الوهم داء ودواء!

كتاب لها
22 - ذو الحجة - 1437 هـ| 25 - سبتمبر - 2016


1

يُعرف الوهم بأنه إدراك للواقع على غير حقيقته. والحقيقة أن الكثير من الناس يُدركون هذا الواقع المشوه، بناء على معطيات حسية ينجذبون إليها ويتقمصونها نتيجة لسيطرة أفكار غير عقلانية على اتجاههم الفكري فتدفعهم نحو الإدراك الذاتي لما حولهم.

فالتفكير وفق عدسة محدبة، تُعظم الصغائر، وتجعل من المشكلات الصغيرة وكأنها كارثة، تدفع القارئ القلق إلى عتبات من الوهم، عند مجرد قراءته للمشكلات النفسية والجسمية؛ فتصيبه بتوهم وجود المشكلات المختلفة لديه. ويتحول هذا من مجرد التفكير، إلى إدراك مشوه يستشعره، فيتوهم أن كل عرض يشعر به هو مرض، وكل شكوى هي مشكلة تحتاج للبحث والحلول قبل أن تتفاقم؛ فيندفع للقراءة والبحث.

ويخلص بمجموعة واسعة من الأمراض النفسية والجسمية بل والروحية، التي قد يكون هذا العرض جزءاً منها،  لكن قلقه يدفعه للاعتقاد بأن كل تلك الأمراض، أو على الأقل أخطرها هي مشكلته الأساسية، فيبحث في تفصيلات الأمراض، ويبدأ الدخول في متاهات الأوهام؛ فهو يبحث في مرجعه أياً كانت درجة دقته. ويبحث أيضاً في جسده ليطابق الاثنين معاً، ويخرج بتشخيص لمشكلته التي لا وجود لها من الأساس.

ولو أنه أعطى نفسه بعض الراحة والتأمل لوجد أن هذا العرض الخفيف الذي نسج منه كل هذه المشكلات، قد زال وحده دون أي عناء، فقط بمجرد الحد من الإرهاق والقلق، دون الحاجة لكل هذا البحث والاستفهام ممن حوله. والانطلاق في رحلة البحث داخل أقسام المستشفيات للتنقيب عن مشكلته.

 وحتى أن مجرد الاستماع إلى مشكلة هذا وذاك، قد يصبح أمراً معدياً لهم؛ لأنهم يتقبلونها فكرياً وباعتقاد راسخ، فتبدأ دائرة الأوهام تعمل في إسقاط معتقداتهم على صحتهم النفسية والجسمية، ليجدوا أنفسهم قد أصبحوا في دائرة مغلقة لا يستطيعون الخروج منها.

والمشكلة أن هذا الوهم لا يتوقف فقط بالتشخيص والبحث من صاحبه، فهو يزداد بازدياد القلق ويستمر ويتسع من عرض لآخر. ويتنقل من مشكلة لأخرى، حتى يعيق تفكير و حياة الشخص وعمله وعلاقاته الاجتماعية. فيصبح الوهم بحد ذاته مرضاً حقيقياً يحتاج للعلاج.

 

وعلى النقيض من ذلك: نجد أن الوهم وسيلة علاجية ذات مفعول قوي التأثير للكثير من الأمراض النفسية والجسمية على حد سواء.

فقد تم استخدام العلاج بالوهم قديماً من قبل أشهر الأطباء العرب حيث قال الرازي: ((ينبغي على الطبيب أن يوهم المريض أبداً بالصحة، ويرجيه لها، وإن كان غير واثق بذلك، فمزاج الجسم تابع لأخلاق النفس)).

وامتداداً لهذا الاتجاه الطبي، فقد استُخدم العلاج بالوهم على فئات كثيرة، وتم إجراء تجارب عديدة لاختبار ما إذا كان الدواء هو عامل العلاج الأساس، أم أن مجرد تناول الدواء يعطي الإيحاء النفسي بزوال المرض، وبالتالي يتم الاستفادة من العلاج، حتى وإن كان العلاج  مجرد أقراص تجمع بين السكر والنشا، ولا تحتوي على أي مواد علاجية وهي ما تسمى ب (البلاسيبو).

ومن المدهش أن بعض التجارب بينت التقارب الكبير بين العلاج الحقيقي والعلاج الوهمي من حيث النتائج العلاجية. وهذا ما يؤكد أهمية المعتقد الشخصي لكل منا. فمجرد الاعتقاد بأن هذا هو الدواء المناسب، يتم الحصول على النتيجة الفعالة، خاصة إن تم وصف الدواء من طبيب يحتل ثقة كبيرة في نفس المريض، أو الإيحاء للمريض أنها أدوية من شركة معروفة في عالم الأدوية، وذات مصداقية عالية، ومجربة وأن سعر الدواء المرتفع يثبت ذلك.

ومن الطريف أن ينتج آثار جانبية للعلاج الوهمي. لاعتقاد المريض أنه دواء له أعراض جانبية كأي دواء.

ففي كلا الحالتين السابقتين يكون الوهم هو العنصر المشترك، غير أنه قد يكون سبباً في إحداث المرض، أو سببا في الشفاء منه. وذلك بحسب معتقدات وأفكار من يستخدمه. وخضوع شخصيته للإيحاء. فالداء والدواء بأجسادنا، وتحديداً في أفكارنا، التي نتشبث بها حتى تتحول لمعتقدات تتحكم في مسيرتنا الحياتية. وصدق الطبيب ابن سينا، حيث قال: ((الوهم نصف الداء، والاطمئنان نصف الدواء، والصبر أول خطوات الشفاء)).

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- خالد - السعودية

28 - ذو الحجة - 1437 هـ| 01 - اكتوبر - 2016




السلام عليكم
جزى الله الكاتبة خيراً - مقال جميل ومفيد
ذكرني المقال بالحكمة توقعك هو واقعك
وكذلك قصة النبي صلى الله عليه وسلم عندما دخل على أعرابي يعوده فقال له لا بأس طهور إن شاء الله فقال الاعرابي قلت طهور كلا بل هي حمى تفور أو تثور على شيخ كبير تزيره القبور فقال النبي صلى الله عليه وسلم فنعم إذاً

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...