المسلم وحسن الاستعداد لشهر الصوم.. لها أون لاين - موقع المرأة العربية

المسلم وحسن الاستعداد لشهر الصوم..

كتاب لها
23 - شعبان - 1440 هـ| 29 - ابريل - 2019


1

أزفت أيام شعبان على الانتهاء، وسيظلنا شهر رمضان المبارك عما قريب. وليس ثمة ريب بأن الاستعداد لشهر الصوم قبل قدومه، عمل طيب مشكور، وفي الحقيقة فإن شهر شعبان هو تمهيد لهذه الفريضة التي افترضها الله على الأمم السابقة، ثم فرضها علينا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)البقرة 183. ولم يكن شهر يصوم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من شعبان، فيكثر فيه من الصوم، وقد يتخفف قليلا؛ وهناك نقطة مهمة جدا وهي أن من لا يستطيع أن يمهد لرمضان بصيام؛ فإن الله فتح له أبوابا للخير كثيرة.

 ويسر بعض الخلق لهذا الباب دون الآخر؛ فلقد كتب عبد الله بن عبد العزيز العمري العابد إلى الإمام مالك يحضه إلى الانفراد والعمل، ويرغب به عن الاجتماع إليه في العلم، فكتب إليه الإمام مالك: (إن الله عز وجل قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فرب رجل فُتِحَ له في الصلاة، ولم يُفْتَحْ له في الصيام، وآخر فتح له في الصدقة، ولم يفتح له في الصلاة، وآخر فتح في الجهاد، ولم يفتح له في الصلاة. ونشرُ العلم وتعليمه من أفضل أعمال البِر، وقد رضيت بما فتح الله لي فيه من ذلك، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير، ويجب على كل منا أن يرضى بما قُسِمَ له) انتهى كلامه.

وإن من أفضل ما يستعد له المسلم – في باب الصوم - في شعبان أن يصوم صوم داود عليه السلام؛ فكان يصوم يوما، ويفطر يوما؛ كما يستحب أن يستعد لرمضان في شهر شعبان، شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه الإكثار من الدعاء، فهو شهر ترفع الأعمال فيه إلى الله تعالى، فكان يحب أن يرفع عمله وهو صائم، فهذا الشهر فرصة طيبة لكل مسلم يريد دخول الجنة ورضا الله تعلى أن يصلح ما بينه وبين خالقه، وبينه وبين خصومه من قريب أو بعيد، سواء من أهله أم صديقه أم أي شخص آخر، وكذلك عليه أن يجدد التوبة ويدع المعاصي، ويتوب من الذنوب ولا سيما الغيبة والنميمة وسماع ما حرم الله سماعه، وسائر المعاصي، وتكون التوبة توبة نصوحا؛ فإذا جاء شهر الصوم تهيأت نفسه للعبادة ، وتفرغت من شواغل الدنيا لتتجه إلى الله تعالى بكل جوارحها منقية قلبها من الحقد والغش.

ومن الأمور التي ينبغي أن يستحضرها المسلم – قبل دخول الصوم – النية، والاستكثار من قراءة القرآن ومراجعة ما حفظه وقد نسيه. ثم التصميم على أداء التراويح – ولا بأس لمن يستطيع أن يدرب نفسه على التهجد، كما يخصص جزءا من ماله لينفقه في سبيل الله تعالى، ويكون جوادا كريما أجود من الريح المرسلة، اقتداء بأبي القاسم صلى الله عليه وسلم، كما يدرب نفسه على أن يصحب لكل عمل النية، التي تنقذه من الرياء، فيتخلص من الشرك الأصغر ليقبل عمله.

 كما يمكنه أن يدرب نفسه بقراءة ما تيسر من القرآن، ثم يزيد ذلك في رمضان، وعليه أن يتحين الأوقات التي يستحب الدعاء فيها؛ فالدعاء هو العبادة (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)سورة غافر60.

  ويتهيأ المسلم بقراءة كتاب فقهي يتعلم منه أحكام الصيام، وما يستلزم لهذه العبادة من معرفة؛ فعبادة الله عن علم خير من عبادته عن جهل، ففي الحالة الأولى يقبل عمله، فهو عمل خالص صائب، وأما الجهل، فهو محبط للعمل، ولا سيما إذا ملك المسلم أدوات العلم وتوافرت أسبابه وتهيأ له من يعلمه.

 ولا ينس المسلم أن يهيئ أهله وأولاده لهذه الفريضة بالتوجيه، والتعليم والشرح، والتفسير، وبيان عظمة رمضان، وأنه شهر الخير والقرآن والبركات وفيه ليلة القدر. ولا بد من أن يعظموا أمر الصلاة، فلا يتهاونون بها، وقد يقرأ عليهم بعض الأحاديث الخاصة بالصيام والصلاة وفضائل الدعاء والاستغفار وبيان حقوق الوالدين والجار، وفضيلة الصحبة الطيبة، كما يبين له فضيلة زيارة الأرحام والأقرباء والجيران، ولا بأس بأن يزور المقابر للعظة، وزيارة بعض المرضى لترق القلوب.

 فشهر شعبان مدرسة يتدرب فيها المسلم على مدرسة الصوم حتى لا يفاجأ بما فيها، وحبذا لو يحفظ أهل البيت الأدعية المأثورة.

وهكذا يستعد المسلم لدخول رمضان المبارك من جميع النواحي الإيمانية والنفسية، والعلمية والتربوية، والسلوكية، وفي رمضان وفي مدرسة الصوم مجالات أخرى للتزود من هذه الدنيا الفانية للحياة الباقية؛  وفيه نفحات رحمانية لا توجد في غيره كصلاة التراويح والسحور ولحظات الإفطار وقراءة القرآن فجرا، ثم اجتماع المسلمين في المسجد، واجتماع الأسرة على مائدة الإفطار إلى غير ذلك. وفقنا الله لبلوغ شهر الصوم والحمد لله رب العالمين. 

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


مالك فيصل الدندشي

إجازة في الآداب – قسم اللغة العربية / جامعة دمشق
دبلوم عال في الشريعة الإسلامية / معهد الدراسات الإسلامية في القاهرة

مالك فيصل الدندشي من سوريا - محافظة حمص والمولود في العام/ 1949م.
تلقيت تعليمي الابتدائي والمتوسط والثانوي في بلدتي ( تلكلخ ) ثم التحقت بالجامعة في مدينة دمشق, وحصلت على الإجازة ( بكالوريوس ) في الآداب – قسم اللغة العربية وتخرجت في العام 1974م.
عملت في التعليم العام في سوريا ثم في المعاهد العلمية التابعة إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية مدة إحدى وعشرين سنة وخلال هذه المدة سافرت إلى القاهرة وحصلت على دبلوم عال في الشريعة الإسلامية.
أعمل الآن مدرساً منذ تسع سنوات في مدارس الفرسان الأهلية وخلال إقامتي في الرياض حصلت على عشرات الدورات والورش والمشاغل في مواضيع مختلفة في التربية والتعليم.
كتبت العديد من المؤلفات والأبحاث والمقالات في موضوعات شتى.


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...