المرأة المسلمة والاعتكاف في رمضان

دعوة وتربية » سنن وفضائل
21 - رمضان - 1439 هـ| 05 - يونيو - 2018


1

الاعتكاف من السنن الثابتة عن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وقد صح (أن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ اعتكف في رمضان في العشر الأواخر منه) رواه البخاري ومسلم، والاعتكاف مشروع للنساء، كما هو مشروع للرجال، إلا أنه يشترط لصحة اعتكاف المرأة: أن تكون طاهرة من الحيض والنفاس على قول جمهور أهل العلم، عَنْ عَائِشَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ـ زَوْجِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ"متفق عليه.

 

وثبت في الحديث الآخر عَنْ عَائِشَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ـ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَكُنْتُ أَضْرِبُ لَهُ خِبَاءً فَيُصَلِّي الصُّبْحَ، ثُمَّ يَدْخُلُهُ، فَاسْتَأْذَنَتْ حَفْصَةُ عَائِشَةَ أَنْ تَضْرِبَ خِبَاءً، فَأَذِنَتْ لَهَا، فَضَرَبَتْ خِبَاءً فَلَمَّا رَأَتْهُ زَيْنَبُ ابْنَةُ جَحْشٍ ضَرَبَتْ خِبَاءً آخَرَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى الْأَخْبِيَةَ، فَقَالَ: مَا هَذَا فَأُخْبِرَ فَقَالَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَلْبِرَّ تُرَوْنَ بِهِنَّ فَتَرَكَ الِاعْتِكَافَ ذَلِكَ الشَّهْرَ ثُمَّ اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ" متفق عليه.

 

          قال ابن حجر ـ رحمه الله تعالى ـ في شرحه هذا الحديث معللاً ردَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- إياهن عن الاعتكاف: وكأنه صلى الله عليه وسلم خشي أن يكون الحامل لهن على ذلك المباهاة والتنافس الناشئ عن الغيرة، حرصاً على القرب منه خاصة، فيخرج الاعتكاف عن موضوعه، أو لما أذن لعائشة وحفصة أولاً كان ذلك خفيفاً بالنسبة إلى ما يفضي إليه الأمر، من توارد بقية النسوة على ذلك، فيضيق المسجد على المصلين، أو بالنسبة إلى أن اجتماع النسوة عنده يصيره كالجالس في بيته، وربما شغلنه عن التخلي لما قصد من العبادة فيفوت مقصود الاعتكاف.

 

      لا تعتكف المرأة إلا بإذن زوجها:

     قال ابن حجر في الفتح في شرح حديث عائشة السابق ذكره: قال ابن المنذر وغيره: في الحديث: إن المرأة لا تعتكف حتى تستأذن زوجها، وأنها إذا اعتكفت بغير إذنه كان له أن يخرجها.

فإن كان بإذنه هل له أن يرجع فيمنعها؟ خلاف على ثلاثة أقوال:

الأول: إذا أذن لها الزوج، ثم منعها أثم بذلك، وامتنعت. وهذا قول أهل الرأي.

الثاني: ليس له ذلك، وبهذا قال مالك، وهذا الحديث حجة عليهم.

الثالث: له أن يرجع فيمنعها.

 

    هل المسجد شرط لاعتكاف المرأة

    هناك سؤال يتكرر يتعلق باعتكاف المرأة، وهو: هل المسجد شرط للاعتكاف أم لا؟ وما الأفضل في حق المرأة؟  وهذه المسألة فيها أقوال:

     القول الأول: لا تعتكف إلا في مسجد غير مسجد بيتها، قال ابن حجر رحمه الله: المسجد شرط للاعتكاف؛ لأن النساء شرع لهن الاحتجاب في البيوت، فلو لم يكن المسجد شرطاً ما وقع ما ذُكر من الإذن والمنع، ولاكتفى لهن بالاعتكاف في مساجد بيوتهن.  وقد روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه سئل عن اعتكاف المرأة في مسجد بيتها، فقال: بدعة، وأبغض الأعمال إلى الله البدع، لا اعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الصلاة.

وروى عمرو بن دينار، عن جابر، أنه سئل عن امرأة جعلت عليها أن تعتكف في مسجد بيتها، قال: لا يصلح، لتعتكف في مسجد، كما قال الله: {وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}(187) سورة البقرة.

     وقد رجح ابن قدامة رحمه الله القول الأول، معللاً بأن أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- استأذنه في الاعتكاف في المسجد، فأذن لهن، ولو لم يكن موضعاً لاعتكافهن، لما أذن فيه، ولو كان الاعتكاف في غيره أفضل لدلهن عليه، ونبههن عليه، ولأن الاعتكاف قربة يشترط لها المسجد في حق الرجل، فيشترط في حق المرأة كالطواف.

قال النووي رحمه الله: إن الاعتكاف لا يصح إلا في المسجد؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأزواجه وأصحابه إنما اعتكفوا في المسجد مع المشقة في ملازمته، فلو جاز في البيت لفعلوه ولو مرة لا سيما النساء؛ لأن حاجتهن إليه في البيوت أكثر.

القول الثاني: لا تعتكف إلا في مسجد بيتها، ويجوز في غيره مع الكراهة، وقد أطلق الشافعي كراهته لهن في المسجد الذي تصلى فيه الجماعة، واحتج بحديث عائشة -رضي الله عنها- السابق، فإنه دالٌّ على كراهة الاعتكاف للمرأة إلا في مسجد بيتها؛ لأنها تتعرض لكثرة من يراها.

القول الثالث: شرط الحنفية لصحة اعتكاف المرأة أن تكون في مسجد بيتها؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- ترك الاعتكاف في المسجد، لما رأى أبنية أزواجه فيه، وقال: (آلبِرَّ تُرِدْنَ)، ولأن مسجد بيتها موضع فضيلة صلاتها، فكان موضع اعتكافها، كالمسجد في حق الرجل.

 

     حالات قد تقع فيها المعتكفة:

المعتكفة إذا توفي عنها زوجها فيها قولان:

الأول: أن المعتكفة إذا توفي زوجها لزمها الخروج لقضاء العدة، وبهذا قال الشافعي.

الثاني: تمضي في اعتكافها حتى تفرغ منه، ثم ترجع إلى بيت زوجها فتعتد فيه؛ لأن الاعتكاف المنذور واجب، والاعتداد في البيت واجب، فقد تعارض واجبان: فيقدم أسبقهما وبهذا قال ربيعة ومالك وابن المنذر.

 

     المستحاضة إذا أرادت الاعتكاف:

     أما الاستحاضة فلا تمنع الاعتكاف؛ لأنها لا تمنع الصلاة ولا الطواف، وقد قالت عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: «اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ مُسْتَحَاضَةٌ، فَكَانَتْ تَرَى الحُمْرَةَ، وَالصُّفْرَةَ، فَرُبَّمَا وَضَعْنَا الطَّسْتَ تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلِّي» رواه البخاري.

     إذا ثبت هذا فإنها تتحفظ وتتلجم؛ لئلا تلوث المسجد، فإن لم يمكن صيانته منها خرجت من المسجد؛ لأنه عذر وخروج لحفظ المسجد من نجاستها، فأشبه الخروج لقضاء حاجة الإنسان (المغني . لابن قدامة).

 

     إذا حاضت المعتكفة:

     إذا حاضت المعتكفة: فيجب خروجها من المسجد، وهذا لا خلاف فيه؛ لأن الحيض حدث يمنع اللبث في المسجد، فهو كالجنابة، وآكد منه، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: {لَا أحِل الْمسجد لحائض ولا جنُبٍ} (رواه أبو داود، وضعفه الألباني).

 

     آداب الخروج للاعتكاف

     وعلى المرأة أن تلتزم بشروط وآداب الخروج من البيت، فلا تخرج متعطرة ولا متزينة ولا متبرجة ولا متغنجة، فخروجها قد يحرم من أصله إذا كان مسبباً للفتنة، فحينئذ لا يجوز لها الخروج إطلاقًا، وحيث أمنت الفتنة جاز.

     أن يكون اعتكافها في مكان خاص بالنساء لا يطلع عليه الرجال، أما إذا حصل اختلاط فيحرم ذلك.

     وهنا أمر يجدر التنبيه عليه، وهو أن المرأة تراعي زوجها وأولادها والقيام بحقهم دون تفريط، فلا ينبغي أن تقصر في حق أي منهم، فحق الزوج عظيم، ومقامها في تربية أولادها عظيم أيضاً.  

     ولا بأس في حق المرأة الكبيرة التي قد وجد من يخفف عنها من أعباء البيت من بناتها، وكذا التي لم يعد لها من أعمال منزلها وشؤونه شيء، ككبيرات السن والقواعد من النساء, أو إن كان زوجها معتكفاً ولا حاجة إليها، فهؤلاء لهن أن يعتكفن، وعلى مريدة الاعتكاف أن تراعي بيتها وشؤونه أولاً، وترعى مصالحه ومستلزماته، ثم تعتكف إن شاءت.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

المراجع:

- يسألونك عن رمضان، حسام الدين بن موسى محمد بن عفانة، المكتبة العلمية ودار الطيب للطباعة والنشر - القدس/ أبوديس - الطبعة: الأولى (أبوديس / بيت المقدس / فلسطين)، 1429هـ - 2008م.

- اعتكاف المرأة في المسجد، موقع إمام المسجد، على الرابط: https://www.alimam.ws/ref/604 .

- حكم اعتكاف المرأة في البيت والمسجد، خالد بن سعود البليهد، موقع صيد الفوائد، على الرابط:  https://saaid.net/Doat/binbulihed/f/121.htm

 

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...