النوموفوبيا ضريبة التكنولوجيا

كتاب لها
23 - رجب - 1437 هـ| 01 - مايو - 2016


1

بالرغم من الفوائد الكثيرة التي أمطرتنا بها التكنولوجيا في الوقت الحاضر ؛إلا أن بعض سلبيات سوء استخدامها جعلت منها السبب في كثير من المشكلات الاجتماعية والنفسية .

فكثيراً ما نجد أنفسنا غارقون بها لدرجة أن أصبحت لها الصدارة في حياتنا .. وانشغلنا بها عن غيرها من المهمات والمسؤوليات .حتى تطرف البعض ؛ فأصبحت تُشكل هاجساً في حياتهم .فالخوف من فقدان جهازه الذكي أو حتى من الابتعاد عنه استحوذ على تفكيرهم فلا يكاد يمر وقت قليل دون أن يكون تحت نظره حتى يصل الأمر للقلق من وجود أي حدث جديد فيه دون معرفته مما يحول دون اغلاقهم لهواتفهم . كما واستحوذت أجهزتهم على أول نظرة عند الاستيقاظ من النوم .. وكذلك الحال لنظرة قبيل النوم بالإضافة إلى التفقد المستمر للهاتف والذي قد يصل إلى اصطحاب الجوال في أماكن لا يصح اصطحابه إليها كالخلاء.. والقلق من مجرد التفكير بفقدان الجوال أو عدم القدرة على استخدامه بشكل أو بآخر للاتصال أو التواصل عبر ما فيه من برامج.. وهذا تماماً ما يعنيه رهاب النوموفوبيا.

وبالرغم من تعدد أنواع الفوبيا وانتشارها في كل زمان ومكان ،إلا أن النوموفوبيا نستطيع تسميتها بفوبيا العصر. فهي بحق ضريبة الحضارة والتكنولوجيا. إذ تزامن ظهورها معها خاصة مع ظهور الأجهزة الذكية .ولأن الفوبيا تتلون بلون عصرها فإن فوبيا الهواتف الذكية أو النوموفوبيا هي وليدة الحضارة ومرتبطة بظهور الهواتف الذكية خاصة ويمكن اعتبارها فوبيا ذكية ..لا لارتباطها بالأجهزة الذكية وحسب ؛ بل لأن الفوبيا عادة تعني الخوف من المواجهة لأمر ما ويكون علاجها بالمواجهة المتدرجة أو الغمر الكامل في العنصر المسبب للخوف . بينما النوموفوبيا هو الخوف من فقد أو بعد لا اقتراب وهذا ما يجعلها فوبيا ذكيىة فهي تخيفنا من الحرمان منها وتشعرنا بالتيه والضياع وغياب الأمن لمجرد التفكير في فقدانها .. لنبقى أسارى لها في كل لحظة .. فهي ذكية لأسرها عقولنا وامتلاكها الوجدان الأمني الذي ننشده خاصة في عصر الضغوط والقلق .

ومن الطبيعي أن تسبب لنا هذه الأفكار والمشاعر التشوش الذهني وفقدان القدرة على التركيز في عمل آخر. فالحياة الحضارية فرضت علينا ضغوطاً وأرهقتنا بما يكفي فكيف إذا أضفنا لكل هذه الضغوط قلقاً غير مبرراً من صنع أنفسنا ليكون عبئاً علينا بدلاً من أن يسهل علينا بعض تعقيدات الحياة . فإننا بسوء استخدامنا له جعلنا ما في هواتفنا هاجساً يطاردنا في كل أوقاتنا، وما فيه من برامج تواصل محور تدور حوله أوقاتنا .فنتفقده بعدد أنفاسنا حتى أصبح ظلاً لكل منا .ففراقه أو غيابه بات مستحيلاً وكذلك إطفاء الجهاز هو من الأمور التي قد لا نفكر بها خوفاً من أن تفوتنا بعض المكالمات أو الرسائل .وحتى لا نشعر وكأننا تائهون شاردوا الذهن لافتقادنا الأمان .فأصبحنا  بمثابة المدمنين الذين حُرموا مما أدمنوا عليه ..غير أن الإدمان هنا إدمان دون مُخدر .

 

وكثيراً ما تكون معاناتنا من النوموفوبيا خفية لا ندركها إلا عندما نتفحص سلوكياتنا مع أجهزتنا وأثرها على حياتنا ،خاصة على علاقاتنا الأسرية والاجتماعية وما فرضته على مدمنيها من حب العزلة والتواصل غير المباشر والذي أثر على جودة الحياة الأسرية والاجتماعية لفقدان الأنس بالمشاركة والمسامرة مع الأهل والأصدقاء وامتد أثره إلى أنه حد من التواصل الطبيعي فلا يكاد يجتمع قريب أو بعيد حتى تجد أن ما يُسقط على النقال من نظرات وما يُكتب به من عبارات أكثر من الكلمات المنطوقة والمسموعة فالصمت سيد الموقف ولا يقطعه إلا طقطقات الأزرار أو ضحكات متفرقة كل مع جهازه يسامره.

ونبدأ خُطوات العلاج بالسيطرة على النفس والاندفاعات حول الأجهزة المختلفة بأن نجعل لأنفسنا السيادة والتحكم بها بدلاً من تحكمها بأفكارنا وسلوكياتنا والارتباط بالتواصل الواقعي تعويد النفس والآخرين بوجود ساعات نقية خارج إطار التكنولوجيا كأن يُغلق الجهاز بعد ساعة محددة كل يوم . ولعل لوقاية والعلاج تكمن في بضع كلمات (التوسط في كل الأمور والاعتدال في كل الأحوال )

و يبقى السؤال هل أفادتنا التكنولوجيا بقدر ما تحكمت في حياتنا ..وهل وصلت النوموفوبيا إلى بيوتنا؟

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- وفاء - السعودية

25 - رجب - 1437 هـ| 03 - مايو - 2016




جزاك الله خيرا.. فعلا كنا بخير قبل الجوالات
مقال متميز شكرا لك

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...