النمر المتقاعد

واحة الطفولة » واحة القصص
18 - جماد أول - 1433 هـ| 10 - ابريل - 2012


1

لم تعد أقدام السيد جاد -النمر العجوز- تساعده على الجري و الركض، و لم تعد لديه تلك القدرة التي كان يمتلكها في أيام شبابه, و أدرك منذ مدة بأنه لم يعد باستطاعته اصطياد الفرائس القوية, وأخبر بهذا صديقه الدب بارع عندما كان يتناول معه الشاي المحلى بالعسل في منزله الكبير.

أخبره أيضا بأنه منذ زواج جميع أولاده و انشغالهم بعائلاتهم، لم يعد يحمل إلى زوجته أية فريسة  إلا ما يقدمه له أصدقاءه في بعض الأحيان, أو ما يشتريه من مدخراته في أحيان أخرى, و أن مدخراته  قد بدأت تنفذ.

شعر الدب بارع بالأسى، و حزن لأن رفيقه و جاره بدا متعبا و يائسا، و أنه يفكر جديا في الذهاب مع زوجته لتقديم أوراقه، و الالتحاق بعمل في حديقة الحيوان مع زوجته، و هناك ستكون المهمة سهلة فيقدمون له و لها طعاما لذيذا و منزلا جميلا، و أن مهمته ستكون الجلوس و الاستلقاء في الشمس فقط، و سيأتي الصغار و الكبار لمشاهدتهما، و ربما يمنحهما الزبائن طعاما جيدا أيضا.

قال الدب متسائلا:

-         و هل ستكون سعيدا هناك؟

-         نعم يا صديقي سأجد من يقدم لي الطعام، و سأتخلص من خوفي من الجوع.

-         و لكنك ستكون أسيرا و لن تستطيع الخروج و التنزه كما تفعل الآن في الغابة.

-         نعم هذا ما يحزنني، و لكنني لم أحسب يوما حسابا لضعفي،  فلم أدخر مالا يكفي لشيخوختي. و لم أتعلم أي مهنة تكفيني الحاجة. لقد كنت أعتمد على قوتي و شبابي لزمان طويل، و ها أنا ذا أخسر كل شيء.

خرج جاد من منزل صديقه حزينا و أخرج أخر ما معه من نقود، راح يتأملها قبل أن يسلمها لبائع اللحم السيد ذئب و يأخذ منه قطعة لحم تكفيه و زوجته ليومين.

 عندما خرج من الدكان عائدا نحو منزله ضربته القرود الصغيرة بما معها من فواكه، و سخرت من ضعفه, و كذلك فعلت الببغاء, و أسرع هو عائدا نحو منزله ليتخلص منها. و أغلق باب منزله خلفه بإحكام, ثم وضع اللحم في المطبخ و قال لزوجته:

-         هذه أخر قطعة لحم أستطيع شراءها. لقد نفذ المال كله.

-         و ما الذي ستفعله يا جاد هل ستتركنا دون طعام. هل سنموت من الجوع.

قال لها و هو يخلع قبعته و يعلقها على المشجب:

-         أفكر في العمل في حديقة الحيوان، سيقدمون لنا طعاما مجانيا هناك.

-         و لكننا سنفقد حريتنا.

-         هذا ما يشغلني، أعدي لي فنجانا من الشاي من فضلك, و دعيني أفكر في حل لمشكلتنا بينما تطبخين لنا هذا اللحم.

-         كما تريد  يا عزيزي.

أعدت زوجة جاد له فنجانا من الشاي، و غادرت نحو المطبخ لتطهو اللحم, و جلس وحده يرتشف الشاي و يفكر، و راح يدعو الله ليساعده و زوجته, و بينما يرتشف شايه سمع طرقات على الباب، فقام يجر نفسه و اليأس يلون وجهه بلون أصفر شاحب, ووجد صديقه الدب بارع يقف أمام الباب مبتسما و قد حمل له  جرة من العسل و ابتسم له.

-         لقد وجدت لك عملا يا جاد.

جلس بارع على الأريكة، ووضع جرة العسل على الطاولة أمامه، و هو يبتسم لصديقه الذي رفع حاجبيه مندهشا فأكمل قائلا:

-         نعم ستعمل في حراسة مزرعتي عند قدوم البيات الشتوي الذي تنام فيه الدببة أياما طويلة.

-         و ما الذي سأعمله هناك.

-         أنت تعرف أنني أقوم بتربية الكثير من النحل في خلايا معلقة على الأشجار, و أقوم بتربية الأسماك في البحيرة الصغيرة الملاصقة للمزرعة لأقتات عليها، و أعيش على ما تنتجه المزرعة عندما أكبر و أصبح مثلك عجوزا ضعيفا.

-         نعم لقد فهمت.

-         ستساعدني في تربية الأسماك، و ستحرس خلايا النحل، و ستأخذ كل يوم بعض السمك و العسل لك و لزوجتك، فلحم السمك مفيد و نافع، و شراب العسل سيشفيك من الكثير من الأمراض، و سيمدك بالقوة و الطاقة أنت و زوجتك أيضا, فما قولك؟

-         هذا رائع يا صديقي فالتعب مع الحرية أجمل و ألذ طعما من الراحة مع الأسر. لقد قبلت العمل.

-         جميل، سأراك في الغد.

في الصباح التالي بدأ جاد بعمله في المزرعة، و كان يقدم الطعام للأسماك و ينظف أطراف البحيرة و يحرس خلايا النحل، و يكتفي بسمكة واحدة كل يوم يذهب بها إلى منزله، و ربما حمل في بعض الأوقات شراب العسل ليسعد بها زوجته, و غادر بارع نحو كهفه القريب ليبات فيه طوال فصل الشتاء، و كان سعيدا هذا العام لأن جاد سيحمي مزرعته و عسله و أسماكه من السرقة و التلف.

عندما جاء الربيع و بدأت الأزهار بالنمو، و خرج بارع من المزرعة كان سعيدا لرؤيته مزرعته كما هي، بل كانت الأزهار تملأ المكان، و كانت الأسماك تقفز بمرح في البحيرة الصغيرة النظيفة, و تناول مع جاد الشاي المحلى بالعسل الشهي، و أخبره أنه يستطيع الحصول على إجازة لثلاثة أيام يتنزه فيها مع زوجته, و وضع في سلته خمسة سمكات كبيرة قائلا:

-         لقد كان عملك رائعا يا جاد.

ابتسم جاد و قال ممتنا:

-         أنت صديق رائع يا بارع، جعلتني و زوجتي سعداء، و أعدت لي شعوري بأنني مخلوق ما زال له دوره, و أنني رغم شيخوختي أستطيع أن أجد عملا، و أعيل زوجتي دون أن أفقد حريتي، و ألا أعتمد على الآخرين.

 

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- اروي عمر النور - السودان

20 - جماد أول - 1433 هـ| 12 - ابريل - 2012




قصة جميلة فعلاً ومفيده ومغذاها جميل ولوتمعن قارئها لوجد معاني ودلالات عميقة ومفيدة ورائعة .

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...