الولاية المغلوطة: وأد جديد(1-4) لها أون لاين - موقع المرأة العربية

الولاية المغلوطة: وأد جديد(1-4)

كتاب لها
04 - محرم - 1438 هـ| 06 - اكتوبر - 2016


1

قد يختلف كثيرًا وأد الآباء لبناتهم في الجاهلية عن وأدهم في القرن الحادي والعشرين، فوأد البنات في الجاهلية كان له دافع أو اثنان معروفان؛ وهما: خشية الفقر، أو خشية جلب العار. أما في القرن الحادي والعشرين، فقبل أن نكشف حقيقته، ونناقش براءة الإسلام منه، وضرورة التصدي له، نسوق بعض مظاهر هذا الوأد الجديد وتجلياته على واقعنا.

إن ولي المرأة ـ أبًا كان أو زوجًا أو غير ذلك ـ الذي يحرمها من الميراث أو يظلمها فيه، أو يجبرها على الزواج بمن لا ترغبه ولا تقبله ولا يناسبها، أو يعضلها عن الزواج بمن ترغب وتقبل لا لعيبٍ في الزوج، وإنما لمصلحة يحققها لشخصه من التزويج أو العضل، أو يحرمها من التعليم لمجرد أن مزاجه أو فهمه السقيم يوحي له بأفضلية ذلك، أو يضربها بقسوة وفظاظة وعنف ويُهينها ويذلها لأتفه المشكلات أو الأخطاء، مستغلًّا ضعفها وولايته عليها، أو يعاملها باحتقار وازدراء، أو يحبسها ويضيق عليها بلا سبب معقول ولا مشروع، أو يستغلها لتحقيق بعض مآربه وأطماعه.

أو يتأكد من حسن خُلقها، وثراء مواهبها وملكاتها النافعة، وصِدْق رغبتها في خدمة قومها وأُمِّتها، ثم يحبسها ويمنعها من كل مشاركة في الخير والنفع؛ لأن مزاجه يرتاح لذلك، أو فهمه الخطأ للدين يدعوه إلى هذاالتصرف...إلخ. كل ذلك ليس من الإسلام الصحيح في شيء، بل هو ظلم وجرم يرتكبه أولياء المرأة في حقها، ظلم لها ولأنفسهم ولعظمة الدين الذي ينتمون إليه، ألا ساء ما يفقهون.

وإن المرأة التي تعلن أنها تشعر بظُلم ولايةِ وَليِّها عليها؛ لأنها تعرضت لأنواع من هذه المظالم أو الخطايا، كيف لنا أن نعاتبها أو نلوم عليها، وهي امرأة حرة لها حقوق مسلوبة، وتريد أن تشعر بعدالة الإسلام التي طالما سمعتْ عنها، وارتضتها وتغنَّت بها؟ ولا أحسب أن سكوت الكثيرات عن تلك المظالم هو رضًا بها، أو أنه قد يتجلى في تشويهات لنظرتها إلى الحياة وفي شخصيتها، بل وقد يصل لأبعد من ذلك، ما لم يعصمها الله بما شاء من الأسباب. 

إن الأسباب التي دفعت هؤلاء الأولياء إلى ارتكاب هذه الأخطاء والخطايا متنوعة بلا شك، وليس من الإنصاف أن نقول: إن الفهم الخطأ للدين هو السبب الوحيد لممارسة هذه الأنواع من الظلم تجاه المرأة المسلمة، فهناك أطماع وتقاليد عادات موروثة لا تمت للدين بصلة تتدخل في هذا الأمر.

فالأولياء الذين يحرمون بناتهم أو نسائهم من الميراث أو يتحايلون بأنواع الحيل ـ كالزوج الذي يُطلِّق زوجته في مرض موته ليَحرمها من ميراثه ـ  ليُنقصوا نصيبهن أو يستبدلوه بغيره، لا يمكن أن يكونوا جميعًا جاهلين بالحكم الشرعي؛ أي بأحقية بناتهم ونسائهم في ميراثهم، بيد أنهم يستغلون ولايتهم مع حياء بناتهم وضعفهن، وحرصهن على عدم إغضاب الأسرة والعائلة عليهن في حرمانهن من نصيبهن الشرعي، في حين يصمتن هن عن حقهن أو عن استيفائه كاملًا، أو يكتفين بالغضب المكتوم أو الألم الممزوج بالقهر.

وقد تتجلى نتيجة ذلك أحيانًا في قطيعة مع العائلة، أو تنشئتهن لأبنائهن على أن أخوالهم قد أكلوا حقَّهن وسرقوه، ولك أن تتخيل كيف يمكن أن تتمزق وتتقطع بعض الروابط الأسرية وصلات الرحم، وهي التي أمر الله أن تُوصل!  

ما يجري هنا من ظلم للنساء في الميراث وتحكُّم الأولياء فيه بطريقة بعيدة عن أحكام الشرع الشريف، وحق المرأة يمثل حلقة واحدة في مسلسل طويل، سواء كان لسوء الفهم واستخدام الولاية الشرعية على المرأة دور البطولة فيه، ويعد من عموم بلوى الابتعاد عن مفاهيم الإسلام الصحيح، التي تعاني منها بلاد الإسلام في عهود تخلفها وتراجعها الفكري والعلمي والحضاري الحالية.

والله يأبى هذا الظلم ورسوله والمؤمنون، ذلك أن الولاية على المرأة كانت تستدعي وتستوجب من هؤلاء الآباء أو الأولياء أن يكونوا هم الأعظم حرصًا على الوفاء بمقتضياتها برًّا وعدلًا ورحمة وحسن قيام عليها؛ لأنهم أمناء على هذه الولاية، ومحاسبون مجزيون عليها بقدر إحسانهم أو إساءتهم.  

وقد روت لنا وقائع السيرة الصحيحة أنه لما استشهد الصحابي الجليل سعد بن الربيع في غزوة أُحد، جاء أخوه فأخذ ميراثه دون أن يترك لزوجة سعدٍ وابنتيه شيئًا ـ وكان هذا النظام المُتَّبع قبل الإسلام، فانطلقت عُمرة ـ  زوجة سعد وأم ابنتيه ـ إلى رسول اللهrوقالت: «يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قُتل أبوهما معك في يوم أحد شهيدًا، وإن عمهما أخذ مالهما...».

فقالr: «يقضي الله في ذلك»، فنزلت آية الميراث أي قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ...} [النساء: 11]، فأرسل النبيrإلى عمِّهما فقال: «أعط ابنتي سعد الثلثين، وأمهما الثُّمُن، وما بقي فهو لك»[رواه الترمذي وغيره، وصححه، وحسنه الألباني]. وهكذا تنزَّل آيات القرآن ليمحو عادةً جاهلية كثيرًا ما تسببت في ضياع حق النساء، ويأمر المسلمين بإعطائهن حقوقهن وتسليمها إليهن كفريضة يُتعبَّدون بها إلى الله.

فهل يقال بعد ذلك: إن المرأة التي تطالب بحقها الذي أوجبه الله لها قد تجاوزت حدها، أم أن على المجتمع المسلم بكل فئاته وإمكاناته ـ وإخوتها وأقاربها أولَى مِن غيرهم ـ أن يقف من ورائها يدعمها حتى تحصل على حقها الشرعي؟ وإلا فإن المرء ليخشى أن يكون بصمته أو رضاه عن هذا الظلم مشاركًا في إثم مِثْل هذا الوَليِّ وعدوانه على مَن هن تحت ولايته، وهو ما نهانا الله عنه.

وللحديث بقية بإذن الله تعالى.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...