15 - جماد أول - 1438 هـ| 11 - فبراير - 2017
بيوتنا وثقافة الشورى الغائبة!
بيوتنا وثقافة الشورى الغائبة!

البيت كما نعلم هو المدرسة الأولى للتربية، والمحضن الرئيس لتغذية الأبناء بالقيم النبيلة والسلوك الفاضل، والخلق الحسن، لكن ممارسة الشورى في بيوتنا مع أنها ضرورة، وليست من باب الرفاهية، تبدو كما لو كانت غائبة عن حياتنا الأسرية!

الشورى مبدأ إسلامي جليل، لا شك في ذلك، أنزل الله عز وجل بشأنه سورة في القرآن وهي (سورة الشورى) وقد لحظ العلماء أن الله تبارك وتعالى وضع الشورى بين فريضتي الصلاة والزكاة في قوله تعالى: "وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ"  الشورى38، وذلك لعظيم قدرها وعلو مكانتها، وأكد العلماء تبعا لذلك أنه لو كان أحد مستغنيا عن الشورى، لكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، الموحى إليه من السماء، لكن الله سبحانه أمره في كتابه بقوله: (لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ)آل عمران159.  

ومن لطيف ما يذكر أن أصل كلمة الشورى في اللغة كما ذكر صاحب لسان العرب: مِن شار العسل أي اجتناه من خلاياه ومواضعه، والشورة هي الموضع الذي تعسل فيه النحل. وكأن عملية الشورى تتشخص أمام أعيننا في مشهد طواف النحل على الأزهار، لتمتص منها الرحيق، ثم تخرج من بعد ذلك عسلا مصفى!

فالذي يمارس الشورى يضيف إلى رأيه آراء كثيرة، وإلى خبرته خبرات واسعة، فتتفتح آفاقه، وتتنوع رؤيته، وتتزن أفكاره، وتصيب قراراته في الغالب بإذن الله، مقتديا في ذلك برسول الله صلى الله عليه وسلم، حين كان يأخذ رأي أصحابه وزوجاته، ويتناقش معهم ويحاورهم بهدوء، وينزل على رأيهم في كثير من الأحيان.

أما المستبد برأيه فإنه يحرم نفسه حلاوة الشورى، حين لا يسمح بقول آخر أن يقال بعد قوله، إلا أن يكون موافقا، ولا بإرادة أخرى أن تعمل جنب إرادته، إلا أن يكون مسموحا لها، فقوله وإرادته فقط هي التي يحق لها أن تصول وتجول من غير معقب ولا منازع! مقتديا في ذلك بفرعون، حين كان لا يرى إلا نفسه، ولا يسمع إلا صوته، ولا يقتنع إلا برأيه، كما حكى عنه القرآن (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) سورة غافر29.

وهذه الصفة حبن يبتلى بها إنسان ـ نسأل الله العفو ـ فهي طامة كبرى، وبخاصة حينما تتسلط على أطفال صغار، بالقهر والقسوة في سنوات التربية الأولى، فإنها تصنع منهم مسوخا مرتجفة، مستلبة الشخصية، لا حول لها ولا قوة، وهو نوع من الاعتداء والأذى يحاسبه الله عز وجل بشأنه يوم القيامة.   

لا شك أن أغلب الآباء لا يقصدون الأذى لأبنائهم عن عمد، لكن بعضهم مع الجهل بأمور التربية، وصلابة رأسه وعناده، وعجزه عن تغيير طبعه، وبدافع الخوف يمارس أسلوب الحماية الزائدة على أبنائه، ويتمادى مع الوقت ليتطور إلى نوع من أنواع التسلط والسيطرة الكاملة، فيفكر ويتكلم ويتصرف نيابة عنهم، الأمر الذي تكون نتيجته إلغاء شخصية الأبناء، والتعدي على استقلاليتهم وكيانهم، وإلحاق أبلغ الضرر بنفسياتهم، و كل ذلك بدافع الخوف عليهم! 

لا شك أن الأمر يحتاج إلى رفع درجة الوعي بأمور التربية، فهي مسؤولية كبيرة، ونحن مسؤولون عنها أمام الله تعالى، كما يتطلب الأمر مكاشفة أنفسنا بصراحة، والاعتراف بخطئنا، ومعالجة عيوبنا، وعدم التمادي، وإعادة بناء ما انهدم من جسور الثقة في بعض بيوتنا، وارتفع بدلا منها السدود، حين حلت الأنانية والالتفاف حول الذات، والاهتمام بالمصلحة الشخصية، محل الدفء الأسري والإيثار وحسن الظن والحب والمودة والرحمة.

ما أحوجنا إلى الحوار الواعي، والمناقشة الهادئة، ونشر ثقافة الشورى في بيوتنا، وممارستها بشكل جدي في جميع أمور حياتنا.

تعليقات 0 | زيارات المقال 1401 | مقالات الكاتب 4088

أضف تعليقك أرجو ملئ الحقول المطلوبة*

هناك بيانات مطلوبة ...

مقالات رئيسية