اﻻرتقاء بأسرتنا: كم من المزايا

عالم الأسرة » شؤون عائلية
22 - ربيع الآخر - 1438 هـ| 21 - يناير - 2017


1

تعد مسألة تحسين وضعية الأسرة، رغبة فطرية لدى غالبية الناس، وهي رغبة محمودة ومرغوبة، خاصة في ظل تردّي الأوضاع المحلية والإقليمية، بل والدولية المحيطة بنا.

يحكي أحد الآباء في إحدى البلدان العربية: أنه كان كلما جلس مع أسرته يكثر من النقد اللاذع والمرير للأوضاع المعيشية في بلاده، وقد ضجّت منه أسرته دون أن يجرؤوا على مصارحته بذلك؛ لأنه بذلك يجعل كل أوقاته معهم مشحونة بالضيق والتوتر والتحسر، لكن في إحدى المرات قال أحد أبنائه الذين انتهوا من دراستهم الجامعية: أبي إننا يمكن أن نقدّم قدوة حسنة في التغيير والارتقاء من خلال الارتقاء بأسرتنا؟

قال الأب متعجبًا: وكيف ذلك؟

قال الابن: أود أن أسمع من حضرتك أولًا كيف يمكن أن يحدث تحسّن ملحوظ عليها؟ وما رأيك أن نطرح هذه المسألة للنقاش بيننا جميعًا؟

أثارت الفكرة انتباه الأب والأم وبقية الأسرة المكونة من خمس أفراد، وبدؤوا يطرحون أفكارًا كثيرة تتسم بالإيجابية والإبداع عما يمكن أن يفعلوه، وأحسوا لأول مرة أن النقاش يدور عن شيء يخص تحسين مصلحتهم الشخصية والأسرية، ويمكنهم المشاركة فيه بحسب إمكاناتهم، وتطبيقه يدور فيما هو في حيز طاقاتهم المتاحة أو الممكنة.

وبعد أن طرحوا الكثير من الأفكار، سأل الوالد ابنه صاحب الفكرة: وأنت ما رأيك؟

قال الابن: برأيي أن ما فعلناه اليوم إنجاز عظيم، وهو: أن نتشارك الأفكار والحوار البنّاء، وأن تستمع لنا يا أبي بصدر رحب، لكن تبقى أفكارنا هذه أفكارًا وأحلامًا لا ننتفع بها إذا لم نبدأ بترشيدها، واختيار أفضلها لنعمل له تخطيطًا وجدولًا زمنيًّا نلتزم به؛ لنحسّ لذَّة النجاح والظفر.

شكره الوالد، وقالت الأم: وما اقتراحك؟

الابن: نعقد كل شهر أو أسبوعين اجتماعًا نلقي فيه سؤالًا واحدًا عن كيفية تحسين وضع أسرتنا في مجال من المجالات أو مستوًى من المستويات، ونحاول الإجابة عليه بجِدّية واهتمام؛ كأن يكون السؤال لهذا الشهر مثلًا: ما الذي يمكننا أن نفعله لمزيد من الإيجابية في التعامل مع المشكلات الاقتصادية التي تواجهنا؟ أو كيف نرفع من درجة تواصلنا مع الأقارب والأصدقاء؟ أو كيف نقرأ مزيدًا من الكتب النافعة في الشهر الواحد؟

أعجبت الأب والأم الفكرة، وكذلك إخوته، وحدَث بعد أشهر معدودة تغيّر ملموس في حياة الأسرة، وصار الأب يتباهى بفكرة ابنه في مجالسه مع أصدقائه، وعلّق أحد الأصدقاء على ذلك في أحد المجالس بقوله: ما شاء الله، إننا نغبطك على مثل هذا الابن الذي يفهم أن أي تحسُّن على مستوى نفسه وأسرته ينعكس إيجابًا على مجتمعه وأمته، لكن الأب قاطعه قائلًا: على أن ذلك لا يمنع من النقد البنّاء في القضايا المجتمعية، فتبسم الجميع وقال صاحب المجلس: ليتنا ننفذ فكرة ابنك في مجلسنا هذا؛ فنستمتع بجلستنا وننتفع بوقتنا، فأبدى الحاضرون سعادتهم بالاقتراح، وانتفعوا جميعًا بالفكرة.

وهذه فتاة أخرى نالت قسطًا ممتازًا من الثقافة العلمية والتربوية تجلس مع أسرتها يومًا فتقول مقترحة لوالديها وإخوتها: "إن أسرتنا يمكن أن تجعل من نفسها أسرة نموذجية.

نظروا إليها باستغراب واندهاش، فأكملت: إننا بالطبع لا نعرف المستقبل، لكننا يمكن أن نفعل الأشياء التي مضت سنة الله – تعالى – في كونها تؤدي إلى أوضاع جيدة.

قالت الأم: وما هي؟

قالت: أن نحاول دراسة كل خطوة نريد الإقدام عليها دراسة جيدة؛ حتى نتمكن من اتخاذ القرارات الصحيحة قدر الإمكان.

قالت الأم: هذا شيء جيد وصحيح.

أكملت الابنة: وهناك شيء آخر أشار إليه قوله تعالى: {وَالعَاقِبَةُ للتّقْوَى}[طه: 132]. أي إننا إذا اتقينا الله؛ فإن نهايات أمورنا ستكون خيرة وطيبة في الدنيا والآخرة"[1].

وهذا معنى جميل، فإن الوصول إلى أهدافنا المشروعة يمكن أن يمر عبر وسائل وطرائق كثيرة، منها الحلال والحرام، لكن سيظل اختيارنا للعمل وَفْق مراد الله، هو ما يميز هُويَّتنا وقيمنا ورؤيتنا كمسلمين.   

          مثل هذه الأفكار - وغيرها كثير - يمكن أن تساهم في تحسين وضعية أُسرنا بما يتوافق مع قيمها وإمكاناتها وقدراتها، فأي أسرة ترتقي بنفسها تخدم نفسها وراحتها المستقبلية بدايةً، وتشكّل لبنة قوية في بناء المجتمع، ومساهمة فعالة في خدمته وخدمة الإنسانية، وكل أسرة تترك سبيل الارتقاء يتجاوزها الزمن، وتقلّ فرص تحسّن وضعيتها، وتنخفض حيويتها، وقد تُفاجأ في أوقات متقدمة من عمرها: بأنها أضاعت عمرها دون تحقيق أي تقدّم يذكر على أي مستوى من المستويات، ما عدا التقدم في العمر.

 

[1]- أ. د. عبد الكريم بكار، سلسلة التربية الرشيدة، الجزء الأول (مسار الأسرة)، دار السلام لطباعة والنشر والتوزيع، بتصرف.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- سيد عثمان - مصر

05 - شعبان - 1438 هـ| 02 - مايو - 2017




جميل جدًّا يا أستاذ يوسف طرح الحوار من خلال نقاش بناء بين أبناء الأسرة الواحدة، أسلوب شيق يجعلك تستفيد وتستلذ بما تقرأ.

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...