بابا قال لي...!

تحت العشرين » صوت الشباب
20 - ربيع الآخر - 1441 هـ| 18 - ديسمبر - 2019


1

المصدر: مجلة نيوروبين ماقازين (هيرالد كارب)                  

بابا مشغول بي وبأحوالي منذ صغري، إنه يحبني ويخاف علي، منذ طفولتي الباكرة وهو دائم الإرشاد لي على التمسك بأسباب النجاح بالمدرسة، كل يوم يتحدث معي حول كيفية المداومة على المذاكرة وحل الواجبات، كنت أحتاج دوما لنصائحه القيمة، ولكن الذي يقلقني منها أنه عادة ما يقارنني ببنات الجيران وبنات أختي التي تكبرني حيث إن لديها بنتين ذكيتين جدا.

كبرت وتزوجت ولكن رغماً عن ذلك لم يترك عادته، لما كان يقود السيارة لزيارة أحد أقاربنا شاهد تلك الفيلا الضخمة التي تمتاز بالجمال والبهاء، قال لي: "هل شاهدت هذه الفيلا؟ ومن أسلوب كلامه توصلت فورا لما يرمي فقلت له: ماذا تقصد يا بابا؟ هل تحب أن تقارن بين منزلنا وبين هذه الفيلا؟

لم يجب عن سؤالي ونظر بعيدا – استطردت في حديثي "إن منزلنا صغير ولكنه يمتاز بالقوة والمتانة ويستطيع الصمود أمام أي عامل من العوامل الجوية مهما كانت قوتها سواء أكانت رياحا عاصفة أم أمطارا غزيرة، وإنني قمت بعملية صيانة كاملة له وسددت كل الضرائب الخاصة بالبلدية، ولعلمك يا بابا إن أسعار العقارات قد هبطت بصورة مريعة، بينما أسعار مواد البناء في ارتفاع مستمر.

بعد إنهاء كلامي الساخن – ندمت على هذا الاندفاع في الإجابة المتكاملة حسب ظني حيث قمت فورا بإجراء عملية المقارنة التي لم يشر إليها، تغاضى عن التعقيب عن كلامي واستطرد في الحديث "هل شاهدت هذه السيارة الفخمة التي تقف بجانب تلك الفيلا؟ نظرت لتلك السيارة فوجدتها في غاية الفخامة.

رغما عن الندم الذي انتابني من وطأة الإجابة الأولى إلا أنني ما زلت في قرارة نفسي أحمل نفس المرارة، مرارة المقارنة والمقارنة.

أجبته إنها تمتاز بالقوة والفخامة ولكنها تصرف الكثير من الوقود، وإن صاحبها يعمل بعيدا مما يزيد من حجم تلك المصروفات.

وإن عملية امتلاك سيارة صغيرة ذات استهلاك بسيط للوقود تعتبر عملية اقتصادية في حد ذاتها – وان أي إنسان يركب سيارة تتناسب ووضعه الاجتماعي والحياة التي يعيشها بجانب الأماكن التي يزورها – قاطعني والدي فقال: "لكنك وزوجك تستخدمان وقودا غالي الثمن بالنسبة إليكما أليس كذلك؟ أجبته "إننا نسكن بالقرب من مكان عملنا وننفق أموالا قليلة على مشاويرنا الأخرى، أما هذا المليونير فهو يسكن بعيدا عن مكان عمله وإنه يصرف نقودا على الوقود يضاعف ثلاث مرات قدر ما نصرفه نحن على الوقود.

وأراد أبي التمادي في غيظي حينما شعر أنني مندفعة في الحديث وغيّر الموضوع بسرعة حيث قال: "إن هذا المليونير يمتلك يختاً جميلاً فهل سوف تفكرين في امتلاك مثل ذلك اليخت؟ أجبته – لم لا – إذا وافق البنك الذي أتعامل معه بتسليفي مبلغا محددا من المال يمكنني شراؤه، أي إذا قمت برهن منزلي لاسيما وأن أسعار المنازل قد هبطت كثيرا.

بعد رجوعي للمنزل – اضطجعت على سريري وتذكرت كل ما دار من نقاش بيني وبين أبي،  ونقمت على ما يقوم به أبي من عملية المقارنة المستمرة مع كل ما يمت إلي بصلة، إنني مؤمنة بأن لكل إنسان طموحات ومقدرات يتفوق فيها، من الأطفال من يتفوق في مادة الرياضيات ويكون غير متفوق في المواد الاجتماعية، ومنهم من يتفوق في المواد الاجتماعية ولا يرغب أبداً في الرياضيات وهكذا. إلى جانب هذا هنالك الهوايات فمن البنات من تتفوق في ممارسة الألعاب الرياضية وأخريات يتفوقن في ممارسة الرسم وهكذا.

إن لكل طفل تطلعاته وميوله ورغباته وحتى الأخوات بالمنزل تتغير رغباتهن وتطلعاتهن وبالتالي تختلف اهتماماتهن، فعلى الوالدين أن يحذرا من إجراء عملية مقارنة، ويجب أن يؤمنا بأن لكل إنسان شخصية مختلفة عن الأخرى ولا سبيل لعقد مقارنات أياً كانت نوعها.

إنني عانيت كثيراً من  إجراء تلك المقارنات حتى إنها أثرت على نفسيتي سلباً، حيث أصبحت أنظر إلى كل من يتفوق علي بنوع من الحسد ممزوج بالكراهية، ومن ثم أصبحت أنقم على والدي الذي حصرني في ذلك المكان الضيق، حيث أصبحت أفكر في الكراهية أكثر من مبادلة مشاعر الحب لأحب أصدقائي وجيراني.

هذا الشعور جعلني أنظر بعين الحسد والغيظ لكل إنجاز صادر من أعز أصدقائي، وأحاول قدر جهدي التوصل لما توصل إليه.

إن عملية إجراء المقارنات تولد في النفس مرارات كثيرة لا يحسها إلا من ذاق تلك المرارات؛ أهمها الشعور العدواني المتمكن من النفس تجاه أعز الأصدقاء والأقارب، النظر بعين الحسد لكل إنجاز أنجزه ذلك الإنسان العزيز، مما دمر كل العوامل الأخوية والأسرية بيني وبين من أحب.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...