المراهقون المستقلّون: أهلاً بكم!

دعوة وتربية » نوافذ
06 - جمادى الآخرة - 1439 هـ| 22 - فبراير - 2018


1

عزيزي المربي: أهلاً بك

يتميز أبناؤنا المراهقون بلغة خاصة تجمعهم، وأذواق في الملابس، وقصاتٍ للشعر تتسم بالغرابة إلى حد الخروج عن المألوف أحياناً، وقد يشغلهم من الاهتمامات ما لا يشغلنا، ومما يزعجنا أنهم قد يرفضون أفكارنا ولا يتقبلون أوامرنا وتوجيهاتنا ونصائحنا، ويحاولون التملص من تلبية رغباتنا، ولا يحبون الخروج معنا! ونفسر ذلك ـ غالباً - بالتمرد والعصيان، وانقلاب أحوالهم إلى الأسوأ. فهل أنصفناهم؟

الحق أنهم مظلومون معنا، وهذا الحكم على تصرفاتهم غير دقيق، فكل ما ذكرناه لا يقصد به المراهق المخالفة لمجرد المخالفة، أو التمرد على الأهل، ولكن كل هذه التصرفات الجديدة على سلوكه ما هي إلا تعبير عن استقلال شخصيته، وخروجه النفسي من شرنقة الأسرة.

 

وقد تتعدد مظاهر التعبير عن الاستقلال الذاتي للمراهق، من أشهرها:

- كثرة مجادلته لوالديه وإخوته في أمور تافهة وصغيرة، وهو حين يجادل لا يشك أن رأيه صواب! ورأي من يخالفه خطأ 100%!.

- إذا قارنّا الفتيات بالأولاد، فإن الأولاد يميلون إلى التذمر أكثر من الفتيات، والتسرع في التفكير والانفلات من قبضة الأهل لتأكيد الذات، أما الفتاة فتميل غالباً إلى الانصياع لرغبات الأهل بدرجة أكبر نسبياً من الأولاد.

- لا يحب المراهق الخروج مع والديه أو إخوته مقارنةً بأصدقائه، الذي يبدو لصيقاً بهم في هذه المرحلة، وذلك حتى يراه الناس كبيرا مستقلا حراً، وليس طفلاً يسير مع والديه.

- تتمنى الفتاة أن يسمح لها والداها بزيارة صديقتها - المعروفة تماما للأهل- بمفردها دون مرافقة أمها، أو الخروج معها لشراء الملابس والحاجيات بمفردهما، لا لشيء إلا لتشعر فقط أنها أمست فتاة ناضجة، ويمكنها الاعتماد على نفسها.

- في بعض الأحيان يتجلى سعي المراهق إلى الاستقلال في إغلاق باب غرفته عليه دون أي سبب يدعو إلى ذلك، فهو فقط يريد أن يؤكد أن تلك المساحة من البيت له وحده، وأنه لا ينبغي لأي أحد اقتحامها إلا بإذنه، لكن الأهل يستنكرون ذلك أشد الاستنكار، وكثيراً ما يثير في نفوسهم الشك والريبة، لكنه يصر على القيام بذلك؛ من أجل توكيد الخصوصية والانعتاق من التبعية.

- تكون مشاكل الاستقلال أعقد وأكثر تعسراً، إذا كان المراهق وحيداً في أسرته، أو كان أصغر إخوته أو كان لا ينعم بصحة جيدة، كما تكون أكثر تعقيداً عند البنات منها عند البنين، هذا بالطبع إن لم يحسن الآباء التعامل مع تغيرات وتقلبات تلك المرحلة.

أعزائي: إنّ استقلال الأبناء عن الأسرة ظاهرة طبيعية، واحتياج بشري لا غنى عنه، وهو يغشى الإنسان تدريجيا منذ أن كان رضيعاً يزحف بعيداً عن أمه، معلناً رغبته في الاستقلال عنها، ثم يستمر منحنى الاستقلال في الصعود، مروراً بمراحل النمو المتتابعة، حتى يبلغ ذروته بالعمل والزواج والاستقلال ببيت جديد وأسرة جديدة.

فما هو واجبنا نحو أبناءنا البالغين (المراهقين) حتى يعبرون هذه المرحلة بسلام، وقد تبلورت شخصياتهم مستقلةً بشكل سليم، بعيداً عن أيٍ من صور الانحراف؟

 

لنتفهم أولاً طبيعة المرحلة وخصائصها:

 وذلك حتى لا ننزعج من تلك التصرفات الجديدة عليهم؛ فنوجّه لهم أصابع الاتهام بسوء الأدب والتمرد، وفي هذا السياق يقول د. جمال فرويز- استشاري علم النفس:(الشباب في مرحلة البلوغ (المراهقة) يميلون إلى الاستقلالية والإحساس بأنهم قادرون على اتخاذ القرارات بمفردهم، دون تدخل أحد، ويجب على الأهل تفهُّم تلك النقطة، وعدم اللجوء إلى تعنيف الأبناء في تلك المرحلة، بل يجب منحهم مساحة معقولة من الثقة التي تمكنهم من اتخاذ القرارات، وعدم إجبارهم على تنفيذ أشياء معيّنة، دون رغبتهم واتباع أسلوب الضغط النفسي).

 

أن نبين لهم المفهوم الصحيح للاستقلال:

 فالمراهق يشعر برغبة فطرية ملحة في أن يكون مستقلاً، لكنها قد تتمثل في مخيلته في مجرد الخروج بدون إذن، أو حرية السفر مع الأصدقاء، أو الحق في ارتداء غريب الملابس أو قصات الشعر! وهنا يأتي الدور الواعي للوالدين بتوضيح المعنى الأصيل للاستقلال. فالاستقلال الذاتي يعني أن يتولى المرء شؤون نفسه من دون أن يتكل على أحد، وأن يكون قادراً على تلبية احتياجاته بنفسه، وأن يحسن التخطيط لوقته، ويعرف كيف يكسب المال الحلال في عطلة الصيف، وكيف يحسن التصرف فيه، وليس من معانيه أبداً تخطي حدود النظام الأسري، أو محاولة القفز فوق الخطوط الحمراء، فيما يتعلق بالخلق أو الدين.

 

أن ندربهم على الاستقلال منذ الطفولة:

إن هذا الفطام النفسي الذي يمر به المراهق: يكون سلساً وطبيعيا، كلما هيأناه له منذ أن كان طفلاً، حتى نصبر نحن على مرارته، ويتمتع الأبناء بحلاوته بعيدا عن المشاحنات والأجواء الملتهبة، وذلك بتربيتهم على المناقشات المفتوحة معهم، وتدريبهم على اتخاذ قرارات مشتركة واحترامها، مما يربي في أنفسهم الشعور بالجدارة، وبأن آراءهم مهمة ومقدَّرة، فإذا شبّوا سمحنا لهم بالمزيد من الاستقلالية بطريقة متدرجة، تتلاءم مع أعمارهم، بدءاً من شرائهم ملابسهم وأحذيتهم وأغراضهم الدراسية، إلى إطلاق الحرية لهم في التنزه أو الرحلات وهم كبار.

 

أن يكون لنا اهتمامات أخرى:

تكون هذه المرحلة أكثر يسراً بالنسبة لنا، إذا كانت لنا أعمال نافعة واهتمامات أخرى مفيدة، تشغلنا وتسد الفراغ الذي يحل بنا، عندما يصعد الأبناء سُلم الاستقلال حتى يصلوا إلى نهايته بزواجهم وانفصالهم عن الأسرة. 

والآن عزيزي المربي: إذا تبين لنا أن الابن المراهق يمر بتحول جوهري، من كوْنه طيّعا ينتمى انتماء كاملا للأسرة، وليست له معرفة مؤكدة لشخصيته وذاته، إلى شخص يبحث عن التفاوض بينه وبين العائلة؛ ليحصل على استقلاليته الذاتية. أصبح علينا كآباء وأمهات ومربين أن نعزز هذا الاستقلال.

 

كيف يعزز الوالدان استقلال المراهق بشكل سليم؟

بإمكانك عزيزي المربي: توجيه هذه النزعة الفطرية نحو الاستقلال لدى المراهق، واستغلالها في تنمية شخصيته، من خلال تكليفه ببعض المهام التي تخصه، مثل:

- الاستقلال المادي، وذلك بتدريبه على إدارة ميزانية مصروفه الشخصي، وضبط الموازنة بين الدخل والمصاريف، وترتيب الأولويات في الإنفاق، وتدريب الابن على التصرف المالي السليم يبدأ في السابعة، فإذا وصل إلى سن البلوغ أو المراهقة: أصبح قادراً على عدم إنفاق كل ما معه في يوم واحد، ويعرف كيف يكبح رغباته؟ وكيف يوزع مشترياته وفق الأولويات التي وضعها لنفسه، بادئاً بما هو في حاجة ماسة إليه.

- الاستقلال المدرسي، وهذا النوع من الاستقلال لا يكتسبه الابن إلا إذا قام الأهل بتدريبه مبكرا على تنظيم وقته، والمسارعة إلى أداء واجباته، وتعويده على أن يكون لديه جدول معلق فوق مكتبه، يتضمن المهام اليويمية الواجب عليه انجازها، ومتابعته حتى ينتهي منها، فإذا شب وأصبح بالغا (مراهقاً) كانت تلك العادات جزءاً من كيانه؛ فيصبح قادراً على إدارة وتنظيم العمل الدراسي الواجب عليه أداؤه، فيضع خطة أو برنامج عمل، ويلتزم بأدائه في وقته، في حين أن أقرانه ينسون دائماً ويستهترون بأداء واجباتهم، أو الاستعداد للاختبارات الدورية.

- حث المراهق على تحمل حيز من المسؤولية الأسرية، كشرائه بعض حاجات المنزل، واهتمامه بشقيق أصغر منه سنا، أو تنظيم مخطط لرحلة أسرية في الصيف، مع ملاحظة المتابعة اللطيفة له، والتوجيه إلى الخطوط العريضة للعمل الذي كلفناه به، ثم تقبل أخطائه مع التصويب، واستحسان أدائه فيما أصاب فيه.

 

وأخيرا عزيزي المربي:

أجمل ما في مرحلة المراهقة: أنها مرحلة اعتزاز بالذات وبناء الاستقلالية، فلنسعد بأبنائنا ترمقهم أعيننا وهم يكبرون، متوجهين نحو الرشد، فلنمنحهم الثقة، ونطالبهم باحترام الضوابط الدينية والأخلاقية، ونكون عادلين معهم فيما نمنع أو نحظر.

وعندئذ: أهلا ومرحبا باستقلالهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

- "المراهق" كيف نفهمه؟ وكيف نوجهه؟: د.عبد الكريم بكار.

- إبداع وإمتاع في فهم المراهقين: أ.د.أسامة أبو سلامة.

- الإبداع في تربية الأولاد: د.توفيق الواعي.

- عواصف المراهقة.. كيف تعبرها إلى شاطيء الأمان؟: عاطف أبو العيد.

- في بيتنا مراهق: آن شابيرو- نييل.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...