بداية وقوفي

أدب وفن » آراء وقراءات
16 - ربيع أول - 1423 هـ| 28 - مايو - 2002


كتب "سعيد عاشور" قصيدته الأولى منذ سبعة أعوام تقريباً، وخلال هذه السنوات السبع كتب هذه القصائد الثلاثين ـ التي عدّها ثلاثين جمرة ـ يعبر فيها عن ذات تكتوي بالشعر، فتأبى إلا أن تخرجه جمراً يكوي قلوبنا، قبل أن يشعل الحرائق في هذا الواقع المتخثر الذي يعيشه كما نعيشه، ويُعاني منه كما نُعاني.

يفهم سعيد عاشور الشعر فهماً خاصاً، حيث يراه تعبيراً عن مأساته التي هي مأساة الجماعة، حيث يرى نفسه محاصراً بين قوسين، فهو يُعاني مشقة العمل نهاراً (حيث يعمل نجارا مسلحاً) ويعلم نفسه ليلاً، ويرى أنه يعيش في عالم قاسٍ يمتلئ بكل صنوفِ القهر، للفقراء والضعفاء. ولذا لا نعجب إذ نراه يقول في أولى قصائد الديوان (قصيدة "ساعة ميلاد القصيدة"):

تحصرُني كلُّ الأمواجْ

كل الأشياء بعنفٍ تصفعُني

ضاق الصدرُ بمن حولي

داخلَ هذا الكونِ المظلمِ ينمو القهْر

يزدادُ الشَّرُّ ويستفحلْ

والخيرُ بصيصٌ من نورٍ ينمو عن بُعدْ

ولكن رؤيته الإسلامية الناصعة جعلته لا يفقد الأمل، فهو يرى ـ فيما يراه من صور تبعث على القنوط واليأس ـ بصيصاً من أمل. إنه يرى شعاعاً من نور عن بعد، وهذا الشعاع قد يصبح ضوءاً باهراً (لاحظ لفظة "ينمو" وإشعاعاتها)، نرى من خلاله الحياة أجمل! هذه الحياة التي تحفل بصنوف القهر المادي والمعنوي، له، فما عليه إلا أن يحلم بغد جميل قد يجيء!

أجري مشفوعاً بالوهمْ

وفراشُ الزهر البراقُ / الضوء الساري

قدْ يقتلهُ

لكنّ النَّفَس الإيماني ـ أو قل الشعلة الإيمانية ـ عنده لا تنطفئ، وكأته واثق من المستقبل، وينادينا: لا تنخدعوا بما ترون، فخلف ما نراه من مناظر التخثر والسقوط، هناك عالم آخر يزخر بالعطاء، فلننظر إلى البحر، حيث الجيف طافية على السطح، والبحر يزخر باللآلئ؛ فمن يستطيع المعاناة مع الشاعر لإخراج اللآلئ من القاع؟

بالبحر .. اللؤلؤُ دثَّرَ وجهَ القاعْ

والجيفةُ تعلو الموجْ

وإن للقصيدة وجهاً آخر يمكن قراءته، دون تقوُّل على القصيدة، أو إنطاقها بما لم تقله ـ فالقصيدة الحقيقية هي عالم رحب، وحمّالة أوجه ـ فالبحر هو المجتمع، وما نراه على السطح، يملأ الساحة ويحتلها، إنما هو صور شائهة للجيف، بينما الدر كامن في الأعماق. فهل ينتصر الفقراء والمطحونون الذين يُعانون في هذه الحياة معاناةً قاسية، قد يفيضُ الكيلُ بشاعرهم فيقول:

بزماني أتجرعُ كُل كُؤوسِ المُر

الطينُ / سوادُ الكحل على العينينْ

ظمآنٌ لبصيصِ الضوء

لو يطلعُ من أعماقِ الفجر

لكنَّ الأشرارَ الليلةَ همْ أربابُ العصر

وتنتهي القصيدة كما بدأت بالأشرار الذين يسيطرون، ويحكمون. ويبقى الشعر بصيصاً من نور، يبشر على استحياء، ويحلم بفردوس للفقراء، في هذا الكونِ المظلمِ الذي ينمو فيه القهْر، ويزدادُ الشَّرُّ ويستفحلُ في جنباته!

وفي قصيدة "بركة من دماء الصبار"، نرى سعيد عاشور الإنسان، الذي يؤلمه جرحه، ويبكي أشواقه الخاصة، ووحدته القاسية، يحلمُ بالغد الجميل (لقاءِ اليومِ / الجنةْ) الذي لا يجيء:

يؤلمُني جرحي

أعرفُ أني مجنونٌ

.. أعرفُ أني

أحيا دون لقاءِ اليومِ / الجنةْ

أحيا عند رحيل البدرِ / النورْ 

أحيا وحدي .. شدوي حُزْنٌ

صوتي ناقوسٌ دقَّ بلا أصواتْ

لحني مخنوقُ النبراتْ

شعري مسلوبُ الكلماتْ

ولعل قسوة الواقع في مواجهة شاعرنا ـ فيما يرى ـ طبعته بطابعها، فكتب بعض القصائد التي لا ترضي المُتابعين لتجربته، ويرون فيها نشازاً مع شخصه الودود المحب، الذي يأسى لما يُصيب الإنسان في مكان من جور وقسوة.

ومن هذه القصائد قصيدة "الوصية الأولى"، حيث يعبر عن لحظة ضيق خانقة، أقرب إلى اليأس والقنوط، منها إلى الثورة والتمرد، حيث يطلب من أحفاده أن يكونوا قساةً في مجتمعهم، وأن يتعاملوا مع أفراده بغير هوادة:

عشْتُ أقولُ لكلِّ حفيدٍ من أحفادي

يأتي حتى الجيلِ الألفِ أو المليونْ:

لوْ تأتيكَ الفرصةُ يوْماً

  أنْ تحكمَهُمْ

حكِّمْ فيهمْ قبضةَ سيْفِكْ

واذكرْ أنَّ الجدَّ الأكبرْ

  يوماً، كانْ

يجلسُ فيهِ معَ الحرمانْ

كانَ تعَلَّمَ كلَّ فنونِ الصمْتِ المُرّْ

لوْ لمْ تأْتِ إليْكَ الفُرصةْ

فاصمتْ قهْراً

مثلَ الجدِّ الأكْبرِ لكْ

لقد ظللت حتى السطر الخامس أتوقع أنه يتحدث عن عدو فاحش في عداوته كيهود إسرائيل، ولكني أصابني الحزنُ ـ حقيقة ـ حينما قرأتُ ما قرأتُ!!

***

لا يمكنك إلا أن تشعر بالنشوة الوجدانية وأنت تقرأ قصائد سعيد عاشور الوجدانية، التي يوجهها إلى زوجته في طنطا، والذي دفعته ظروف العمل أن يُفارقها سنوات طويلةً للعمل في ليبيا والمملكة العربية السعودية، يقول في قصيدة "ستُبحر روحي" التي نشرتها "المجلة العربية" (عدد إبريل 2000م):

إلى مقلتيكِ ستبحرُ روحي

ومن شفتيك بريقُ الكلام المحبِّ لروحي

دعيني لصمتي وإبحارِ روحي

ملاذاً مريحاً إلى نهر حبك

أغوص وقلبي على الضفتين

ينازع فيك هواك الجموحا

على أن يعود فيهوي صريعا

ويتحدث عن زوجته التي فتّحت أمامه أبواب الحياة الصعبة والمستحيلة، فرأى الحياة وكأنها جنة الله على الأرض، ولكن هذا الباب الذي فتحته (على المستحيل) كان من ثماره المرة: الغربة، ومحاولة استلال لقمة العيش من أيدي القهر، حيث تحاصره أمواجُ الحياة في بحارها المتلاطمة، وكل الأشياء بعنفٍ تصفعُه، وحيثُ يضيق الصدر أحياناً بمن حوله، ولا يرى في غربته المكانية واغترابه النفسي أن هذا لكون موبوء ولا برء ـ كما يقول صلاح عبد الصبور ـ أو كما يرى هو أن داخلَ هذا الكونِ المظلمِ ينمو القهْر، ويزدادُ الشَّرُّ ويستفحلُ، والخيرُ بصيصٌ من نورٍ ينمو عن بُعد.

لكن الشاعر ـ وقد قبض  بيديه كلتيهما على جمرة الشعر الحقيقية، لا يمكنه أن يتراجع:

فباباً فتحتِ من المستحيل

فبانت طيورٌ وحباتُ نبقٍ

ونهرٌ مصفّى بأنقى الخمور

فتاهتْ دروبي …

وكان الرجوعُ إلى الخلف صعبا

وكان الرجوعُ إلى الخلف صعبا

ومن قصائده الجميلة قصيدة "اشتياق" التي يوجهها من غربته ـ في الرياض ـ إلى زوجته "أمِّ الهيثم"في طنطا، ويقول فيها:

اشتقْـتُ أمَّ الهيثــمِ      

اشتَـقتُ باسمة الفـمِ

اشتقْـتُ رؤياكِ الَّـتي      

هيَ بهْجـتي وترنمي

اشتقْــتُ منكِ لنظـرةٍ       

ونضيـد ثغْـــرٍ مُلهَــمِ

ويدٍ تلامِـسُ مُهجـتي     

فـي أنَّتي و تألُّـمــــي

وحنانِ صَـدرٍ دافـــئٍ     

في ثورتي وتَحـطُمـي

يسري إليَّ بطيفكـــم     

ْفي يقظتي وتنــوّمــي

متجرعُُ كأسَ الفراقِ      

بحســــرةٍ  وتنـــــــدّمِ

أنتِ الَّتـي حـُلـمُُ يُــرا     

ودُ مُقلـتـي، فلتعلمــي

تحية إلى "سعيد عاشور" وهو يقدم لنا ديوانه الأول، ونرجو أن يلقى من العناية والحدب النقدي، ما هو به جدير.



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...