براءة تهبط من السماء

واحة الطفولة » واحة القصص
12 - ذو القعدة - 1432 هـ| 10 - اكتوبر - 2011


1

أحبائي الصغار تعالوا نتعرف معًا كيف يُدافع الله عن الذين آمنوا، ولا يتخلَّى عنهم أبدًا.  

ذات مرة، كان النبي r راجعًا هو والمسلمون من غزوةٍ، وكانت معه زوجته عائشة- رضي الله عنها- وفي الطريق كانت عائشة - رضي الله عنها- تركب على جمل، وتجلس داخل هودجها (الهودج يشبه بيتًا صغيرًا له ستائر يوضع فوق الجمل لتركب فيه المرأة ولا يراها أحد)، وقبل أن يصل جيش النبي r إلى المدينة، توقف قليلاً في مكان مُتَّسع للاستراحة، وعندئذٍ شعرت عائشة ـ رضي الله عنها-  بحاجتها للذهاب إلى الخلاء (الحَمَّام)، فنزلت من هودجها في هدوء، وسارت بعيدًا حيث لا يراها أحد، فقضت حاجتها، ثم اتجهت عائدة إلى هودجها، وإذا بها تكتشف أن عِقْدها قد سقط منها، فأخذت تبحث عنه، فتأخرتْ.

تحرك الجيش دون أن ينتبه أحد إلى غيابها؛ لأنها لم تخبر أحدًا حين تركت هودجها، ظنًّا منها أنها لن تتأخر، وحسب الجميع أنها داخل الهودج ولم تخرج، وحين وجدت عائشة العِقد وعادت إلى مكان الجيش لم تجد أحدًا، ففكرت أنهم لابد سيشعرون بغيابها فيعودون لأخذِها، فجلستْ في مكانها ولم تتحرك حتى نامت وهي تنتظر.

المنقذ والمنافق:

كان صفوان بن المعطل- أحد الصحابة- قد تأخر هو الآخر عن الجيش قليلاً، ليجمع الأشياء التي يمكن أن تسقط،  أو ينساها أحد من المسلمين، فلما وصل إلى الموضع الذي كان الجيش يستريح فيه، أخذ يتلفت لعله يجد شيئًا مَنسيًا، ففوجئ بأنهم نسوا أم المؤمنين عائشة، فاندهش وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم أركبها على جمله، ومشى أمامه يقوده حتى لحقا بالجيش.

          وعندئذ رأى زعيم المنافقين- واسمه عبد الله بن أُبَي- الصحابي صفوان يقود الجمل الذي تركبه عائشة، ففكّر هذا المنافقُ بسرعة كيف يستغل هذا الموقف في إيذاء النبي وزوجته وصفوان، وتشويه سمعتهم؛ وذلك حتى يترك الناس الإسلام، وينفضوا عن النبي r، وتعود لهذا المنافق زعامته على قومه.

زعيم المنافقين يخطط لفضيحة:

اجتمع زعيم المنافقين مع أصحابه المنافقين- الذين يُظهرون الإيمان ويخفون كراهيتهم وبغضهم للإسلام والمسلمين- واتفق معهم على أن ينشروا في المدينة كلامًا قبيحًا عن سبب تأخر عائشة عن بقية الجيش، وقام زعيم المنافقين بعمل خطة لحَبك هذا الكلام الكاذب، والافتراء على زوجة النبي r، حتى يصدّقه المؤمنون.

وبدأ المنافقون ينشرون هذا الحديث الكاذب بين المسلمين، فكان المنافق يجلس بينهم، ويأخذ في إلقاء الكلام عن وجود علاقة آثمة بين أم المؤمنين عائشة والصحابي صفوان، فرفض كل المسلمين الاستماع لهذا الكلام القبيح، ولم يصدقوه، وقال المؤمنون: إذا كنا لا نصدق أن يحدث هذا من رجل أو امرأة منَّا، فكيف نصدقه في حق عائشة! وهي من أطهر النساء وأشرفهن، وأحسنهن خلقًا وأدبًا. إلاَّ أن اثنين أو ثلاثة من المؤمنين خدعهم المنافقون بأكاذيبهم، وصدقوا بهذا الأمر.

همٌّ وغمٌّ:

سمع النبي r بأكاذيب المنافقين منذ دخل المدينة، وعلم هو والمؤمنون بالتهمة القذرة التي ينشرها المنافقون عن عائشة، وأحسوا جميعًا بالضيق والألم، ولكن مَن الذي يستطيع أن يُظهِر براءة عائشة بشكل أكيد؟ ويُخرس ألسنة الكذب والسوء والنفاق، ويفضح المنافقين ودسائسهم، لا أحد سوى الله عز وجل.

مكث النبي r وأصحابه شهرًا كاملاً يعانون من هذا الابتلاء، وينتظرون حلاً لهذه المشكلة، ولا أمل إلا في الله تعالى، فالنبي r بشر لا يعلم الغيب، كل ما يعلمه أن عائشة زوجته هي من أفضل المؤمنات خُلقًا، وأما الصحابي الذي أوصلها، فالنبي r يشهد له بحسن الخلق، وكمال الإيمان.

عائشة تعاني وتبكي:

أفاقت عائشة من مرضها الذي ألزمها الفراش ما يقرب من الشهر، فعلمت بما يقوله الناس- وكان النبي r قد أخفي عنها ذلك طيلة فترة مرضها رحمة بها- فلما علمت بالتهمة الشنيعة مرضت أشد وأكثر من مرضها الأول.

          وكان النبي r خلال هذه الفترة العصيبة ينتظر نزول الوحي ليكشف له وللجميع الحقيقة، وأما عائشة فكان إحساسها بفظاعة التهمة يضاعف آلامها، ويزيد أحزانها، فلم تكف عن البكاء، واستأذنت النبي r في الذهاب إلى بيت أبيها، فأَذِن لها.

المواجهة القاسية:

بعد مُضي شهر، وكان الحزن والهم قد بلغا بالنبي r والمؤمنين وعائشة أقصى درجاتهما، دخل النبي r على عائشة في بيت أبيها، وكانت جالسة تبكي، وطلب منها أن تخبره بحقيقة الأمر، فطلبت عائشة من أمها وأبيها أن يردا على النبي r، فقالا: لا ندري ما نقول، فقالت عائشة: والله لقد سمعتم بهذا- أي الاتهام - حتى صدقتم به، وإن قلت لكم إني بريئة- والله يعلم أني بريئة- لا تصدقوني.

دليل البراءة القاطع:

ما أن انتهت عائشة من كلماتها حتى نزل الوحي على النبي r بقوله تعالى:

)إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ، بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11) .... إلى قوله تعالى: )يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17) ( سورة النور: 11 - 17.

كانت هذه الآيات نهاية المحنة، وإظهارًا لبراءة عائشة، فظهر الفرح والسرور على وجه النبي r وقال: "أبشري يا عائشة، فقد أنزل الله براءتك". فقالت: أحمدُ الله الذي أنزل براءتي.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...