المعيار الأخلاقي للجمال. لها أون لاين - موقع المرأة العربية

المعيار الأخلاقي للجمال.

كتاب لها
08 - ربيع الآخر - 1440 هـ| 17 - ديسمبر - 2018


1

لا شك أن الجمال يقابله القبح، وكما أن الجمال أمر نسبي فإن القبح كذلك أمر نسبي، وغالبا ما يتحدد موقف الإنسان من القبح والجمال إلى تقدير ذاته، فالذي يتمتع بقدر كبير من الجمال في نفسه يغلب عليه رؤية الجمال في كل ما حوله، والذي تراه أنت قبيحاً قد ينظر إليه غيرك من زاوية مختلفة فيجد فيه بعض الجمال، ولذلك فإن معايير الجمال تختلف باختلاف العين التي تنظر إليه.

     فإذا حاولنا أن نستكشف العلاقة بين القبح والجمال، فسوف نجد خلال هذه المحاولة الاستكشافية الخير الكامن في كل قبح، ولن يخلو قبح من جمال، كما أنه لا يخلو جمال من قبح، فقد نجد في جمال الزهرة شَرَكا قاتلا للفراشة، وقد نجد في ألم الموت وفراق الأحبة راحة من عناء الدنيا وتعبها ومعبرا إلي حياة أبدية خالدة.

نعم قد تؤذينا نكارة صوت الحمير، لكن بالقياس لها نعرف جمال الأصوات، وقد تخيفنا وحشة الظلام لكن لولاها لما عرفنا فرحة النور، وفي الوقت ذاته نحتاج أحيانا إلى الظلام؛ لننعم ببعض الراحة والسكون، فلولا التهور والجبن لما عرفنا قيمة الشجاعة، ولولا البخل والتبذير لما عرفنا قيمة الكرم، والشجاعة والكرم كلاهما وسط محمود بين طرفين مذمومين، وكما قرر العلماء: إن الله سبحانه لم يخلق شرا محضا إلا وجعل في ثناياه الخير.

ولعلنا الآن ندرك سر قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "ما عرف الإسلام من لم يذق الجاهلية"، وندرك أيضا أن الله سبحانه حين جعلنا أمة وسطا كما في قوله تعالى: "وكذلك جعلناكم أمة وسطا"سورة البقرة، جعلنا بذلك خير أمة، كما في قوله تعالى: "كنتم خير أمة أخرجت للناس"سورة آل عمران، وقد أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "خير الأمور أوسطها" ضعفه عدد من العلماء، منهم الألباني.

إن الكون حولنا مفطور على التوسط، ولو اختل توازنه لانفرط عقده، حتى أجهزة أجسامنا الصماء مفطورة على التوسط، ألا ترى أن الطعام الذي نأكله يتحول إلى قلوي أو حامض بنسب معينة في جسم الإنسان، فإذا غلب أحدهما على الآخر اعتلت صحته، مما يحتم علينا محاولة التوازن بين القلوي والحامض في مأكلنا ومشربنا وقد قال تعالى: "وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين"سورة الأعراف.

والمؤمن حاله التوسط في كل الأمور، فقد ذكر رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم أن التوسط من سنته كما في حديث الثلاثة الذين قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدا، وقال الآخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال الآخر : أنا أعتزل النساء ولا أتزوج أبدا. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لكني أصوم و أفطر، و أصلي و أرقد، و أتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" (الحديث متفق على صحته).

وهذا التوسط الذي يحيط بنا في كل شيء، يقودنا إلى التوازن في الأحكام والمعاملات، وهنا يكمن جمال الإنسان في وسطيته واعتداله، حتى في معاملته مع الغير فلا يفرط في المدح ولا ينكب في الثناء، وكذلك لا يفجر في الخصومة، ولا يتطرف في الإيذاء، ولكن يتذكر أن لكل إنسان حسنات وسيئات، فلم يخلقنا الله تعالى ملائكة مطهرين، كما لم يخلقنا شياطين ملعونين، وإنما خلقنا بشرا مصيبين ومخطئين، وكما قيل: إذا اختلفت مع غيرك، فتذكر معروفه السابق، وجميله السالف، فالحر من راعى وداد لحظة.

هنا يكمن الجمال الحقيقي للإنسان، حين يتسامح مع نفسه ومع الآخرين حوله، وحين تتزن نظرته للأمور وتقييمه للأشخاص دون إفراط ولا تفريط.

فأينما نرى التوسط والاعتدال نجد الجمال ملازماً لهما، وأينما يجابهنا الغلو و التطرف نجد القبح واجهة لهما.

لهذا أقول: إن المعيار الأخلاقي للجمال هو المعيار الحقيقي، وقد قال حبيبنا عليه الصلاة والسلام: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" (رواه ابن عبد البر، وصححه الألباني).

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...