النزعة الإنسانية في الحج وعلاقتها بعالمية الرسالة

كتاب لها
19 - ذو الحجة - 1437 هـ| 22 - سبتمبر - 2016


1

انتهت أيام الحج الأكبر, وتستحق منا هذه المناسبة (الفريضة) أن نتحدث عنها حديثا بعيدا عن التقليدية؛ لذلك فقد عزمت على أن أتكلم عن النزعة الإنسانية في الحج.

     والحج معنية به البشرية كلها، فعَنِ ابْن عَبَّاس, قَالَ: "لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيم مِنْ بِنَاء الْبَيْت قِيلَ لَهُ: {أَذِّنْ فِي النَّاس بِالْحَجِّ} الحج27. قَالَ: رَبّ وَمَا يَبْلُغ صَوْتِي؟ قَالَ: أَذِّنْ وَعَلَيَّ الْبَلَاغ! فَنَادَى إِبْرَاهِيم: أَيّهَا النَّاس كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْحَجّ إِلَى الْبَيْت الْعَتِيق فَحُجُّوا! قَالَ: فَسَمِعَهُ مَا بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض, أَفَلَا تَرَى النَّاس يَجِيئُونَ مِنْ أَقْصَى الْأَرْض يُلَبُّونَ؟"(1).

     في فريضة الحج والنصوص التي تعنى بشأنها سواء قرآنية (المشتملة على كلام الله تعالى) أم حديثية - أسرار قد تخفى عن بعض الناس؛ وإن مما لفت انتباهي في الآيات والأحاديث صراحتها في مخاطبة الناس كل الناس، وفي الأرض كل الأرض، دون النظر إلى أجناس البشر وأعراقهم، وألوانهم وأشكالهم؛ فالجميع خلق الله تعالى وهو ربهم، وهم المقصودون من دعوة الأنبياء؛ ليتجهوا إلى إلههم ومليكهم دون سواه؛ وبذا يخلصون له العبودية له وحده، فيؤمنون بالله ويوحدونه.

     إن أول إشارة إلى هذه النزعة الإنسانية في آيات الحج، نجدها في قوله تعالى: "إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ، فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً" ثم ذيل ربنا الآية بقوله: ((وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ)) آل عمران الآية 93. فالعالمية مقصودة في هذه العبادة.

     واقرأ معي قول الله تعالى مخاطبا إبراهيم عليه السلام في سورة الحج الآية 26 – 27، وستجد النزعة الإنسانية في نصوص الحج وما يتصل بها  بارزة وعالميتها بادية: ((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)) .

ثم التفت إلى سيدنا إبراهيم قائلا: ((وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ))الحج27.

     وتتجلى النزعة الإنسانية في خطبة حجة الوداع في السنة العاشرة من الهجرة النبوية الشريفة حينما نادى الجمع بقوله: ((أيها الناس....)) كما روى ابن إسحاق(2): وخطب الناس خطبته التي بين فيها ما بين؛ فحمد الله، وأثنى عليه ثم قال : (أيها الناس اسمعوا قولي: ......... أيها الناس إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا، وكحرمة شهركم هذا، وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم وقد بلغت ............. أما بعد أيها الناس، فإن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدا، ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك، فقد رضي به بما تحقرون من أعمالكم. فاحذروه على دينكم أيها الناس........... إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم ثلاثة متوالية ورجب مضر، الذي بين جمادى وشعبان.

أما بعد أيها الناس، فإن لكم على نسائكم حقا، ولهن عليكم حقا، لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، وعليهن أن لا يأتين بفاحشة مبينة؛ فإن فعلن، فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع، وتضربوهن ضربا غير مبرح؛ فإن انتهين، فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف. واستوصوا بالنساء خيرا، فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمات الله. فاعقلوا أيها الناس قولي، فإني قد بلغت، وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به، فلن تضلوا أبدا أمرا بينا:  كتاب الله وسنة نبيه.

 أيها الناس اسمعوا قولي، واعقلوه، إنما المؤمنون إخوة، ولا يحل لامرئ مسلم مال أخيه إلا عن طيب نفس منه. ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد!  فلا ترجعن بعدي كفارًا؛ يضرب بعضكم رقاب بعض، فإنى قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا بعده: كتاب الله. ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد!.

     وإن مما ورد في الخطبة  من تكرار كلمة الناس - وإن جميع الحاضرين كانوا مسلمين – ليدل على تذكير الجمع بأصلهم الإنساني، وتذكيرهم بالأخوة الإنسانية كما قال سبحانه في معرض حديثه عن قوم عاد : "وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ" الأحقاف 21 على الرغم من كونهم كفارا! وفي تقديري أن هذا إشارة إلى وجوب تبليغ الناس دين الله تعالى، وهي مسؤولية المسلمين؛ لينقذ الله البشر من النار على أيديهم، وهذا شرف لهم ((وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ))الزخرف الآية 44، وهذا ينسجم مع الغاية من إرسال محمد صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة ((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ )) الأنبياء -107

 ولعلي قد أصبت كبد الحقيقة بتوفيق الله تعالى لي، وإن أخطأت فمني ومن الشيطان والحمد لله على كل حال.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)رواه ابن أبي شيبة(6/32)، والطبري في تفسيره، والحاكم في المستدرك(2/421) وصححه، والبيهقي في الكبرى(5/176)، وقوى إسناده ابن حجر في الفتح( 3/4789).

(2) الخطبة ذكرتها كتب الصحاح والسنن والسيرة النبوية عن الصحابي الجليل جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وقد رواها بطولها الإمام أحمد في المسند، راجع نص خطبة الوداع كاملة في هذا الرابط: وقفات مع خطبة الوداع http://www.lahaonline.com/articles/view/15239.htm

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


مالك فيصل الدندشي

إجازة في الآداب – قسم اللغة العربية / جامعة دمشق
دبلوم عال في الشريعة الإسلامية / معهد الدراسات الإسلامية في القاهرة

مالك فيصل الدندشي من سوريا - محافظة حمص والمولود في العام/ 1949م.
تلقيت تعليمي الابتدائي والمتوسط والثانوي في بلدتي ( تلكلخ ) ثم التحقت بالجامعة في مدينة دمشق, وحصلت على الإجازة ( بكالوريوس ) في الآداب – قسم اللغة العربية وتخرجت في العام 1974م.
عملت في التعليم العام في سوريا ثم في المعاهد العلمية التابعة إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية مدة إحدى وعشرين سنة وخلال هذه المدة سافرت إلى القاهرة وحصلت على دبلوم عال في الشريعة الإسلامية.
أعمل الآن مدرساً منذ تسع سنوات في مدارس الفرسان الأهلية وخلال إقامتي في الرياض حصلت على عشرات الدورات والورش والمشاغل في مواضيع مختلفة في التربية والتعليم.
كتبت العديد من المؤلفات والأبحاث والمقالات في موضوعات شتى.


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...