املأ صفحاتك البيضاء..

تحت العشرين » إبداع بلا حدود
02 - جماد أول - 1441 هـ| 29 - ديسمبر - 2019


1

كنت أقرأ وبتمعن في قصةِ تملكني سردها.. واستحوذ على فكري ثمار ينعها.. واستحضرتُ في دقائق معدودة كيف أن الخُلق المقترن بالرحمة والإيثار.. يكون سببا ً في تتبع طريق الجنة، والعمران الذي يبني تاريخ الإنسان في حياته.. وتمتلئ به صفحاته البيضاء.

وللخُلق الوضاء المتصل بجميل الفعال ذكراً حسناً، وحباً صادقاً، وإجلالاً يرفع صاحبه ويميزه عن غيره.. وتتدلى  سيرته كما تتدلى أغصان الشجر بسجايا أفعاله المشهودة.. والتي تزينه بلباس الأصفياء وتفيض على نفسه بمكارم  الدين والخلق اللذين ملآ  بياض صفحاته.. وتوثقت به سيرته.

يروى عن أبي بكر رضي الله عنه أنه كان إذا صلى الفجر، خرج إلى الصحراء فاحتبس فيها شيئاً يسيراً، ثم يعود إلى المدينة، فتتبعه ذات مرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه خفية بعدما صلى الفجر، فإذا أبو بكر يخرج من المدينة ويأتي خيمة قديمة في الصحراء، فاختبأ له عمر خلف الصخرة. فلبث أبو بكر رضي الله عنه في الخيمة وقتاً ثم خرج، فخرج عمر من وراء الصخرة ودخل الخيمة، وإذا به يرى امرأة ضعيفة وعندها أطفال صغار. فسألها عمر: من هذا الذي يأتيكم فقالت: لا أعرفه هذا رجل من المسلمين يأتينا كل صباح منذ كذا وكذا. قال: فماذا يفعل؟ قالت: يكنس بيتنا ويعجن عجينتنا  ويحلب دواجننا. فخرج عمر من الخيمة وهو يردد: (لقد أتعبت الخلفاء من بعدك يا أبا بكر).

حين ندرك أن هذا الفعل الحسن، والخلق المتأصل في نفوس الصحابة رضوان الله عليهم، وما كانوا عليه من جمال الصفات وهي الأقرب إلى الكمال في القول والعمل؛ نستشعر عظمة هذا الدين (الدين المعاملة) وهي ما سطروه  في صفحاتهم  البيضاء من كريم الخصال وأندى عطرها.

فلو تأمل الكل منا حياته، وصاغها كما تصاغ أبيات الشعر، وتُصف في نظم متناسق متوازن .. مابين حب الله وتقواه وطاعة نبيه صلى الله عليه وسلم ومن والاه.. لاستنار  بإشراقات الإيمان في نفسه.. في دجى ظلمات الحياة .. واستلهم في فكره  أن الإسلام مجموعة من الأخلاق في عقيدته وعبادته ومعاملاته.

      وهذا ما يؤكده صلوات الله عليه بقوله:  "البر حسن الخلق" رواه مسلم.

إن جمال الخلق فيض رباني يملأ الخالق به نفوس أوليائه..من الذين يستشعرون حاجة المسكين .. وفك كرب المأسورين.. والتماس أعذار المذنبين.. والعفو عن المخطئين.. وتتبع ما يبهج المحبطين .. ورسم بسمات على محيا البائسين.

وتلك الخصال هي ما يعزز الخلق ويخرج  جوهره الثمين.

                       ** ومن يـــــزرع الخير يحصد ما يـــسر به **

**ولكي نصوغ معاني الخُلق.. ونسوده في صحائفنا نصنع من قواعده  بنياناً قويا ً تطول أعمدته في أفق الحياة ... أجمل الصور .. ومبدؤها القول الحسن: "وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً" سورة البقرة من الآية83

والرحمة : "من لا يرحم الناس لا يرحمه الله" رواه البخاري في الصحيح.

والإحسان:"وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ" سورة البقرة 195

الإيثار: "وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ " سورة الحشر10

والعطاء اللا محدود ومنه: بذل المعروف، وكف الأذى، واحتمال الأذى، والصبر و.. وغيرها من الصفات التي تعلو بمنزلة الإنسان عند ربه وعند خلقه: "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا" سورة مريم96.

وهي المحبة التي يغرسها الله لعبده الصالح في قلوب خلقه،  وقيمته مقترنة بالإيمان والعمل الصالح.. وكل ما يبذله  ويعطيه ويمنحه لخدمة دينه ومجتمعه... ومن تولى أمرهم... وامتلك زمام قيادتهم.. في بيته و أسرته ومجتمعه.. وتطلع بكل أفق الإنسانية  والخيرية.. وناهض بثبات الحق لصلاح البشرية.. وبشفافية ضيقت حدود الفروق الاجتماعية  والعرقية.

وكان ممن قال فيهم  سيد البشرية: "خيار أمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم" رواه مسلم.

وتلك الصفات هي من المآثر المحمودة التي تمتلأ بها الصفحات... وتظهر جليا ً في وجوه أصحابها ممن تمتد أيديهم بالخير.

و تجري رحماتهم على الآخرين كنهر الماء العذب يصب في جداوله جنات من قطرات.

وتتلألأ عطاياهم كنجوم الليل في ظلمة حالكة.. تشع جمالاً يبهر الأنظار.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...