المشكلات الأسرية بين الواقع والمأمول

عالم الأسرة » شؤون عائلية
12 - رجب - 1437 هـ| 20 - ابريل - 2016


1

المشكلات الأسرية في مجتمعاتنا كثيرة، أصبحت تقض مضاجع المصلحين والمربين، وذوي العقول الراجحة من رجال ونساء؛ مما يستدعي توعية سريعة لأفراد المجتمع، قبل أن نفقد السيطرة على زمام الأمور، فتحل بنا الأمراض الاجتماعية التي يصعب علاجها.

     ولا ريب أن تجار الغرائز والدوافع والرغبات التي لم تنضبط بضوابط الشرع - لهم دور كبير في هذا الانحراف الذي غزا سلوكيات شريحة هائلة من مجتمعاتنا.

    فالمرأة والرجل  بتأثير لصوص السعادة: الإعلام الفاسد، والخلوة المريبة، وقرناء السوء، سكنوا الأسواق والمقاهي، ودور اللهو، ولا سيما محلات الألبسة، والأشربة، والألعاب، والمشاغل، والمقاهي وغيرها من الملهيات، التي نشأت في بلادنا من خلال تقارب الزمان والمكان الذي نجم عن التقدم الهائل في تطور وسائل التواصل سواء كانت إلكترونية، أم تقليدية أو تقنية حديثة، جعلت العالم كله قرية واحدة، وأصبح التقليد غير المنضبط لأهل الكتاب والأعاجم سلوكا عاديا هدد الأسرة بفقدانها كثيرا من القيم التي كانت من قبل تحافظ عليها، فتربح من خلال ممارستها الألفة، والمسامرة، والإمتاع،  والمؤانسة، فعلى سبيل المثال (والأمثلة كثيرة) تدخل البيت فتجد الأبوين يعبثان بالجوال غير عابئين بما يجري في البيت، وكذلك الأولاد، أو ينظران في الرائي (التلفاز) غير مكترثين بمن حولهم، وتجاوز هذا الحال حدود المنزل إلى أمكنة التزاور مهما كان نوعها والغرض منها.      

     ومن خلال هذا السلوك المقلد واللاهث وراء المتغيرات البراقة، تبدأ مرحلة الصراع في المنزل بين الأب ومن حوله، وربما تنتهي إلى المشاجرات، وقد تتفاقم، فتهدد حياة الأسر؛ ثم إذا جُلْتَ في الأسواق، فتجد العجب العجاب؛ كأنك في مهرجانات مختلفة الأشكال، والأنواع والطعوم، والألوان، والألعاب، والمعروضات تُدَوِّخُ العقول والمشاعر حتى يكاد المرء ينسى نفسه فضلا عن أسرته!.

     وفي الأسواق ما يثير مشاعر المتسوقين مما فيها ابتداء من أسماء المحلات والتي إن قرأتها كأنك تعيش في باريس، أو لندن، أو واشنطن؛ فلا عروبة في أسمائها، ولا في أزيائها، وهذا يُحَلِّب الأفواه إلى مزيد من الشراء؛ بقصد التباهي، وحب البذخ، ولسان حال الجميع: لقد اشتريت من محل كذا (طبعا بالكلام غير العربي). فالله يعين أرباب المنازل والقائمين عليها على هذه الأحوال.

     إن المرأة المربية التي تعي دورها في تربية أبنائها ورعاية زوجها، وتقوم على شؤون منزلها لا تنصرف إلى حياة الأسواق إلا بقدر الحاجة، ولا تلهث وراء كل جديد، إلا إذا دعت إليه الضرورة الشرعية، فلا تبذر ولا تسرف، ولا تقتني ما يخالف دينها. وكذلك الرجل فإن عليه أن يتصف بالحكمة والتعقل، وأن يزن الأمور بميزان الشرع وأن يتوخى – مع زوجه – مصلحة المنزل الذي يتربى فيه الأولاد، ويجدون الراحة ومتعة اللقاء والمؤانسة، والحنان والتوجيه الرشيد.   

     إن بيوت كثير من المسلمين قد تفككت الروابط بين أفرادها؛ فكل يتصرف على شاكلته؛ وفي نهاية الأمر يدخل على المنزل ما يسمى بمرض اغتراب الروح، فلا انسجام ولا تآلف، ولا تفاهم ولا تبادل أطراف الحديث في جلسة أسرية يخيم عليها الحب والسكينة.

     لقد صارت أسواقنا منتديات للناس على الرغم من أن الدين لا يرغب في السوق كثيرا لما فيها من مخالفات شرعية. فالضحكات العالية، والتجوال الذي لا يهدف إلا إلى قطع الأوقات بلا فائدة، ومنح النظر إجازة مفتوحة؛ فهو هائم في كل شيء سواء كان حلالا أم حراما؛ فالأجدر بك إذا قضيت حاجاتك من السوق، أن تنصرف عنه. 

     إن علينا أن نرمم حياتنا في بيوتنا، وأن نعيد إليها حياة الجو الأسري الذي يشعر كل فرد فيه بالأنس مع الآخر، وأن نجدد الحياة التي تأنس بالتلاحم؛ لا بالحياة الفردية الذاتية المنعزلة التي جاءت نتيجة ولع أفراد الأسرة بكل ما هو بعيد عن جو المنزل. 

          إن المسلم أو المسلمة يقتصد في الحياة؛ فلا يغلو في أي شيء، كما أنه لا يعدل عن طيبات الحياة التي أباحها الله؛ بل يتمتع في الدنيا بطيباتها بلا غلو، ولا بسط، ولا قبض، وإنما بالتوسط في سلوكه؛ فذلكم الخير كل الخير.

     إن أسواقنا معرض كبير، يرمز إلى تفشي مرض التقليد، والمفاخرة، وقطع الأوقات بغير فائدة، وتفشي ظاهرة التسكع، واستخدام التقنية استخداما سيئا، وفشو بعض العادات السيئة التي تخدش الحياء، والقيم مما ينعكس سلبا على أجواء المنازل التي يفيء إلهيا ساكنوها حينما تغلق أبواب الأسواق!

     إن ما نعانيه من تفسخ في العلاقات الاجتماعية (واللبنة الأولى هي البيت) لم تكن ظاهرة قبل خمسين سنة وصدق شوقي حينما قال:

     ليس اليتم من انتهى أبواه من هم الحياة وخلفاه ذليلا 

     إن اليتيم هو الذي تلقى له أما تخلت أو أبا مشغولا

      إن الحديث عن مشكلاتنا يطول، ولعلي في مقالات أخرى أتطرق إلى ألوان أخرى من السلوكيات السلبية التي نَحَّتْ عن بيوتنا حياةَ الدعةِ والانسجام. وتبادل أطراف الحديث سواء على منضدة الطعام (وهي تجمع الجميع في جو عائلي جميل) أم في سهرة عائلية، بعيدة عن صخب التقنية ومطالبها.    

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


مالك فيصل الدندشي

إجازة في الآداب – قسم اللغة العربية / جامعة دمشق
دبلوم عال في الشريعة الإسلامية / معهد الدراسات الإسلامية في القاهرة

مالك فيصل الدندشي من سوريا - محافظة حمص والمولود في العام/ 1949م.
تلقيت تعليمي الابتدائي والمتوسط والثانوي في بلدتي ( تلكلخ ) ثم التحقت بالجامعة في مدينة دمشق, وحصلت على الإجازة ( بكالوريوس ) في الآداب – قسم اللغة العربية وتخرجت في العام 1974م.
عملت في التعليم العام في سوريا ثم في المعاهد العلمية التابعة إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية مدة إحدى وعشرين سنة وخلال هذه المدة سافرت إلى القاهرة وحصلت على دبلوم عال في الشريعة الإسلامية.
أعمل الآن مدرساً منذ تسع سنوات في مدارس الفرسان الأهلية وخلال إقامتي في الرياض حصلت على عشرات الدورات والورش والمشاغل في مواضيع مختلفة في التربية والتعليم.
كتبت العديد من المؤلفات والأبحاث والمقالات في موضوعات شتى.


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...