النفوس الكبيرة لها أون لاين - موقع المرأة العربية

النفوس الكبيرة

كتاب لها
11 - محرم - 1438 هـ| 13 - اكتوبر - 2016


1

حينما تَسْمُو النَّفْس البشرية فإنّها تَرتَقِى مَطالِع الجوزاء !وحِين تعلو هِمّتها يَزدادُ قَدْرُها، ويَرتفِعُ ثمنها !

أمّا حين تَهُون الـنَّفْس على صاحِبها، فإنّه يَهونُ هو في أعْين النّاسِ، فإنّ النّاس تَضَع الإنسان حيث يَضَع نَفْسَه.

قال ابنُ القيّمُ: فلو كانت النّفسُ شَريفةً كَبيرةً؛ لم تَرْضَ بالدُّونِ، فأصْلُ الخير كلّه بِتوفيق الله ومَشيئته، وشَرَف الـنَّفْس ونُبْلها وكبرها. وأصْلُ الشّر خستها ودناءتها وصغرها.

والـنُّفُوس الدنيئة تَحُومُ حَول الدَّنَاءات وتَقَع عليها، كما يَقَعُ الذُّبَاب على الأقْذَار، فَالـنَّفْس الشَّرِيفة الْعَلِيّة لا تَرْضَى بالظُّلْم ولا بالفَواحِش ولا بالسرقة والخيانة؛ لأنها أكبر من ذلك وأجَلّ، والنّفْس الْمَهِينة الْحَقِيرة والْخَسِيسة بالضِّدّ مِن ذلك؛ فَكُلّ نَفْسٍ تَمِيل إلى ما يُناسبها ويُشاكلها، وهذا معنى قوله تعالى: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ}[الإسراء:48] أي على ما يشاكله ويناسبه، فهو يعمل على طريقته التي تناسب أخلاقه وطبيعته، وكل إنسان يجري على طريقته ومذهبه وعاداته التي ألفها وجبل عليها.

ورتبة الإيثار من أخص صفات النفوس الكبيرة، وإنما ينشأ الإيثار عن قوة اليقين وتوكيد المحبة، والصبر على المشقة، مع الرغبة في الأجر والثواب. ولو لم يكن من فوائده إلا أنه دليل كمال الإيمان وحسن الإسلام ورفعة الأخلاق لكفى، فكيف وهو طريق إلى محبة الرب سبحانه، وحصول الألفة بين الناس، وطريق لجلب البركة ووقاية من الشُّحِّ.

عن أبي هريرة t قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اشترى رجل من رجل عقارا له، فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب، فقال له الذي اشترى العقار: خذ ذهبك منى، إنما اشتريت منك الأرض، ولم أبتع منك الذهب. فقال الذي شرى الأرض: إنما بعتك الأرض وما فيها. قال: فتحاكما إلى رجل، فقال الذي تحاكما إليه: ألكما ولد؟ فقال أحدهما: لي غلام، وقال الآخر: لي جارية. قال أنكحوا الغلام الجارية، وأنفقوا على أنفسكما منه وتصدقا». [رواه البخاري (3472)].

أصحاب النفوس الكبيرة: يملكون قدراً ما من عظمة العقل واستقامة الفكر. يملكون البصيرة والخبرة التي يتمكنون من خلالها من إقامة التوازن المنشود في أنفسهم. لا تغرُّهم الإمكانات الهائلة التي قد تصبح بين أيديهم. يقومون على حب النجاح وحب الخير. لا يعيشون لذواتهم بل يعيشون لأمتهم.

في سنة 1991م كان مدرج الإمام عبد الحميد بن باديس غاصا بالعلماء والشيوخ والأساتذة والطلاب من جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة (الجزائر)، و غيرهم من الضيوف الذين قدموا لحضور حفل توزيع جائزة الإمام عبد الحميد بن باديس التي يمنحها مركز دراسات المستقبل الإسلامي، والتي كان شرف نيلها للمؤرخ الدكتور «أبو القاسم سعد الله» شيخ المؤرخين الجزائريين (من مواليد 1930م)، وبعد أن نودي على اسمه وطلب منه الإدلاء بكلمة بهذه المناسبة، بدا كلمته بالبسملة، وبعد أن حمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم، انتقل بعدها إلى ذكر فضل العلم والعلماء، ومما قاله: إن الله سبحانه وتعالى مدح في القرآن الكريم القلم والكتاب، ورفع من شأن العلم والعلماء درجات، وتمثل بقول الشاعر:

أعزُّ مكانٍ في الدُّنى سرجُ سابحٍ ... وخيرُ جليسٍ في الزَّمَانِ كِتابُ

ثم واصل ما معناه: إن مما علمنا ديننا الحنيف وسلفنا الصالح رضي الله عنهم أن خير ما يوقف على طلبة العلم والمؤسسات العلمية هو «الكتاب»، وما دامت الجائزة قد منحت إلى المساهمين في حركة التأليف في الثقافة العربية الإسلامية، وما دام والدي رحمه الله قد فرغني للعلم في وقت كان أشد ما يكون حاجة إلى خدماتي في أمور المعيشة وتكاليف الحياة، وقد تحمل في سبيل تعليمي فوق طاقته (وهنا أجهش الدكتور سعد الله بالبكاء وبكى معه أكثر الحاضرين، حتى أن بعض الأخوات الحاضرات كان بكاؤها مستمرا مما دعا إلى إخراجها من المدرج، ولم يستطع إكمال الفقرة الأخيرة إلا بصعوبة بالغة ...) ثم أردف قائلا: ولهذا فإنه يسرني أن أعلن بأنني قد تبرعت بالجائزة الممنوحة (وهو مبلغ نقدي محترم جدا يعتبر ثروة لا يستهان بها) إلى مكتبة الجامعة الإسلامية الأمير عبد القادر لتشتري بها الكتب الضرورية لتنميتها وجعلها موردا علميا يتناسب مع عظمة مشروع الجامعة ورسالتها (كانت الجامعة في بدايتها)، وأرجو أن يطلق اسم الانتفاضة الفلسطينية على الجناح المخصص للكتب المشتراة من نقود الجائزة.

هذا هو سعد الله شيخ المؤرخين العرب، الذي جاهد بقلمه ونفسه في الثورة التحريرية المباركة ضد الاستعمار الفرنسي، وكتب وحقق الكثير من تراث وتاريخ الجزائر الإسلامية، يقدم درسا في الإيثار والتضحية، فيتنازل عن الجائزة المالية، وهو في أمس الحاجة إليها لشراء بيتا أو توسعة منزله، إذ كان يسكن بيتا متواضعا لا يسع حتى كتبه ودفاتره.

وقد دخل المسلمون الفاتحون إلى بلاد الأندلس بهذه الأخلاق الطيبة، كما تربي أفراد المجتمع الإسلامي هناك على هذا الخلق الإسلامي الأصيل عامتهم وخاصتهم، ولهذا قال أحد الباحثين: «بقينا في الأندلس ما بقينا مع الله، وضاعت الأندلس لما أضعنا طريق الله، بقينا في الأندلس بهمة عبد الرحمن الداخل الذي قال لما نزل من البحر إلى بر الأندلس، وقد قدم إليه خمر ليشرب، فأبى وقال: إني محتاج لما يزيد في عقلي لا لما ينقصه، فعرف الناس من ذلك قدره، ثم أهديت إليه جارية جميلة فنظر إليها وقال: إن هذه لمن القلب والعين بمكان، وإن أنا لهوت عنها بمهمتي فيما أطلبه ظلمتها، وإن لهوت بها عما أطلبه ظلمت مهمتي فلا حاجة لي بها الآن».

إن من المعروف أن المجتمعات الإسلامية تتميز بالمحبة والتآخي والإخلاص، ومقاومة الأهواء. وأن الإيثار والتضحية والشهامة من أخص أخلاق العرب في جاهليتهم وإسلامهم. وأن الأنانية والنفعية أخلاق وافدة على أمتنا، قد غزتها بعد أن ضعف وازع العقيدة ودواعي الإخلاص.

النفعية أخلاق غربية بنيت على مذاهب فلسفية تنسجم مع تطلعات أصحابها ومعتقداتهم وتصوراتهم عن الحياة والإنسان، وهي أخلاق دخيلة غريبة على أمتنا.

لقد غاب عن الأذهان في حضارة هذا القرن، الإيثار والتضحية بين الأهل والجيران، وذلك بسبب لوثة هذه المدنية الحديثة. فالأنانية طاغية، والتبرم سائد، رغم كثرة الأموال، لكنه الهلع من شبح الفقر، والخوف على فوات الملذات.

إن النفس الشحيحة لن يصدر عنها خير، والنفس المجدبة لن تستطيع التأثير والإفادة، ولو زعم صاحبها أنه من كبار الدعاة إلى الله تعالى.

لذلك فالواجب على المربين أن يغرسوا خلق الإيثار والسخاء والكرم في نفوس الناشئة، فالنفس التي تعود على البذل، ستكون بإذن الله نفساً خيرة معطاءة، مجاهدة في سبيل ربها، مرتفعة على شهوات الدنيا، وجواذب الأرض الهابطة. ستكون هذه النفس مشاعل خير نيرة، تضيء الطريق أمام صحوة جادة على طريق الرعيل الأول بإذن الله تعالى.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...