره من القضايا التي لم تصل على مرّ التأريخ الإسلامي أن تصبح ثوابت دينية لا تقبل النقاش، ومع أهمية طرحها إلا أن دورها لا ينبغي أن يقفز على أولويات أهم وأعظم لم تعط الوقت الكافي للتفكير، فضلاً عن التنفيذ كحقوقها المتنوعة ودورها في التنمية والمشاركة المنضبطة في مؤسسات المجتمع.. أعتقد أن دور المرأة في المرحلة الراهنة قد تقزم وانكمش نحو الخوف على الهوية والذوبان في الآخر مما حجم دورها وأضعف إمكانيتها التي لا توجد في كثير من المجتمعات.. إن ما نملكه من قيم إسلامية ومنهج رباني يكفل للمرأة قدراً من التأثير ودوراً في الإصلاح ما ينبغي إبرازه في هذه المرحلة الحرجة من تأريخ المرأة السعودية. ولا يتم ذلك إلا بإقامة البرامج التنموية والمشاريع البّناءة من خلال مؤسسات اجتماعية ومراكز بحثية ومعاهد فنية واقتصادية تعالج كل مشكلات واحتياجات المرأة، وتدمج كل الأطياف الاجتماعية من غير تمييز أو تهميش لأحد. وهذا ما ينقلنا من خنادق الدفاع المميت وأقبية الانطواء المخيف إلى مرحلة بناء المشاريع المتقدمة والفضاء المفتوح نحو مجالات حيوية في أرض الآخرين.

2- أن ضمور الفكر الناقد وانسداد آفاق التفكير الموضوعي لدى الكثير من المثقفات الإسلاميات ربما يؤجل الكثير من المبادرات التنموية لنساء المجتمع، ولعلي أبرر هذا الغياب بقلّة الوسائل الناجعة لإيصال أفكارهم وتنفيذها من خلال النظم والقوانين، وكذلك وصاية الرجل الكاملة عليها؛ مما أدى إلى ذهاب الكثير من الجهود بلا جدوى، وما له جدوى لا يجد ما ينميه من جهود وأموال.

إن غياب هذه الأنماط من التفكير المنطقي وضيق الأفق المعرفي والحضاري لدى النخب النسائية، وندرة المؤسسات العلمية وقلّة الأنشطة الذهنية؛ ساهم في بروز الكثير من الظواهر الاجتماعية السلبية وغلبه الحمّى الاستهلاكية نحو الكماليات وأدوات الزينة وآخر صيحات الموضة ما لا يوجد في مجتمعات غير مسلمة!! مما هوّن في اهتماماتها وأضعف من همّها، فأصبحت أكثر ميولاً للخرافات والشائعات وربما أعمال السحر والشعوذة. إن خضوع المرأة لميولها العاطفية بدرجة كبيرة على حساب العقل والمنطق انعكس حتى على استقرارها الأسري وقدرتها على احتواء مشكلاتها الخاصة، وأصبحت أكثر عرضة للانسياق نحو الإثارة العاطفية أياً كان مصدرها.. وأعتقد أن هذه الحالة ليست حكراً على فئة خاصة في المجتمع وإن تفاوتت درجاتها فالقواسم المشتركة بينهن تجعلها ظاهرة نسائية في مجتمعنا السعودي.

3- إن صحوة الفكر الحرّ المنطلق من مشكاة الشرع الحنيف ومقاصده الكلية والقادر على برمجته في مشاريع حضارية هو ما نأمله من النخب المثقفة، ولا يتم ذلك إلا بالفكر الواعي والتخطيط السليم والفعل الجماعي الذي يولّد مشاريعنا الإسلامية الحاضنة لكل المتغيرات الراهنة، دون الحاجة لشغل الوقت وتضييع الجهد بالردّ أو الهجوم على المستورد الأجنبي وإن عَلت أسهمه في سوق مجتمعنا النسائي، فالأجيال القادمة تحمل الكثير من التساؤلات الملّحة حول الحريات والحقوق والعدالة أو المساواة الكاملة مع الرجال وغيرها.. وأفضل إجابة لتلك التساؤلات الحتمية ما يرونه عياناً من مشاريع تنموية يندمجون فيها ويمارسون من خلالها دورهم في البناء وتصبح مفاهيم الحرية والعدالة والمساواة والنهضة والحضارة حقائق حاضرة في أنفسهن ومجتمعهن.. إن هذه الخطوة تأخرت بما فيه الكفاية، وقد حان الوقت لتصمت أبراج النخب العاجية وينطلق العمل البنّاء ونغرس فسائل النخل المعطاء فالساعة لو قامت وبيد إحداكن فسيلة "فلتغرسها"!!

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


د. مسفر بن علي القحطاني

- دكتوراه في أصول الفقه الإسلامي .
- ماجستير في السياسة الشرعية .

- رئيس قسم الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن.
- خبير في المجمع الفقهي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي .
- عضو في الجمعية الفقهية السعودية .
- عضو لجنة الطعون والتظلمات بانتخابات المنطقة الشرقية .
- عضو الهيئة التأسيسية لموقع علماء الشريعة.
- عضو في مجله (بحوث) للدراسات الإسلامية الصادرة عن مؤسسة الإسلام اليوم .
- عضو اللجنة الاستشارية لشؤون الدعوة والمساجد بالمنطقة الشرقية .
- عضو اللجنة الشرعية للندوة العالمية للشباب الإسلامي بالمنطقة الشرقية.
- رئيس لجنة التنمية الاجتماعية في الظهران بالمنطقة الشرقية.
- مستشار اجتماعي في جمعية البر بالمنطقة الشرقية(مركز التنمية الأسرية) .
- مستشار شرعي واجتماعي في بعض المواقع على شبكة (الإنترنت) .


تعليقات
-- am mae - أخرى

08 - جماد أول - 1426 هـ| 15 - يونيو - 2005




الصعود على سلم كهربائي يتجه إلى الأسفل!
التغير الإجتماعي الذي نعيش الآن في السعودية، وثورة المعلومات التي نعايشها ولله الحمد، تحتم على كل من ولاه الله أمر المسلمين أن ينهض بالمجتمع بطريقة حضارية مستفيداً من الحداثة الغربية حد الأمن والوقاية من شرها!
الهوية سؤال فلسفي جل ما يطرح حوله تجريدي بعيد عن الواقع، الواقع طرف آخر غير النقل والعقل، سنن الله في النفس والمجتمعات تسري حسب تقدير العزيز الحكيم.
النسوة والنسوية، لما لا يتجرد علماء الحديث في إبراز صورة المرأة في عهد إمام العالمين صلى الله عليه وسلم، وعصر خلفاءه الراشدين، لماذا تطبق قواعد أصول الفقه والناسخ والمنسوخ على أحداث السير والتاريخ؟
المستوى الثقافي العام وليس النسائي فقط، يعاني من تخلف يجعل الطلاب أكثر ثقافة من أساتذتهم في بعض الجامعات هنا!!
لمحة عن الدراسات الإسلامية لباحثات في المغرب وماليزيا، ومحاولة جادة للتبادل مع أهل الحق في كل مكان، ستغير من ذهنية المجتمع فضلاً عن المرأة، وهذا التغير ليس لذاته بل لنحقق الولاية بيننا كمؤمنين ونتقي الله ما استطعنا!
دوركم في بث الوعي بمقاصد الشريعة، والترفع عن تصويرها مقابلة النصوص، كمن يعترض على إعتبار الإجماع الصحيح مقدم على النص.
وينسحب الحديث أيضاً على موضوع سد الذرائع، وفتحها، والنقلة التي ساهم بها العديد من العلماء والباحثين حول الموضوع إبان الحوار الوطني الأول.

هذه أفكار سريعة تحتاج إعادة ترتيب ولنعلم جميعاً أن الشق أكبر من الراقع! ومع هذا وذاك أنا متفائلة!
أختكم

-- أسيل -

12 - جماد أول - 1426 هـ| 19 - يونيو - 2005




كلا الكلامين مهمين، فالمقالة ألمحت إلى بعض مانعيش!
وتعليق الأخ/ الأخت، يدعو إلى مزيد من الـتأمل في تعميماتنا،ففي التعليق بعد الأعتذار رغم تشوش الأفكار.. قضايا جوهرية!
فهل من مدكر؟
أسيل - الرياض

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...