بناء العالم يبدأ بك!

كتاب لها
11 - ذو القعدة - 1437 هـ| 15 - أغسطس - 2016


1

في خضم الصراعات والنزاعات التي تنبثق كل حين في بقعة من بقاع العالم التي تحيط بنا، وتنعكس آثارها علينا جميعًا، تُلح تساؤلات مُؤرِّقة على عقول أكثرنا؛ مثل: ما الذي أدى بنا إلى هذا المصير الذي يبدو مؤسفًا؟ ولماذا تسير الأمور من سيئ إلى أسوأ؟ فلا العقلاء قادرون على وقف هذا النزيف الدامي، ولا السلطة أو القوة المفرطة قادرة على ردع المتنازعين أو مثيري الفتن والصراعات!

 وهكذا نقف حائرين لا نملك إلا المزيد من الحيرة والارتباك، وإعادة طرح مثل هذه التساؤلات كل يوم على أنفسنا، خاصة مع وجود احتمالية دائمة أن تصيبنا شظايا هذه الصراعات المستعرة من حولنا، إن لم تكن قد أصابتنا بالفعل.

أحب بداية أن نتأمل سويًّا في هذه القصة القصيرة، التي تحكي أن أبًا كان يقرأ جريدته الأثيرة في الصباح، وطفله يلعب بجواره ويصدر ضوضاء مزعجة، فأحب الأب أن يشغل طفله بشيء مفيد ليستمتع هو بقراءة جريدته، فوجد في صحيفته خريطة للعالم.

قص الأب الخريطة من جريدته، وقسَّمها أجزاء كثيرة، وطلب من طفله أن يعيد ترتيب خريطة العالم، ظنًّا منه أن طفله لن ينتهي من ذلك قبل ساعة على الأقل. لكن قبل أن تمضي بضع دقائق كان الطفل قد أعاد ترتيبها كاملة صحيحة، فاندهش الأب وقال: كيف فعلتها؟

الابن: كان في ظهر الخريطة شكل إنسان، فلما أعدتُ بناء الإنسان أعدتُ بناء العالم.

انتهت القصة، ولكنها أرسلت لنا رسالة قوية؛ بأن كل المحاولات التي يبذلها العالم المتقدم أو المتأخر لوقف ما يجري من هدم للإنسان ولمعالم الإنسانية والتحضر، أو بناء المزيد من البنيان الحضاري بكافة الوسائل والطرائق، لن تجدي نفعًا في حل مشكلاتنا المتفاقمة، ما لم تعتمد على بناء الإنسان بناءً قيميًّا، غايته الظاهرة والباطنة هي الإصلاح لا الإفساد، واحترام الإنسان وتكريمه لا سفك دمائه، والتعاون والتنافس في الخير لا الشر والعدوان، والعدل لا الظلم، والرحمة لا التجبر والانتقام ..إلخ.

إن إعادة بناء الإنسان؛ خليفة الله في الأرض ـ الذي خلقه الله ليصلح في الأرض ويستعمرها ـ ليست بالمهمة السهلة، لكنها البداية الحقيقية لانتشال أنفسنا وعالمنا من واقعنا المأزوم، ولبناء العالم الذي ننشده.

هذه مهمتنا جميعًا مادمنا أحياء، وهي رسالتك التي ينبغي لك أن تحيا وتموت من أجلها، فهي ليست مسؤولية حاكم أو أمير بعينه، بقدر ما هي مسؤولية الكل، كلٌّ حسب موقعه، وقدر وسعه.

فليكن انشغالنا هو استعادة بناء أنفسنا على مراد الله، وبالقيم التي استخلفنا الله بها، لا التي يريد الشيطان أن يستعبدنا بها للدنيا وللأهواء؛ إذ تلك هي البداية، أيها الإنسان.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- زينة ابو حسنين - مصر

12 - ذو القعدة - 1437 هـ| 16 - أغسطس - 2016




نتمني ان يبدء كل انسان بأصلاح ذاته اولا والسعي الدائم لنكون أفضل مما نحن عليه.. بالتوفيق

-- أحمد الشامي - فلسطين

12 - ذو القعدة - 1437 هـ| 16 - أغسطس - 2016




كلمات رائعة مختصرةولكنهااصابت كبد الحقيقة فكل فرد مسئول يجب ان يؤدي مهمته لنصل إلى ما ننشد من صلاح المجتمع بأسره... شكرًا لك أستاذ يوسف وبارك الله فيك وتمنياتي لك بمزيد من التقدم والرقي وننتظر كل ما هو جديد ..دمت بخير

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...