المقاهي تقدم وجبات الإفطار مجاناً لعابري السبيل

عالم الأسرة » رحالة
28 - رمضان - 1425 هـ| 10 - نوفمبر - 2004


على مائدة إفطار سفير السودان:

مقاهي السودان تقدم وجبات الإفطار مجاناً لعابري السبيل

خديجة عليموسى

في اليوم الأول من شهر الكرم والجود، كانت الساعة تقترب من الخامسة والربع، وكنا بدورنا نقترب من زنقة القاضي "أحمد ملين" بمدينة الرباط، حيث يقيم سفير جمهورية السودان السيد أحمد مكي أحمد. في بيت واسع زينت جدرانه بلوحات فنية تجسد تراث بلد السودان كتب على إحداها: مرحبا بكم في السودان أرض المحبة والسلام والعزة وفي الجهة المقابلة أثار انتباهنا مرآة كبيرة كتبت عليها آية الكرسي بخط جميل، استقبلنا سفير دولة السودان، حيث كنا على موعد معه لسبر خبايا عادات وتقاليد شعبه في رمضان، كرم ضيافته المعهودة على العرب جعلته يدعونا لمشاركته مائدة إفطار أول يوم في رمضان لننقل صورة حية من مائدته.

على مائدة السفير

تحلقت أسرة السيد السفير الصغيرة حول مائدة إفطار بسيطة، تضم مأكولات متنوعة من عصائر وفطائر وحلويات وسمك وعصيدة الملاح وبسبوسة وغيرها، جلستنا حملت في طياتها دفء العائلة بعيدا عن الرسميات، عن يمين السفير جلست ابنته الكبرى ولاء(20 سنة) وعن شماله جلست ابنته زكية ذات الخمس سنوات وطلبت من أبيها بكل براءة طفولية أن يصب لها العصير بعدما غفلت والدتها عن ذلك، فاستجاب الأب لطلبها بحنان، وتعدى كرمه ليشمل كل  جلساء المائدة، فقام بتقطيع البسبوسة وتوزيعها، وقد تناولنا إلى جانب البسبوسة عصيدة الملاح التي تصنع  من دقيق الذرة، وتسقى بالصلصة المصنوعة من اللحم المجفف.

تقول السيدة يامنة منغني طاهر زوجة السفير: «تعتبر العصيدة وجبة أساسية في المائدة السودانية». كما تعرف المائدة السودانية إلى جانب عصيدة الملاح بعض المشروبات المشتهرة كمشروب الحلو المر الذي  يصنع من مواد عديدة من بينها دقيق الذرة والبهارات ويستغرق إعداده مدة ستة أيام أو أكثر». 

صيام بتوقيت مصر

كلما أقبل شهر الصيام ترتدي البلدان الإسلامية حللا جميلة، حيث التزاور والتلاحم، وتبدو مظاهر البهجة في نفوس كل المسلمين، إذ يستقبل المسلمون شهر رمضان في السودان بحفاوة كبيرة، يقول السيد سفير جمهورية السودان،الذي تدرج بالعمل الدبلوماسي منذ 79 19«نعتبر شهر رمضان شهرا مميزا نحتفل به كثيرا بالسودان»، وأضاف معبرا عن سعادته بوجوده بالمغرب، وهو الذي عمل بعدة دول أوروبية وإفريقية : «شهر رمضان في السودان لا يختلف كثيرا عن المغرب، غير أن ما يميز رمضان بالمغرب هو الاحتفال الشعبي والرسمي، في حين أن السودان  يفوق فيه الاحتفال الرسمي الاحتفال الشعبي» ، الاحتفال بشهر رمضان يفتقده سفير السودان بالولايات المتحدة الأمريكية، وهو الذي عبر عن ذلك في اتصال هاتفي بنظيره بالمغرب.

تأكيد رؤية الهلال في كل البلدان الإسلامية موكول إلى هيأة خاصة، ففي السودان نجد أن المجمع الفقهي الإسلامي، عوضا عن لجنة رؤية الهلال، هو الذي أسندت له مهمة تحديد مطلع شهر رمضان، اعتمادا على المصادر المحلية المباشرة أو الرؤية الإقليمية، وإذا لم تثبت الرؤية تتم متابعة الرؤية في الدول الإسلامية الأخرى، حسب ما أكد لنا السيد مكي، موضحا أن في إحدى السنوات  لم تثبت رؤية الهلال في السودان وتم الصيام بتوقيت بلد مصر.

التهجد بكل مسجد

عندما يقبل المطهر يجتهد المسلمون في كل بقاع العالم في التقرب إلى الله عز وجل بالطاعات وفعل الخيرات، حيث تكتسي العبادة في هذا الشهر أهمية قصوى كما هو الشأن في بلد السودان، فالكل يقبل على ربه بقلب راغب في العفو والمغفرة، يقول السيد مكي: «حرص مسلمو السودان على أداء الصلاة بالمساجد أثناء رمضان يجعلها مكتظة، إذ تمتلئ ساحات المساجد عن آخرها، فالكل يرغب في تحصيل الثواب والأجر من رب العزة في هذا الشهر الكريم»، إقبالهم على المساجد يوازيه إقبال على موائد القرآن الكريم، يضيف السيد السفير: «رمضان هو شهر القرآن، تكثر فيه حلقات القرآن في المساجد وعادة تبدأ بعد صلاة الفجر وبين صلاة العصر والمغرب، وتكون أوقات منه مخصصة للنساء والطلاب، هذه اللقاءات الجماعية يواكبها اجتهاد فردي حيث يسعى المسلم هناك إلى أن يضاعف من قراءة القرآن الكريم عما كان معتادا عليه من قبل، فشهر رمضان هو شهر لتحصيل وحفظ القرآن».

ما يميز جمهورية السودان في إحياء العشر الأواخر من رمضان صلاة التهجد التي أضحت تعم كل المساجد بعدما كانت مقتصرة على مساجد معينة وأفراد محددين يقول سفير الجمهورية: «في خمس سنوات الأخيرة عمت شعيرة التهجد كل المساجد، لدرجة أن كثيرا من الناس يؤدونها  في بيوتهم، كما  أن الصلوات  تقام بشكل جماعي في بعض الأحياء عند انعدام  المساجد».

ساعة للعبادة

دفعنا الفضول لمعرفة كيف يقضي المواطن السوداني يومه برمضان، فكان جواب السفير أن المواطن السوداني، سواء كان يمارس عملا حرا أم موظفا، يبدأ يومه بعد صلاة الفجر مباشرة،  فهو يجلس في إحدى حلقات الذكر بالمسجد، ويعود للبيت ليتوجه بعد ذلك للعمل، حيث يخصص الساعات الأولى من اليوم للعمل، إلى منتصف النهار ليتفرغ للعبادة بمسجد المؤسسة إذا كان موظفا خلال ساعة تخصصها الدولة لذلك، يقول أحمد مكي: «في رمضان وغير رمضان تخصص الدولة ساعة للعبادة، خاصة أن جمهورية السودان تعتمد نظام التوقيت المستمر ابتداء من السابعة والنصف صباحا في الأيام العادية ويبتدأ التوقيت الشتوي في رمضان على الساعة الثامنة والنصف، فلا يسأل الموظف عن ساعة العبادة، فعند أذان الظهر يهب الوزير والكاتب وغيرهم لأداء الصلاة بالمسجد» ويتهيأ المواطن السوداني للعودة للبيت لاقتناء بعض مستلزماته وبعدها يجلس إلى مائدة الإفطار، ثم يتوجه لحضور درس ديني بالمسجد فيؤدي صلاة التراويح التي تليها وجبة العشاء، وقد يسهر مع العائلة أو لمتابعة الإعلام السمعي البصري، أما السحور فيكون قبل حوالي ساعة من أذان الفجر ليتوجه المواطنون للصلاة وليبدؤوا يوما جديدا.

اجتماعات يومية للنساء

وعن نوعية الأنشطة الجمعوية التي يعرفها بلد السودان قال السيد أحمد: «تكثر الندوات والمحاضرات خلال أيام رمضان، خاصة في المجال الثقافي والديني، هذا الاهتمام يجعل كثيرا من مؤسسات الدولة تقيم ندوات دينية لموظفيها خلال ساعات العمل، إلى جانب ذلك تقام أنشطة ثقافية ودينية  بالأندية الثقافية وبالمساجد».

وللنساء السودانيات في رمضان حياتهن الخاصة كذلك، فالمرأة السودانية لا تهتم فقط بإعداد وجبات الأكل، تقول السيدة يامنة، بل تعقد «اجتماعات يومية لمدة ساعتين تحدد للذكر ومدارسة القرآن في الصباح ابتداء من العاشرة صباحا، سواء في البيوت أو بالمساجد، إذ يلقي العلماء دروسا في تفسير القرآن وغيرها من المواضيع الدينية».

مائدة مفتوحة بجانب الطريق السيار

كان الرسول صلى الله عليه وسلم أجود ما يكون في رمضان، كما روت أمنا عائشة رضي الله عنها، وإقتداء بالنهج النبوي القويم، يحمل المواطن السوداني  مائدة إفطاره إلى الشارع وتمتد موائد مجموعة من الأسر على امتداد الطريق، وتصبح الموائد مفتوحة على الطريق في وجه أي غريب أو عابر سبيل، فكل من أدركه وقت الإفطار خارج البيت يجلس لأي مائدة شاء، يتحدث السيد مكي موضحا هذه العادة: «تظهر هذه العادة بشكل جلي في جنبات الطرق السيارة، فبمجرد ما يحين وقت الإفطار تغلق حواجز الطرق، خاصة في مداخل القرى، ليجلس المسافرون إلى المائدة المفتوحة، لدرجة أن المقاهي الموجودة بجانب الطريق توزع هي الأخرى وجبة الإفطار مجانا إذا نزل بها مسافر مع وقت الإفطار تحديدا، ولو كانت حافلة بأكملها»، إلى جانب المائدة المفتوحة تخصص الدولة موائد إفطار للمحتاجين في أحياء معينة على مدى الثلاثين يوما، كما أن الجمعيات الخيرية تقوم بالدور نفسه.

المسحراتي من العادات التي تشترك فيها السودان مع باقي الدول العربية  يقول السيد أحمد مكي: «فهو أحد أبناء الحي يوقظهم لتناول وجبة السحور مؤديا بصوت رخيم تواشيح معينة مستعملا الطبل أو المزمار، وهذه العادة مأخوذة من المغرب إلى جانب عادات أخرى، وهذا من تأثير العلماء المغاربة على السودان».

شوق وحنين

يهز الحنين والشوق سفير السودان وزوجته للوطن ولجلسات الأهل والأحباب، فردا على سؤالنا عن أشياء افتقدها الزوجان في المغرب وتوجد بالسودان، يقول السيد مكي: العادات المفتقدة مرتبطة أساسا بالأسرة السودانية، فرمضان هو تجمع أسري يومي بالتناوب على البيوت،  سواء على مائدة الإفطار أو عند صلاة التراويح، وفي هذا الشهر تكون زيارة الأقارب بشكل كثيف، هذا ما ينقصنا بالمغرب، رغم أننا نتزاور بيننا بالمغرب ـ يقصد السودانيين ـ ، وتشاطره الرأي زوجته إذ تعتبر أن ما ينقصها بالمغرب في رمضان هو لقاء الأقارب.

ختمنا لقاءنا مع السيد السفير وزوجته وأبنائهما شاكرين لهما حسن الضيافة، لنترك لهم فرصة للجلوس مع ابنتهما الكبرى التي تهم بمغادرة المغرب لمتابعة دراستها بالسودان، وختم كلامه بالدعاء الآتي: "أسأل الله تعالى في هذا الشهر الكريم أن يجعله شهر بركة على  البلدان الإسلامية، وأن تعاد العزة والقوة للإسلام والمسلمين، وأن يدفع عن الإسلام والمسلمين كل الشرور التي تتربص بهم ويرد كيد الكائدين، وأن يحفظ هذه الأمة بما حفظ به الذكر الحكيم".



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *: لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...