المرأة الفلسطينية وركب الشهادة..

عالم الأسرة » رحالة
10 - ذو الحجة - 1423 هـ| 12 - فبراير - 2003


المرأة الفلسطينية وركب الشهادة..

ظاهرة الاستشهاديات الفلسطينيات إلى أين؟

       

 

غزة ـ سامية الزبيدي

في صباح السابع والعشرين من شهر كانون ثاني (يناير) 2002، خرجت الطالبة الجامعية الفلسطينية وفاء إدريس التي كانت تساعد في تقديم الإسعافات الأولية للشبان الذين يسقطون في المواجهات مع قوات الاحتلال الإسرائيلي، من منزلها بعدما أخبرت ذويها بأنها ستتأخر في العمل في ذلك اليوم.

انطلقت وفاء إلى مدينة القدس.. إلى شارع يافا، لتفجر أول قنبلة بشرية نسائية في عمق الكيان الإسرائيلي المحتل، مخترقة كل الإجراءات الإسرائيلية الأمنية المكثفة، وتوقع قتيلاً وأكثر من 140 مصاباً.

وفاء كانت من سحب الصمام أولاً، لتتتابع من بعدها سلسلة من الاستشهاديات، آيات الأخرس، دارين أبوعيشة، عندليب، نورا شلهوب، والقائمة لا زالت مفتوحة للعديد من الفتيات اللواتي ما زلن ينتظرن الدور.

حول هذه البطولات الفلسطينية والإقبال المتزايد للمرأة الفلسطينية على التضحية بنفسها في سبيل دينها وطنها تقول (خنساء فلسطين) أم نضال فرحات التي دفعت ابنها محمد للاستشهاد بكل فخر وعزة، أنها قدمت فلذة كبدها محمد في سبيل الدين والوطن، عندما "شجعته على تنفيذ هجوم على مستوطنة "عتصمونا" الصهيونية (الواقعة شمال مدينة رفح وإحدى مستوطنات تجمع غوش قطيف الاستيطاني جنوب القطاع) ليستشهد في عملية بطولية، قُتل فيها خمسة مستوطنين يهود وأصيب عشرون مستوطناً قبل نحو عام".

وتضيف أن "الجهاد فرض وضرورة من ضرورات ديننا الإسلامي وواجب وطني وشرف على جبين كل فلسطيني وفلسطينية"، واصفة ما قامت به الاستشهاديات الفلسطينيات بـ "البطولة التي لا تصدر إلا عن فلسطينية قدمت ومازلت تقدم كل يوم تضحيات لوطنها إما بنفسها أو ولدها أو زوجها أو بيتها".

وتؤكد أم نضال الأم لستة أبناء وأربع بنات أنها لن تبخل بالتضحية بأولادها وبناتها وبنفسها أيضاً إذا اقتضت الضرورة قائلة: "إني مستعدة للتضحية بكل ما أملك، فالعطاء لا يقتصر على واحد أو اثنين، فالذي يريد التضحية يضحي بكل شيء".

واستشهدت أم نضال بالصحابية الجليلة أم عمارة التي دافعت عن النبي صلي الله عليه وسلم دفاعاً مستميتاً في غزوة أحُد.

وإذا كانت هذه حال امرأة جربت معنى الفقد والحرمان بأقصى صوره وهو فقد الابن الغالي واعتقال أربعة من أبنائها المتكرر في سجون الاحتلال لا يزال آخرهم يقبع فيه منذ سبعة أعوام، فما هي أحوال وآراء نساء ورجال فلسطينيين لم يخوضوا هذه التجارب ولكنهم يخضعون للإذلال اليومي ويرزحون داخل معتقلات بيوتهم و أحيائهم ومدنهم التي منعت الحواجز الإسرائيلية الكثيرة تخطيها أو الخروج منها منذ بدأ انتفاضة الأقصى، حتى بات المواطن الرفحي (سكان مدينة رفح في جنوب قطاع غزة) يذوق كل ألوان الشقاء المادي والمعنوي للوصول إلى مدينة غزة، علماً بان مساحة القطاع بمجملها لا تتجاوز 360 كيلومتر مربع تقتطع منها المستوطنات اليهودية المنتشرة في أرجاء القطاع أكثر من 120 كيلومتر مربع، ناهيك عن أعمال القتل والهدم والتجريف والتدمير اليومية لكل مناحي الحياة المواطن الفلسطيني.

للتعرف على الشعور العام لدى الفتيات الفلسطينيات والأمهات والآباء وهم يرون الاستشهاديات الرائدات يتقدمن ويقدمن أرواحهن فداءً للدين وللوطن، والى أين وصل الحماس بين صفوف الفتيات للحاق بركب الاستشهاديات والاستشهاديين الأبطال؟ للبحث عن أجوبة لهذه الأسئلة أجرت "لها اون لاين" اللقاءات التالية:

سميرة (23عاما) تقول: "منذ بدء الانتفاضة والشهيد يسقط تلو الآخر بآلة حصد الأرواح الإسرائيلية، إضافة لأعمال القمع والقتل والتشريد الوحشية، فلذلك أنا أتمنى أن أفعل شيئاً غير البكاء والنواح أمام شاشات التلفزيون، وعندما رأيت وفاء إدريس تقدم على هذه العملية الجريئة أحسست أن بإمكان المرأة أن تعبر بطرق أخرى عن غضبها وحنقها".

وتضيف سميرة "منذ ذلك اليوم وأنا أحلم بان أقوم بعملية استشهادية توقع المئات من القتلى في صفوف الصهاينة المغتصبين، تملأ قلوبهم رعبا وتذيقهم طعم الألم والمعاناة التي نتجرعها يومياً".

وتعتقد سميرة أن العمليات الاستشهادية هي الوحيدة التي ستجعل العالم كله يلتفت إلى الواقع المأساوي الذي يعيشه الفلسطينيون، وأن القوة لا تقابل إلا بقوة مثلها "ونحن كفلسطينيين لا نملك أي سلاح سوى حياتنا للتضحية بها في سبيل تحرير الإنسان الفلسطيني ووطنه من الاستعباد والاغتصاب اليومي".

وتتساءل: "ألا يكفي إسرائيل اغتصابها أرضنا في 1948 وتهجيرنا منها؟ والآن يريدون أن يجردوا الفلسطيني حتى من حقه في العيش ناهيك عن حقه في بيته و أرضه!".

ومن ناحيتها، تؤكد وفاء (19عاما) أنه لا فرق بين المرأة والرجل قائلة: "أن ما يتعرض له الاستشهادي هو نفسه ما تتعرض له الاستشهادية، فهل الرجل أكثر وطنية من المرأة؟!".

وتضيف: "إن النساء المسلمات جاهدن منذ أيام الرسول صلى الله عليه وسلم وكان لهن دور دائم مثل خولة بنت الأزور التي انطلقت إلى ساحات المعركة لتنتقم لمقتل أخيها، أفلا يحق لنا نحن بأن ننتقم لأنفسنا ولآبائنا وأمهاتنا وإخواننا الذين يقتلون كل يوم؟!".

وتقول وفاء أنها سعدت كثيراً عندما سمعت عن العملية الاستشهادية التي جرت في يافا كعادتها عند سماعها عن أي عملية داخل الكيان الإسرائيلي، ولكنها تصف سعادتها لدى سماعها أن منفذة العملية هي امرأة بـ "غير المشهودة، ولم تعادلها حتى فرحتي بنجاحي في الثانوية العامة".

إلا أن وفاء تعترف أنها لا تملك هذه القوة والعزيمة التي امتلكتها وفاء إدريس ودارين وغيرهن فتقول: "يا ليتني كنت أملك هذه الجرأة، لما ترددت لحظة واحدة في فعل ذلك".

في الإطار نفسه تخالف "سماح" (26عاما) سميرة ووفاء الرأي فتقول: "العمليات البطولية التي نفذتها دارين ووفاء وعندليب وغيرهن شي جميل ونفتخر بهن، ولكن الآن في ظل هذه الظروف لا أعتقد انه من الصواب أن تقدم أي فتاة على ذلك، خصوصاً إذا لم يكن نجاح العملية مضموناً بنسبة لا تقل عن 99%"، وتستطرد قائلة أن "الفتاة قد تتعرض إلى مخاطر مسيئة لها أكثر من الشباب في حالة عدم استشهادها مثل الاعتقال".

وتضيف سماح أن ما يحدث الآن، خصوصاً بعد فوز شارون للمرة الثانية برئاسة الوزراء في إسرائيل يجعلني أرى العمليات الاستشهادية سواء قامت بها نساء أو رجال تضحية بلا ثمن فلا شيء يتغير، بل تزداد الأمور سوءاً بعد كل عملية استشهادية.

فيما تقول جيهان (27عاماً) أنها تشجع قيام الفتيات الفلسطينيات بالعمليات الاستشهادية، مُدينة الأصوات التي تنكر على المرأة الفلسطينية حقها في الرد على ما تتعرض له من ظلم وعدوان.

إلا أن إياد (25عاماً) كان له رأيٌ مخالفٌ لرأي الجميع، حيث رفض قيام المرأة بعمليات استشهادية، لكنه شجعها للخوض في غمار العمل العسكري المسلح، إضافة إلى العديد من الميادين التي تستطيع المرأة النضال من خلالها، موضحاً أنه يجد من الصعب أن تفجر المرأة جسدها بين أناس لا يحترمون لا الأحياء ولا الأموات.

ويضيف أن: "لجسد المرأة حرمته وخصوصيته التي لا اعتقد أنها تساعدها على خوض هذا الميدان، أما العمل العسكري فإنها حتى لو استشهدت فإنها ستحافظ على جسدها من أن يكون عرضة للتناثر أمام أعين الآخرين".

 

الأمر الذي تنفيه جملةً وتفصيلاً دلال (33عاما) فتقول: "أن المرأة بإمكانها أن تنجح في القيام بعمليات أكثر من الرجل لسهولة حملها للمواد المتفجرة، إضافة إلى سهولة اجتيازها الحواجز الأمنية الإسرائيلية قياساً بالرجل".

وفيما ترد على الناحية التي تتعلق بانكشاف جسد المرأة فتتساءل دلال مستغربة: "وهل في جسد متفجر ومتفحم أي فتنة؟!" مشيرة أن "لجسد الإنسان عموماً حرمة وعندما تنتهك حرمته فلا فرق في ذلك الوقت بين رجل وامرأة".

وبالنظر إلى أراء الأمهات والآباء نجد ليلى (30عاما) الأم لأربعة أطفال أكبرهم في العاشرة من عمره، تقول: "من الصعب جداً التضحية بالأبناء، ولكن إذا اختاروا هم ذلك فلا اعتقد أن بمقدوري منعهم، ورغم صعوبة تخيلي أنني سأفقد أي من أبنائي، فإنني بالتأكيد سأكون فخورة بمن سيقرر منهم التضحية بنفسه لأجل الوطن سواء كان ابني أو ابنتي".

وتساءلت: ما الذي يمنع المرأة من أن تدافع عن بلدها مثل الرجل تماماً، هل الوطن حكراً على الرجال؟!، معتبرة ما قامت به الاستشهاديات الفلسطينيات "يرفع الراس" على حد تعبيرها.

وتتفق معها أم باسل (36عاما) الأم لأربعة أولاد وأربعة بنات قائلة: "إن البنت ليست أغلى من الولد، والذي يضحي بابنه يضحي بابنته" مؤكدة أن لا فرق بينهما من وجهة نظرها.

وتشير إلى أن "الفتاة قد يكون بإمكانها الدخول إلى دولة الاحتلال بطريقة أسهل من الرجل ولا تكون محل شك".

وتُرجع أم باسل سبب تشجيعها العمليات الاستشهادية إلى الممارسات الإسرائيلية فتقول: "هم الذي يحبطوننا، وما نراه يومياً من مشاهد يجعل الدم يغلي في عروقنا"، وتتساءل في غضب وألم "هل يعتقدون أننا عايشين؟ نحن مدفونين أحياء، يكفي خوف أولادي كل ليلة من صوت الطائرات والصواريخ وإطلاق النار ليجعلني أتمنى قتل اليهود جميعاً".

وتذكر أم باسل غاضبة مجزرة حي الزيتون التي وقعت الشهر الفائت وراح ضحيتها 13 شهيداً و65 مصاباً فتقول: "إنها لو استطاعت أن تفعل شيئاً لتنتقم لدماء هؤلاء الأبرياء لما ترددت لحظة واحدة".

لكن منطق أم وفاء (45عاماً) يختلف مع منطق أم باسل وابنتها وفاء قائلة: "لدي ست بنات وولد واحد وأحبهم كثيراً مثل أي أم أخرى وأخاف عليهم من الطير الطاير فكيف سأشجعهم على إنهاء حياتهم؟"، وتزيد "أعرف أن حياتنا صعبة، لكني ضد أن نزيدها صعوبة بأن ندفع أنفسنا إلى مزيد من المعاناة بفقد أولادنا وهم أغلى ما نملك".

وتوافقها الرأي أم جمال (57عاما) التي ترفض العمليات الاستشهادية جملة وتفصيلاً، وتتساءل: "أين العرب، وأمتنا الكبيرة؟ لماذا لا تساعدنا لنقف سوياً ونحارب، أم أنه كتب علينا أن نظل نعاني لوحدنا؟ ولأجل ماذا نقتل أنفسنا وبناتنا وأولادنا!".

 

فيما يرد عليها زوجها أبو جمال (65عاما) موجهاً حديثه إليها: "وهل لدينا حل آخر؟ منذ 55عاماً ونحن نعيش في عذاب مستمر فهل نبقي تحت هذا الظلم إلى أن يتحرك الآخرون؟!" مؤكداً على أن "كل فلسطيني رجل كان أو امرأة يجب أن يشجعوا العمليات الاستشهادية ويقوموا بها إن استطاعوا".

ويخاطب أبو جمال الاستشهاديين قائلاً: "الله يكافأ واحد ضحى بنفسه لأجل فلسطين، ويجعل مسكنه الجنة بإذن الله"، واصفاً إياهم بـ "الباحثين عن الشرف والاستشهاد".

ويؤكد أبو جمال أنه "لا يعارض إطلاقاً أن تقوم إحدى بناته بتفجير نفسها إذا استطاعت ذلك، متمنياً لو أن في استطاعته أن يقوم بنفسه بعملية من هذا النوع".

ويُذّكر أبو جمال زوجته بالانتفاضة الأولى التي اندلعت أواخر العام 1987، وخوضها بنفسها العديد من المخاطر لأجل الشباب الفدائيين وتعريض حياتها للخطر أكثر من مرة لتخليصهم من أيدي جنود الاحتلال، مستنكراً أن يتغير موقفها إلى هذا الحد.

الأمر الذي حدا بأم جمال إلى أن تؤكد أنها لا تتورع عن المخاطرة بحياتها وبحياة كل أبنائها لو كان ذلك سيجلب أي فائدة في ظل ميزان القوى المختل، فتقول: "إذا مات واحد منهم (الإسرائيليين) فإنهم يقتلون المئات منا".

وتشير أم جمال بيدها وكأنها ترى ما تتحدث عنه "المنازل هدموها والأراضي جرفوها، ومئات الفلسطينيين استشهدوا وآلاف منهم أصبحوا معاقين، فما الذي بقي لنا لنضحي به؟ هل نحن بحاجة لمزيد من المعاناة؟!".

وبين مؤيد ومعارض لهذه الظاهرة، يجدر التذكير بأن المرأة الفلسطينية شأنها شأن كل نساء العالم، هي بنت وطنها، التي لن تبخل بتقديم الغالي والنفيس لأجله، كما لم تبخل في أي مرحلة من تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

وان كانت ظاهرة الاستشهاديات هي وليدة الانتفاضة الحالية فإن الفلسطينيات شاركن في العديد من الميادين من أشهرها الكفاح المسلح.

فهل المرأة الفلسطينية اليوم ستكون أقل تضحية وحباً لوطنها من سابقاتها؟ لا شك أن وفاء وغيرها من الاستشهاديات الفلسطينيات قد حفرن بدمائهن الإجابة.

 



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...