النقاط العمياء في التربية (2-2)!!

عالم الأسرة » أمومة وطفولة
22 - شوال - 1441 هـ| 14 - يونيو - 2020


1

نواصل ما في تناولناه في الحلقة السابقة عن النقاط العمياء في التربية والتي منها:

  • التربية بين الدلال والحرمان
  • بعض الآباء يعتقدون أن عدم الاستجابة الكاملة لكل مطالب الأبناء يصيبهم بإعاقة نفسية وعقد نتيجة إحساسهم بالحرمان. بينما الواقع مختلف تماماً فالدلال بالاستجابة لمتطلباتهم بشكل دائم هو مصدر الإعاقة الحقيقي لأنه يعوق نموه النفسي السوي فيخلق فيهم الاتكالية لأنهم لن يشعروا بقيمة ما يملكون ولن يتعلموا أن الحياة عطاء قبل الأخذ. وسيفقدون الدافع للعمل لأنهم يحصلون على كل ما يريدون بكل سهولة وبالتالي يصابون بمشكلات نفسية واجتماعية عندما يكبروا ويواجهوا المجتمع وحدهم.

  • سلوكيات الأولاد سبب أم نتيجة؟
  • كثيراً ما يكون أسلوب الوالدين التربوي سبب للكثير من المشكلات السلوكية للأبناء إما بالقدوة كأن يحاولان زرع بعض القيم فيهم مع افتقارهما إليها. فيطلبان الصدق من الأولاد ويبيحان لنفسيهما خلافة تحت أعذار يختلقانها. ثم يتعجبان من افتقار الأولاد إليها! وكذلك استخدام بعض الأساليب التربوية الصارمة والعقاب الشديد يجعل الأولاد يحاولون تجنب العقاب بالكذب وإخفاء سلوكياتهم عن والديهم. وعندها فإن سلوكياتهم السلبية تُعتبر نتيجة لا سبب بمعنى أنها نتيجة سلوك الوالدين أو أسلوبهما التربوي. وبالتالي فإن الحاجة هنا لتقويم سلوك الوالدين لتصحيح مسار سلوك الأولاد.

  • المسافة التربوية مع الأولاد
  • إن أحد أهم أركان التربية هي تقويم سلوكيات الأولاد؛ لما فيها من تصحيح مسارهم السلوكي. لكن من المهم أيضا معرفة المسافة التربوية معهم فالتشديد في تصحيح سلوكياتهم بمعنى أن أي سلوك يتبعه تقويم وإرشاد له بشكل سريع ومباشر يجعلهم ينفرون من الوالدين، كما وتُفسد العلاقة بين الأولاد ووالديهم. فإنك أيها المُربي الفاضل تستطيع أن تمنع أولادك من سلوك معين وتعتقد انك بمتابعتك الشديدة لهم وانتقادك لكل سلوكياتهم وإيقافهم عند كل هفوة قد سيطرت على الأمر غير أنك في الواقع قد جعلتهم يحفرون أنفاقاً مستورة ليمارسوا من خلالها ما حرمتهم أو قمعتهم عنه. لأنك أجبرتهم على سلوكيات مثالية دقيقة دون مساحة من الحرية فضلا أنك لم تفهمهم وتنبههم بمخاطر السلوك ولم تقترح لهم أو تتيح لهم سلوكاً بديلاً. وكذلك فإن الضبط الزائد والتدخل في كل صغيرة وكبيرة في أمورهم وخاصة المراهقين مما يولد النفور وإخفاء سلوكياتهم بخلاف ما يظهرون لذا من المهم من إدراكك لأهمية أن تكون لهم هوامش صغيرة من الحرية في سلوكهم والتي لا يتأذون بتجربتها. بأن يتم التغاضي عن بعض السلوكيات التي تصدر عنهم ولا يكون لها أثراً سلبياً على شخصياتهم وحياتهم المستقبلية. والتركيز على السلوكيات ذات التأثير العميق مع التغاضي عن الهفوات للحفاظ على العلاقة الإيجابية معهم وبالتالي يكونون على درجة جيدة من الاستجابة عند تقويمك للسلوكيات ذات التأثير العميق. بالإضافة إلى أهمية المساحة التربوية التي تترك للأبناء فرصة التعلم من أخطائهم البسيطة دون تدخلك في كل صغيرة وكبيرة حتى تكون سلوكياتهم في وجودك كما هي عند غيابك.

  • منطقة الأمان المزيفة
  • يُنشئ الوالدان منطقة الأمان المزيفة والتي تسمى أيضا بمنطقة الراحة والتي تنشأ في مرحلة مبكرة من عمر الطفل نتيجة الحرص الوالدي على الطفل. فعندما يشعر الطفل بذاته في السنوات الأولى من طفولته يحب أن يجرب وأن يقوم بالأعمال بنفسه كأن يرتدي ملابسه أو يتناول طعامه. لكن قد يثير ذلك خوف الوالدين فيحاولان القيام بالعمل عنه لأنه يقوم به بشكل بطيء وبجودة منخفضة مما يدفعهما ليطعماه حتى لا تتسخ ملابسه ويلبسانه حتى لا يتأخر.. وهذا يجعله يقاوم لفترة ومع ضغطهما الشديد يترك المبادرة وحب العمل ويركن للراحة فتتكون المنطقة الآمنة التي تجعله اتكالياً يعشق الراحة بدلاً من المبادرة وذلك يترك أثره السلبي على شخصيته ويعيق مساحة تعلمه.

  • إلقاء المواعظ الطويلة المتكررة
  • يسود الاعتقاد عند الكثيرين أن من أهم ملامح التربية الناضجة إلقاء المواعظ الطويلة على الأولاد وربما تتكرر بشكل يومي مما يجعلها تستنفذ طاقة المُربي وتشتت تركيز الأولاد عن الهدف منها. والأفضل أن يتم اختصار الكلمات وجعلها من خلال المواقف حتى تكون أقرب لقلوبهم وإصغائهم. فهم بحاجة لمن ينصت إليهم لا من ينصتون إليه بالوعظ. فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم -وهو أعلمنا بالنفس البشرية التي تمل من الموعظة الطويلة- ينتهز المواقف ليعطي موعظة قصيرة. فقد قال ابنُ مسعود - رضي الله عنه -: (إَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏- صلَّى الله عليه وسلَّم - ‏كانَ ‏يَتخَوَّلُنا بالموْعِظَةِ في الأيَّامِ؛ كراهِيَةَ السَّآمةِ عليْنا) أخرجه البخاري،فالموعظة قد تكون بسلوك يقتدون به أو بكلمات قليلة من حين لآخر.

  • وضع أهداف تفوق قدرات الأولاد
  • إن أكثر ما يتمناه الوالدان هو التفوق لأبنائهم في جميع المجالات. مما يدفعهما أن يطلبا من الطفل ما يفوق قدراته دون وعي منهما خاصة في التحصيل الدراسي. رغبةً منهما أنه يكون متفوقاً مثل فلان. وتبدأ المقارنة بينهما ومع قلة قدراته وضغط الوالدين عندها يضطر الابن أن يحتال بطرق غير التي تربى عليها؛ ليحقق ما يريدان منه لأنه يشعر بأن اهتمام والديه بالهدف وتحقيقه أكبر من اهتمامهما بذاته وعندها يسعى ليحقق ذاته ومكانته عند والديه بالغش أو الكذب وإخفاء الحقيقة وبالتالي أصبحت أنت وهو كل في خندقه والهدف على مرمى منكما والأجدر من ذلك أن تكونا معه وإلى جواره في إطار إمكانياته لتشجعه ودعمه لكسب ثقته وسلوكه الإيجابي مع تقدمه الذي يتمكن منه ضمن إمكانياته.

  • العتبة النفسية للعقاب
  • إن كثرة العقاب بالضرب يرفع عتبتهم النفسية فلا يجدي التعزيز بل والعقاب بالأساليب الأخرى نفعاً معهم. كمن يستخدم أقوى العلاجات الدوائية لمشكلات صحية صغيرة بعدها حتماً لن يستجيب الجسم للأنواع الأقل من الدواء. وكذلك التعزيز والعقاب فقوق المستوى العمري لهم. فبعد أن تضرب الابن على صغائر السلوك لن يجد رادعاً مخيفاً ليمارس سلوكيات أكثر سلبية فالنتيجة الضرب وقد اعتاد عليه. وإن حاولت تغيير نوع العقاب فلن يجدي معه لأنك بدأت من الدرجة المرتفعة.

    إن الهدف من إبراز هذه النقاط التي لا يدركها ولا تكون ظاهرة أمام المُربي في تعامله مع أبنائه - رغم تأثيرها العميق على شخصياتهم ونموهم النفسي- لتصبح تحت حيز إدراكه وبالتالي يتعامل معها بشكل واضح ويدرجها ضمن منهجه التربوي لتكون التربية تنمية لا هدم لشخصياتهم وبناء لذواتهم لا كسر لها.

     

     

    روابط ذات صلة


    المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



    تعليقات
    فضلا شاركنا بتعليقك:
    • كود التحقيق *:
      لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

    هناك بيانات مطلوبة ...