النصائح الفاسدة

كتاب لها
01 - شعبان - 1437 هـ| 09 - مايو - 2016


1

هناك مياه عذبة زلال طاهرة، وهناك مياه راكدة آسنة، وما ينطبق على المياه التي خلق منها كل شيء حي، ينطبق على النصيحة، فهناك  نصائح مخلصة، بريئة، خيرة، وأخرى فاسدة، شريرة، مدمرة، عقيمة.

ولا يحسب البعض أن تلك النصائح لم يكن لها وجود في حياة الأنبياء، فأشهر النصائح الفاسدة التي أخبرنا بها الله عز وجلّ في محكم تنزيله، كانت من أخوة يوسف حين تآمروا على قتل أخيهم (اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ(9) قَالَ قَآئِلٌ مَّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ"سورة يوسف 10،9.

وعلى الرغم من أن إخوة يوسف كان هدفهم نبيلا، وهو محبة أبيهم إلا أن الطريقة كانت بإبعاد يوسف، وكانت العاقبة ما ألم بأبيهم، من وجد البعد والفراق عن ابنه (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) سورة يوسف84.

ولخطورة النصيحة على النشء، فإن الآباء لديهم هاجس من أصدقاء أبنائهم، لذا يحاولون بذل جهدهم في التعرف على أصدقاء أبنائهم، وتوعية أبنائهم، ومحاولة منعهم وإعطائهم أمصال ضد الوساوس التي يحاول أن يزرعها رفقاؤهم وأترابهم ، فالأطفال في مرحلة المراهقة، يمكن أن يرتكبوا الكثير من الحماقات بسبب نصائح الأصدقاء، فتلك الكلمات التي يلقيها الصديق في أذن صديقه، والتي لا نحبذ أن نقول عنها نصيحة، يمكن أن تغير مسار الشاب أو المراهق، وتنزلق به إلى المخدرات أو إلى القيام بمخاطرة تكلفه حياته أو مستقبله.

من هنا يأتي دور الأهل الذين لا يكلون ولا يملون من توجيه النصائح لأبنائهم، بعدم الاندفاع والتهور وإعمال عقولهم، والبعد عما يهدد حياتهم ومستقبلهم، وعدم الانجراف وراء ما يحاول بعض الأصدقاء الدفع باتجاهه.

هذا عمن يستمعون إلى نصائح ضارة، والأمر لا يختلف في العواقب عن ذلك الإنسان الذي يسد أذنه أمام سماع أي نصيحة، تهدف إلى تحقيق مصالحه، يتحول إلى إنسان أصم، ينظر إلى النصيحة على أنها نوع من الوصاية يعكس ضعف شخصيته. هؤلاء الصنف من البشر يغيب عن عقولهم أن الأنبياء الموحى إليهم كانوا يستمعون للنصح من حواريهم، كما في غزوة الخندق عندما حفر خندق حول المدينة لصد المشركين وكان هذا بناء على نصيحة من أحد الصحابة .

قال السلف في النصيحة الكثير، لكن من أبلغ تلك الأقوال ما قاله أبو علي الحسن بن علي الجوزجاني: (فمن أراد الله تعالى هلاكه، منع منه التواضع والنصيحة والقناعة)، فالهلاك رفيق من يترفع عن سماع النصيحة، واقتران التواضع والقناعة تعني أن من لا  تهوى نفسه سماع النصيحة لديه علة في قلبه. 

  بدون النصيحة لن تستقيم الحياة، فعمل الخير والصالحات، لا يمكن أن يقام سوى بالنصيحة، ولعل ذلك يتضح من حديث النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: "الدين النصيحة"(رواه مسلم) كما يتضح جليا من سورة العصر حيث يقول الله تعالى: "وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ "(3)سورة العصر.  وهل يمكن التواصي بالحق والصبر سوى بنصيحة من هم ذوي قربى لنا سواء كانوا من أهلنا أو جيراننا أو زملائنا في العمل. ولا يمكن تصور حياة بدون الاستماع لحكم وتجارب الغير، فالتراث الإنساني والحضاري لولا أنه يُعلي من قيمة النصيحة لما حقق ذلك الرقي الذي ننعم به، علينا نشر ثقافة النصح  وتربية أبنائنا على فرز النصائح الصالحة من الطالحة، والعمل بالمفيدة والابتعاد عن الضارة.    

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...