بين الخطوط الحمر والخضر لها أون لاين - موقع المرأة العربية

بين الخطوط الحمر والخضر

مصلحة الدعوة إلى الله

كتاب لها
23 - شوال - 1433 هـ| 10 - سبتمبر - 2012


1

إن أخطر موضوع يتطرق إليه الكُتَّاب في هذه المرحلة من حياة الـدعـوة الإسـلامية موضـوع مصلحـة الـدعوة إلى الله. وهنا تبرز أسئلة شتى:

ما الدعوة إلى الله؟ وما طبيعتها؟ وما حدودها؟ وما إمكاناتها، وكيف تقدرها؟ وما عوامل النجاح التي تسعى إلى تحقيقها؟ وما العوائق التي تعترضها؟ وكيف تعالجها وتقف منها؟ وكيف يقاس انتهاء مرحلة (ما) لتتجاوزها الدعوة إلى وضع آخر تتعامل معه وفق تصور معين، وبرنامج مُعَدّ، وتخطيط جديد وعمل مدروس، وأهداف مرسومة، ووسائل مكافئة؟

من الذي يحكم على هذا العمل بالتخبط أو التوازن؟ بالعقلية أم بالجنونية؟ بالهدوء أم بالانفعال.. إلخ.

أسئلة كثيرة وأطروحات متنوعة، وإجابات مختلفة وتصورات متباينة تتشعب، وحلول كثيرة تطرح عندما تناقش هذه الأمور في أروقة الدعوات اليوم وممن يهمهم أمر الإسلام؛ كلٌّ يدلي بدلوه في هذا المجال (كما يقال) والله أعلم بالصواب.

إن أية أمة يكثر فيها الجدل والكلام، ويقل العمل والجهد تصاب بداء الاختلاف المذموم (أو الخلاف).

إن مشكلتنا اليوم أننا أمة نريد أن نصنع الحياة قبل أن نفهم الحياة، ونعرف ما تتطلبه منا... نريد أن نصنع الحياة، ولا ندري بِمَ تُنال السعادة فيها ويُتجنب الشقاء؟

نريد أن نصنع الحياة، والكثير منا لا يفقه المشروع الكبير الذي يُحقق فيه معنى الحياة الكريمة في ظل منهج رباني كبير.

إنه لا بد أن تكـون مرجعية مستقلة مخلصة داعية مستنيرة ذات فهم عميق لهـذا الدين وطـبيعـتـه ومقـاصده، لا تساوم على عقيدتها.

مرجعية تفقه الواقع وتعيه، ولها تجربة مذخورة في سيرتها تتطلع إلى استشراف المستقبل؛ وهي تسبر الحاضر والماضي.

هذه المرجعية هي التي نرجع إليها في تفسير الأحداث، ونرجع إليها لنحصل على توصيف شامل لتلك الأسئلة السابقة؛ نتبع ما تتوصل إليه من خلال اجتهادات مضبوطة سواء أصابت أم أخطأت. إن لم تفعل ذلك فسنظل عرضة للتخبط والانتكاس.

في ضوء ذلك يمكننا أن نطمئن إلى حد ما أننا - ونحن نحمل همَّ الدعوة ومصلحتها -  نسير مسيراً حسناً، ومن ثَمَّ لا تتحول مصلحة الدعوة إلى مشـجـب يعلـق عليه مـا رث، وما طاب، أو إلى أمنية ذات بريق لا ندري أسـراب هو أم نور؟

ولكن كيف تتكون هذه المرجعية، وتلتقي؟ ومن يختارها، وأين تجتمع ومتى؟ أسئلة لا أود الإجابة عنها؛ لأنها ليست من مجال هذا الموضوع.

هاك - أخي القارئ - أمثلة من واقع الدعوة الإسلامية في فجر تاريخها... أمثلة رائعة مشرقة:

هاجر المسلمون إلى الحبشة  أرض النجاشي، واستأمنوه، فأمَّنهم، وارتاحوا عنده، وأقاموا شعائر دينهم دونما مضايقة من أحد، ولكن هل تركتهم قريش يمرحون في تلك الديار؟

لقد لوحقت الفئة المؤمنة المهاجرة؛ فهاهي قريش تكلف عمرو بن العاص - قبل أن يُسلم - وعبد الله بن ربيعة، بمهمة جليلة بالنسبة إلى قريش هي: إقناع ملك الحبشة بتسليم المسلمين إليهما ليرداهم إلى مكة.

وقد أحضر الوفد القرشي إلى النجاشي وبطارقته هدايا، وأقنعا رجال الدين عنده بما جاءا من أجله؛ إلا أن النجاشي أراد أن يتوثق من مقالتهما، فأرسل إلى المسلمين ليقدموا عليه.

هنا تبرز قوة المرجعية المسلمة التي لا تساوم على العقيدة مهما بلغت التضحيات، وكانت النتائج.

قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول - والله - ما عُلِّمْنا، وما أمرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم كائناً ذلك ما هو كائن.

من خلال ما تقدم نلحظ قوة اليقين وبُعد النظر فيما اتفقوا عليه. إن مصلحة البلاغ وقول الحق، واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم قضايا لا تقبل المساومة: “كائناً ذلك ما هو كائن”.

اتفق المسلمون على أن يكلم النجاشي جعفر بن أبي طالب(١) - رضي الله عنه - ولم تمنعه غربته في بلاد النجاشي - البلد المضياف - أن يوضح للملك حقائق الدين، وأخلاقه، ومزاياه؛ بل كانت فرصة ذهبية طيبة أن يشرح معاني الإسلام لرأس الدولة، ولم يفته أن يبين له أنهم جماعة مؤمنة ربانية مظلومة، وأن قريشاً عَدَتْ عليهم - بغياً - ولم يُعَدَّ هذا التوضيح منه نوعاً من الخنوع، أو نمطاً من الوهن والاستجداء.

واستمع - أخي القارئ - إلى مقالة جعفر يوجهها إلى الملك متحبباً إليه:

”خرجنا إلى بلادك، واخترناك على سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نُظلم عندك أيها الملك”.

- هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟

- نعم!

- اقرأ عليَّ!

- قرأ جعفر صدراً من سورة مريم.

قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشـكـاة واحـدة. انطـلِـقا! فوالله لا أسـلمـهم إلـيكـما، ولا يكادون (وبكى، وبكى أساقفته حتى اخضلت لحاهم ومصاحفهم).

إنها لغة رقيقة ناعمة (دبلوماسية)، وجعفر استطاع - مع أصحابه - أن يختاروا ما يناسب المقام دون مساومة على أمر العقيدة بحجة مصلحة الدعوة. لقد ظلوا في الخطوط الخضراء، ولم يتجاوزوها إلى الحمراء. ولكن هل انتهت المحنة؟

اسمع ماذا قال عمرو بن العاص: “والله لآتينَّه غداً بما أستأصل به خضراءهم”.

- أيها الملك! إنهم يقولون في عيسى قولاً عظيماً؛ فسلهم عما يقولون فيه.

 فأرسل إليهم ليسألهم عنه.

قالت أم سلمة: “ولم ينزل بنا مثلها قطُّ”.

اجتمع المسلمون، وقال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى بن مريم إذا سألكم عنه؟

أنصت - أخي المسلم - إلى الجواب الجازم الحاسم؛ بلا غموض أو مخادعة أو طمس وتلبيس.

قالوا: نقول - والله - ما قال الله، وجاء به نبينا كائناً في ذلك ما هو كائن.

- قال لهم الملك: ماذا تقولون في عيسى بن مريم؟

- قال جعفر: هو عبد الله ورسوله، وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.

- قال لهم الملك: والله ما عدا عيسى بن مريم مما قلتَ هذا العود! اذهبوا فأنتم ضيوف في أرضي، من سبكم غرم، من سبكم غرم، ما أحب أن لي دَبْراً(١) من ذهب أي مالا، وأني آذيت رجلاً منكم.

إن موقف النجاشي أزعج البطارقة فتناخروا حوله؛ فاستغل هذا الخلاف رجلٌ خرج ينازع النجاشي، فسار إليه الملك، وهنا وقع المسلمون في غم جديد، فانتدبوا الزبير بن العوام ليكون طُلَعَةً على سير المعركة في ضفة النيل الأخرى.

كان الزبير من أحدث القوم سناً، فعبر النهر بقِرْبَة منفوخة جعلها في صدره؛ ثم سبح إلى ملتقى الجمعين، ودعا المسلمون الله أن ينصر الملك، ويظهره على عدوه، ويمكِّن له.

طلع الزبير على المسلمين ملوِّحاً بثوبه قائلاً: أبشروا؛ فقد ظفر النجاشي، وأهلك الله عدوه.

إنها مواقف تُعَدُّ من أنفس الوثائق في فن مخاطبة ذوي السلطان والحوار معهم، وفي فقه مصلحة الدعوة والثبات على المبدأ مهما كانت التضحيات، والجرأة في قول الحق، ولا سيما إذا تعلق الأمر في أصل من أصول الاعتقاد.

إن الإخلاص لله ورسوله ودينه، ولو كان على حساب الأرواح والمال والأولاد والأزواج والأرض من أسباب النصر والتمكين في الأرض؛ لأن الجماعة التي لا تكون مبادئها أثمن عندها مما تمتلك، فلن تحرز نصراً كاملاً، ولن يعبأ بها أحد.

ما أحوجنا إلى أن نعود إلى الحوار الذي دار بين النجاشي وجعفر - رضي الله عنه - وإلى موقف المسلمين منه، وإلى هذا الانتصار على الوهن وحب الذات والمال والدنيا والراحة.

لقد ثَقُلَ حِسُّ الدين في نفوس تلك الجماعة المؤمنة؛ فهو أثقل من الجبال، ولذا افتدوا دينهم بكل غالٍ ونفيس “كائناً ما كان الأمر عليهم”.

لقد مكَّن الله لهم، وأيدهم بالملك، ونصرهم على خصومه، وهزم الشرك وأهله، وتحققت مصلحة الدعوة دون الاقتراب من الخطوط الحمراء {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ}.

إن مـن يـسـتـمـع إلى تـصـريـحـات بعـض المسـؤولين عـن الحـركـات الإسـلامية أو المؤسـسـات الرسمية الديـنـية أو الأهلية في بلاد الغرب وأمريكا(١) بعد الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر - إن مَنْ يستمع إليها ليكاد يخجل من تلك التصريحات، أو من بعضها - على أقل تقدير - وكأن الإسلام صار في قفص الاتهام، لذا عليهم - إرضاء الغرب وأعوانه، خوفاً من تهمة الإرهاب - يلوون أعناق النصوص تارة، أو يضـعـونـهـا في غير مواضعها تارة أخرى، أو يقرؤون آية فلا يكملونها، أو يستشهدون بآية نزلت في نازلة، وظروف لا تشبه ظروفهم، أو لها أسباب نزول توجهها وجهة غير ما يريدون؛ فالمهم عندهم - باسم مصلحة الدعوة والمسلمين - أن يسترضوا أعداء الله علينا، فلا ضير بعد ذلك أرضي الله تعالى، ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أم لا.

إننا في هذا المقال لا نسوغ سلوكاً خاطئاً، أو تصرفاً جرَّ المزيد من الخسائر مهما كان حُسن النية يكتنف من سلكه؛ كما أننا لا نبرئ الجلاد والجزار مما وقع على الضحايا من ظلم وعسف، وإقصاء، وإهمال، وإنكار.

إننا بحاجة إلى مراجعة مسيرة ذاك الركب الأزهر الأطهر الصالح من أمثال جعفر وإخوانه  - رضي الله عنهم - قبل أن نتحمل أعباء هذا الدين الثقيلة التي تحتاج إلى رجال ثقال، وإيمان عميق ويقين بالله وثيق. يظن بعض من لا يفقه طبيعة دعوة الله وسيرة مَن تحمل في سبيل نصرتها، أو يجهل سنن الله لعباده المؤمنين، أو تخفى عليه أسباب نصر الله للمؤمنين - يظن هؤلاء أن الانتصار يكمن - دائماً في اندحار العدو أمام المؤمنين يُعملون فيه سيوفهم: فإذا كان الأمر كذلك؛ فلماذا عُدَّ أصحاب الأخدود من المؤمنين الصابرين المنتصرين على الطاغية على الرغم من أنهم صاروا وقوداً لنار تستعر بهم؟

ولماذا عُدَّ الغلام(٢) الذي دلَّ الطاغية العاتي على وسيلة موته، ليفوز هو برضا الله ثم الجنة، ولينتصر الحق والمبدأ. ولترتفع راية  الإيمان  بدماء زكية طاهرة - لماذا عُدَّ فتى قوي الإيمان عزيزاً؟

إن التعامل مع هذا الدين وأهله من منطلقات مادية أو مقاييس ضعيفة زائلة - جهل فاضح بحقيقة هذا الدين. ألا فلنعد إلى كتاب ربنا وسيرة نبينا صلى الله عليه وسلم؛ ففيهما الخير كل الخير، وما معركة أحدٍ عنا ببعيدة؛ ففيها دروس وعبر لا تقدر بثمن.

الإحالات (الهوامش)

 (١) هو ممثل الإسلام في الحبشة.

(١) جــبــــل.

(١) وفي بلاد شتى.

(٢) غلام الراهب.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


مالك فيصل الدندشي

إجازة في الآداب – قسم اللغة العربية / جامعة دمشق
دبلوم عال في الشريعة الإسلامية / معهد الدراسات الإسلامية في القاهرة

مالك فيصل الدندشي من سوريا - محافظة حمص والمولود في العام/ 1949م.
تلقيت تعليمي الابتدائي والمتوسط والثانوي في بلدتي ( تلكلخ ) ثم التحقت بالجامعة في مدينة دمشق, وحصلت على الإجازة ( بكالوريوس ) في الآداب – قسم اللغة العربية وتخرجت في العام 1974م.
عملت في التعليم العام في سوريا ثم في المعاهد العلمية التابعة إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية مدة إحدى وعشرين سنة وخلال هذه المدة سافرت إلى القاهرة وحصلت على دبلوم عال في الشريعة الإسلامية.
أعمل الآن مدرساً منذ تسع سنوات في مدارس الفرسان الأهلية وخلال إقامتي في الرياض حصلت على عشرات الدورات والورش والمشاغل في مواضيع مختلفة في التربية والتعليم.
كتبت العديد من المؤلفات والأبحاث والمقالات في موضوعات شتى.


تعليقات
-- يسرا - مصر

25 - شوال - 1433 هـ| 12 - سبتمبر - 2012




جزاك الله خبرا
تلك واقعنا نبحث عن النهضة والمدنية أو كما نسميها والخير أمامنا واضح جلي ....
نسأل الله العظيم القيوم أن يصلحنا ويرزقنا الرشد انه ولي ذالك وهو القادر عليه

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...