المفتول.. أكلة شعبية تحميها الأيدي الفلسطينية من السرقة الإسرائيلية!

عالم الأسرة » رحالة
05 - رجب - 1426 هـ| 10 - أغسطس - 2005


من الطبيعي أن كل شيء متميز يلاقي منافسة قد تكون شريفة وأخرى قد تنطوي عليها أشياء أخرى تخلو من شرف المنافسة هدفها فقط طمس المعالم الحقيقة والاستيلاء على تراث الغير تماماً كالاستيلاء على أرضه.

 وهذا ما فعلته دولة إسرائيل التي شاركت في المهرجان السنوي للكسكس المنعقد بمدينة سان فيتو لوكار الإيطالية عام 2000 وفازت بالجائزة الأولى لأحسن مفتول، وهناك قالت مندوبة إسرائيل في كلمتها بعد تسلم الجائزة نفخر بحصولنا على أفضل مطبخ كسكس مع أننا دولة حديثة العهد لا يتجاوز عمرها 50 عاماً وهنا رد عليها كمال القيس من وزارة السياحة والآثار الفلسطينية بيت لحم قائلاً "دولة إسرائيل حديثة العهد لأنها بنيت على دمار شعبنا الفلسطيني بمساعدة الأوروبيين، ونحن ضحية الضحية ولم تكتف هذه الدولة بسرقة أرضنا، فسرقوا أيضاً أكلاتنا".

وهنا يبدأ يتحدث لنا القيسي عن أساليب قوات الاحتلال في منع الوفد الفلسطيني المشارك من السفر للمشاركة في المهرجان عبر مطار اللد مما يجعل الوفد يتكبد معاناة السفر عبر جسر الأردن ومن ثم الوصول إلى إيطاليا ليشارك ويرفع اسم فلسطين عالياً التي باتت هذه الأكلة أحد أهم مظاهر التراث الفلسطيني وبلاد الشام عامة؛ إلا أنها في الوقت الحاضر لم تعد مقتصرة على دول البحر الأبيض المتوسط، حيث نقلها عن العرب الأفارقة ودول أمريكا اللاتينية مثل البرازيل وساحل العاج والسنغال الذين شاركوا مؤخراً في المهرجان الذي انعقد العام الماضي2004م، ويضيف القيسي أن الوفد الفلسطيني عند وصوله إلى إيطاليا يقوم بعمل اتفاقية توأمة مع أحد المطاعم الإيطالية ليقوم بصنع المفتول هناك مشيراً إلى أنه لا يوجد شروط في المسابقة ويكون الاحتكام فيها إلى رأي لجنة التحكيم المكونة من 24 شخصاً معظمهم من الصحافيين والذواقة الذين يتذوقون كل صحن مما صنعه الوفود ويضعون علامة معينة لكل صحن، منوهاً إلى أن مشاركة فلسطين في المهرجان رفعت تصدير المفتول من 2طن إلى 90 طن سنوياً يتم تسويقها وتصديرها إلى دول أوروبا عبر منظمات تشجيع منتجات الدول النامية.

 مفتول بيتي

دفعت الحادثة السابقة مع القيسي الفلسطينيين إلى إدراك الخطر الذي وصل حتى إلى آكلاتهم الشعبية، وكانت أم رامز العروقي واحدة من هؤلاء النسوة اللواتي أدراكن الخطر وأنجدتهم الآكلة من الخطر أيضا، وذلك بعد أن أوجدت  مشروع بيتي خاص بإنتاج أشهر الآكلات الشعبية في فلسطين وهي المفتول.

ما إن اقتربنا من بيت أم رامز العروقي حتى تعرفنا عليه بسهولة من بين البيوت الملاصقة له، أرشدتنا إليه رائحة المفتول التي تطايرت لتعبق بها سماء المكان، هناك استقبلتنا أم رامز بابتسامتها العريضة، فقد علمت ما جئنا من أجله لكنها استأذنتنا في الانتظار لدقائق حين تنهي آخر وجبة لها في هذا اليوم لم نمانع لكننا أشرنا عليها أن تصطحبنا معها لنرى كيف تطهو المفتول، قائلة "هذا سر المهنة" وأشارت أن نلحق بها على سطح المنزل فنهاك مصنعها التي تقضي فيه معظم الوقت لصناعة كميات المفتول.

تقول أم رامز أنها لم تك تفكر بصناعة المفتول لولا الحاجة والفقر الذي آل إليه وضعهم بعد وقوع زوجها أسير المرض"، تغرورق عيناها بالدموع لعلها ذكرت تلك الحادثة التي غيرت مجرى حياتها وما تكاد الدمعة تنسدل على خديها حتى تمسحها متمتمة "الحمد لله وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم" وراحت تستكمل حديثها عن صناعة المفتول قائلة أنها ورثت صناعته وطهيه من أمها وجدتها فقد كانت تساعد الأم والجدة منذ الصغر فشبت بارعة في صناعته، مما أفادها في وقت كانت في أمس الحاجة للمساعدة.

وتشير أم رامز أنها بدأت صناعة المفتول للجيران وبعض المحال التجارية الصغيرة التي تشتريه منها لقاء أجر مادي زهيد، ثم ما لبثت أن علمت بدعم جمعية الإغاثة الزراعية للمشاريع الصغيرة فأشارت على القائمين على الجمعية أن يسوقوا لها منتجها وبالفعل وازداد الطلب علي مفتول أم رامز الذي لا يضاهيه مفتول في المنطقة ولا أبالغ إن قلت في غزة كلها، وتوضح أم رامز أ ن "سيط" مفتولها سمع حتى من الأجانب الذين يتوافدون على غزة لدراسة الوضع الفلسطيني والمساهمة في تقديم مشاريع من شأنها أن تحسن الوضع داخل الأسر الفلسطينية الفقيرة، والتي فقدت المعيل بفعل الاحتلال خلال الانتفاضة الأخيرة، وتتابع:"أتوا من أجل تذوق تلك الأكلة الشعبية التراثية التي تهتم بها بلاد الشام ولا سيما دول حوض البحر الأبيض المتوسط عامة"، الأجانب بهرهم مذاق المفتول الرائع الذي صنعته أم رامز ومن ثم فقد أصروا على تصديره إلي بلادهم؛ بعدما تأكدوا من جودته بعد إخضاعه إلى فحوصات دقيقة في مختبرات وزارة الصحة والتموين الفلسطينية، وكان على رأس تلك البلاد فرنسا وإيطاليا التي تنظم مهرجاناً سنوياً لصناعة الكسكس، يشترك فيه دول البحر المتوسط التي تبرع في صناعة تلك الأكلة التي يعود تاريخها إلى 1700سنة قبل الميلاد، وهنا رحت أسألها هل شاركت في المهرجان؟.. تلمع عيناها باسمة تجيبني بفخر شاركت في العام 2002 وحصلت على المركز الأول، ثم توارت تجلب لنا شهادات التقدير التي حازت عليها من مختلف الأقطار والمهرجانات التي شهدت لمفتولها بالتميز والمذاق الرائع...

طريقة العمل

اعتمدت أم رامز على صنع المفتول على طريقتين أو صنفين نظراً لاختلاف الأذواق في السوق المحلية تقول أنها تعمد إلى صنع صنف بالدقيق الأبيض مناصفة مع السميد، وصنع صنف آخر من الدقيق الأسمر مشيرة إلى أن الصنف الأول يلاقي إقبالاً أكبر من الجمهور، وراحت تشرح لنا طريقة العمل بالتفصيل قالت بالنسبة للصنف الأول الذي يستخدم فيه الدقيق الأبيض والسميد، نأتي بالكمية مناصفة ثم يخلطان بوعاء خاص كبير ويفتلان ويحركان بشكل دائري مستمر حتى تتشكل ذرات الدقيق مع السميد، ثم تأتي أم رامز بغربال خاص بالمفتول تنزل منه الحبات المشكلة التي تحافظ على تشكيلها بيديها الماهرتين، ثم تأتي مرحلة وضع حبات المفتول في حلة كبيرة تعرف بالمفتولية، والتي تتشكل من قطعتين رئيستين أولهما وعاء ذو مساحة توضع فيه المياه ويثبت بأعلاها القطعة الأخرى من المفتولية وهي تشبه المصفاة بثغورها، حيث توضع بها حبات المفتول المشكلة سابقا والتي تمتص بخار الماء وتطهي عليه.

 وهذا يحتاج لحوالي 30 دقيقة على حد قول أم رامز، ثم تنتهي من طهيه عندما تدق أم رامز على مفتولها فيخرج صوت طبل معين يشير إلى الاكتفاء من البخار، ثم تقوم أم رامز بعد ذلك بنقله لغربال آخر ثغوره أوسع من الأول، فتنزل حبات المفتول في شكلها النهائي، ولأن أم رامز تصنع للتصدير أو البيع بعد فترة زمنية معينة فهي تضطر لتجفيف حبات المفتول لمدة يوم أو يومين أما في الشتاء فتعتمد على مجفف خاص ثم تغلف المفتول في أكياس مخصصة له ويوزع بعد ذلك.

 أما طريقة صنع المفتول بالدقيق الأسمر فهي متشابهة مع الطريقة السابقة عدا كون أم رامز لا تضع السميد بتاتا على المفتول الأسمر وبالطبع في كلتا الحالتين، وعند الاستخدام يضطر المستهلك للاستعانة مرة أخري ببخار الماء للتخلص من جفاف حبات المفتول وتوضع بهارات المفتول حسب ذوق المستهلك، حيث تختلف من مستهلك لآخر، والشائع أنه " يطهى " على بخار اليخني ويتبل بزيت الزيتون والسمن، وقبل ذلك تدق الجرادة والفلفل والبصل وتوضع الدقة بين حبات المفتول أثناء " الطهي " ثم ينزل من المصفاة في وعاء واسع ويغرف عليه اليخني المكون من البصل والبندورة والقرع والحمص وقطع اللحم والدجاج.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- عبد العزيز اوفقير - المغرب

28 - رمضان - 1428 هـ| 10 - اكتوبر - 2007




السيدة المحترمة ام رامز
تحية اخوية منا اليك والى افراد عائلتك.
نعم سيدتي لقد راقتني طريقتك لتحضير الكسكسي المفتول وخصوصا اني ارغب في بدئ مشروعي بنفس طريقتك وتوزيع الكسكس في اكياس باوزان مختلفة من 1كلج الى 5كلجرامات.
لك مني اسمى المودة والاحترام.

عبد العزيز اوفقير من ازرو بالمغرب.

-الزرقاء- ام احمد - الأردن

26 - جماد أول - 1430 هـ| 21 - مايو - 2009




انا احدى الايدي الماهرة التي تعد المفتول على الطريقة الفلسطينية الأصيلة وبعض الاكلات الشعبية الاخرى مثل المسخن.
للاستفسار عن طريقة عمل الاكلات الشعبية او الشراء.
[email protected]

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...