الوازع الإيماني والأدب

أدب وفن » آراء وقراءات
17 - محرم - 1440 هـ| 28 - سبتمبر - 2018


1

بم يشعر المرء وهو يدخل مدينة لها مكانة متميزة في نفسه؟ وكيف يؤثر فيه هذا الشعور عندما تضمه رحابها؟ وإلى أي سلوك يدفعه؟

تتوارد هذه الأسئلة على النفس، عندما يقبل صاحبها على زيارة مدينة، أو حتى موقع، تتحرك مشاعره فيه، حباً أو كرهاً، فرحاً أو ألماً. بحسب ما تكون صورة المدينة أو الموقع في أعماق الزائر، وبحسب ما يكون لها من ذكريات معايشة ـ كمسقط الرأس ومحضن الطفولة أو الشباب ـ أو ذكريات معرفة دون المعايشة، كقراءة التاريخ، وذكرى الأحداث المفرحة أو المحزنة، فالمكان ببنيته المعمارية أو بتضاريسه لا يُقَوِّمُه سوى المعيار الجمالي، جمال التكوين أو الطبيعة أو الطقس. وأما ما يرتبط به من أحداث وذكريات فشأن آخر، قد لا يقيم لمعايير الجمال الخارجي وزناً، وقد يعكسها فيصبح الصخر الأصم حبيباً إلى النفس إن كان ما يرتبط به من ذكريات وأحداث بهيجة مُسعدة، وقد تصبح الطبيعة الحسناء مقبضة للنفس: إذا ارتبطت بذكريات القهر والعذاب.

 

غير أن صفة أخرى محددة تخرج عن تلك المقاييس كلها، مقاييس الجمال الخارجي، أو مقاييس الأحداث والذكريات، هذه الصفة مرتبطة بالوازع الإيماني، ومدى تأثيره على المرء، صفة القداسة التي تمنحها العقيدة للبلدة أو الموقع، فإذا ما وجد المؤمن في تعاليم شرعية أنها ذات قدسية وفضائل: أصبحت هذه الحقيقة هي المقياس الأعلى، تضيف إلى جمال الطبيعة إن وجد جمالاً شعورياً فائقاً، وتعوض عنه إن فقد؛ لذا عندما يتوجه المؤمن إلى تلك المدينة أو البقعة المقدسة تتدافع في نفسه مشاعر عليا سامية، تحمل الحب الفطري والتعلق الصادق، وربما يضاف إليها مشاعر تعزز الإيمان، وتحاسب النفس على مدى عمقه فيها، وتأثيره في سلوكها، وتنتج مواقف محاسبة ومساءلة، وندم على ما فرط منها، وتجاوز حدود الشرع، وتنتج مواقف توبة وإنابة، لتطهير النفس من أوزارها ويعود الصفاء والبراءة والطمأنينة إليها،

 

واسأل أي مؤمن وفقه الله لزيارة البلد الحرام، والمسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمدينة النبوية. ما المشاعر التي نبتت في نفسه عند الزيارة؟ وما المواقف التي وقفها في أيامه أو حتى ساعاته القليلة التي أمضاها فيها؟

 

 فلن تجد جواباً يخرج عما قدمته، ولئن كانت قدرة من سألته على التعبير قوية، فستجد آثارها في نفسك، ستجد إعجاباً بما أنبتته الزيارة من مشاعر، بل وامتداد شيء منها إلى نفسك يحرك فيك الرغبة في أن تحذو حذوه، ويجعلك تدعو الله سبحانه وتعالى أن يسهل لك ذلك حتى ولو كنت قد سبقته إلى زيارات وزيارات.

 

ولعل أحسن من يعبر عن تلك المشاعر، ومن يؤثر في من يطَّلع عليها هم الأدباء الذين آتاهم الله موهبة البيان، فهؤلاء يصورون لك ما يحسون به وكأنك تراه رأي العين، وتحس أثره وكأنه يولد في نفسك، وإن من البيان لسحرا.

 

وبين يدي نموذج من هذا الميدان. قصيدة سلسة عذبة تصور العواطف والأحاسيس التي تدفقت في وجدان الشاعر حيدر عبد الكريم الغدير عندما شد الرحال إلى المسجد النبوي، وضمته رحابه، ومن ثم رحاب المدينة المنورة تمتزج فيها عواطف الحب السامي بالمشاعر الإيمانية الأسمى، فيرى فيها جمالاً خاصاً يفوق كل جمال، يراه في معالمها، ويراه في التراتيل التي تتردد في مسجدها، وفي الصالحين الذين يتقربون إلى الله بمزيد من العبادة الصادقة، ويراه في المذنبين الذين أحسوا بثقل ذنوبهم، وأخذوا يدعون الله أن يطهرهم منها، يقول:

غنيت في حبها أحلــى أناشيدي               

وأزهرت كالربا فيهـــا أغاريدي

أتيتها خطوتي قلبي ويا حبرتي             

وفرحتي فرحة الأطفال في العيد

يا فرحتي حينما عاينت روضتها            

تختال في بردة الإيمان والجـــود

وللتراتيل أصداء مطيبة                      

كأنها بينهم مزمار داود

وللأذان امتدادات منورة                    

وديمة في الجبال الشم والبيد

تسخو على الناس لا منٌّ ولا كدر          

من ناعمين ومن عان ومكدود

ومثقلين بآثام تنوء بهم                   

وصالحين أطاعوا الأمر في هود

تمتد فالكون كل الكون مسرحها          

والناس من شاهد فيها ومشهود

ألفيت فيها المنى تزهو أطايبها          

كالنخل يزهو بداني الطلع منضود

 

وعلى إثر هذه الرؤية (البانورامية) الواسعة للمدينة المنورة، وتلك المقتطفات من المشاهد أو الصور الصغيرة في روضتها ومسجدها النبوي وبعض معالمها الأخرى؛ يحس الشاعر بأن قدسية المكان تجعله يقف موقف محاسبة النفس، والتوبة مما فرط منها، والتخلص من كل ما يورثه ذلك من قلق واضطراب لينقلب خوفه أمناً وحزنه فرحاً وعسره يسرا فيقول:

وتبت لله من إثـــم شقيت به                  

ولي اليقين بأني غير مردود

وجود ربك سيب لا نفاد له               

وباب ربك باب غير موصود

وللدعاء الذي أدمنت صحبته            

حتى غدا رفدي الغالي ومرفودي

درب إلى توبة فيحاء ناضرة              

كأنها الحلل الحسناء في العيد

جلَّ المتاب وجلَّ الله قابله                

وجلَّ منه عطاءٌ غير محدود

أبدلت بالخوف أمناً والأسى فرحاً          

والعسر يسراً إذ الرحمن مقصودي

حتى الخطايا التي ناءت بكلكلها         

علي مثل أفاع فوق مزؤود

غدون بالعفو إحساناً ومكرمة             

فهن أوسمةٌ للفوز في جيدي

محا اليقين بقلبي رانه فغدا                

في طهره وسناه قلب مولود

وأغرقتني هبات الله ضافيةً                

بواسع من كريم الجود ممدود

حتى رأيت وعفو الله يغمرني            

آلاءه البيض في آثامي السود

وبهذا الإحساس الذي ولدته المدينة المنورة في نفس الشاعر، وبهذه النتيجة التي أوصلته إليها مواقف محاسبة النفس والتوبة، وبهذا اليقين والطمأنينة التي ملأته وهو واثق بعفو الله ومغفرته، يأمل أن تلازمه التوبة دائماً، وأن تسارع إليه إذا ما خطفت منه الحياة وزحمة تفاصيلها البراءة، وجعلته يتجاوز حماها بزلة أو مأثمة، ويخاطبها ألا تتركه أبداً فيعاني ما يعانيه من ذل الزلل وإثم الخطيئة. يقول مختتماً قصيدته:

يا توبة منحت عمري رغائبه               

وأبعدت عني ما يشجي وما يذوي

إن عدت للإثم عودي لي بمغفرة          

ولا تتركيني أعاني ذلَّه..عودي

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...