بيوتنا ونزغات الشيطان: هل من مقتدٍ بالصِّدِّيق أبي بكر؟!

عالم الأسرة » همسات
14 - رجب - 1439 هـ| 31 - مارس - 2018


1

بيوتنا جميعًا لا  تخلو من مشكلات؛ فالاختلاف سنة الله في خَلقه، والناس كلُّهم في بيوتهم لا بدَّ أن تمرَّ بهم أجواءٌ مشحونة، رضوا أم لم يرضوا، جرَّاء مشادَّات ومشاحنات تعاودهم من آنٍ إلى آخر، وأكاد أجزم أنه لا يوجد بيتٌ هادئ تمامًا، ولو كان جميع من فيه متآلفين ومتفاهمين، ومتَّزنين أثناء الخلافات والحوارات. ولن أكون مبالِغة إن قلت: إنَّ جميع البيوت عانت وستظلُّ تعاني من نزغات الشيطان بين ساكنيها؛ فتجد الأم تحكي لك كيف كان البيت هادئًا ومرتَّبًا وقت أن أعددت لزوجها وأبنائها طعامًا شهيًّا يحبونه، وبمجرد اجتماع الأسرة لتناول الطعام، دبَّ الخلاف على غير موعد، فها هو أحد الأبناء يدخل في مشادَّة كلامية مع أخيه؛ فتتطور في لحظات إلى تطاول بالأيدي؛ مما يستدعي تدخُّل الأب؛ وينقلب البيت رأسًا على عقب، فيقوم الجميع من على السفرة، بعد حدوث مشاحنة عظيمة، دون أن يطعم أحدٌ لقمةً مما تعبت فيه وأعدَّته.

وهذه أخرى تحكي كيف تحوَّلت الرحلة التي كانت تعدُّ لها الأسرة من أسبوعٍ مضى إلى كابوس؛ بسبب مشادة كلامية حدثت بينها وبين زوجها، واختلاف حول أمر تافه؛ الأمر الذي استدعى قطع الزوج للرحلة، ومن ثم عودة أفراد الأسرة إلى البيت محزونين.

 هذه المواقف وغيرها نمرُّ بها جميعًا، ونتعجَّب كثيرًا كيف تنقلب الأجواء بهذه السرعة، وما هي إلا نزغات للشيطان؛ لتحدث الفرقة والضغينة بين النفوس، وقد قال - تعالى- في سورة الإسراء 53: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا}.

 وقد جاء في تفسير ابن كثير، تفسيرًا لهذه الآية الكريمة ما نصُّه: «يأمر - تعالى- رسوله - صلى الله عليه وسلم- أن يأمر عباد الله المؤمنين أن يقولوا في مخاطباتهم ومحاوراتهم: الكلام الأحسن والكلمة الطيبة، فإنه إذ لم يفعلوا ذلك، نزغ الشيطان بينهم، وأخرج الكلام إلى الفعال، ووقع الشرُّ والمخاصمة والمقاتلة؛ فإن الشيطان عدوٌّ لآدم وذرِّيته من حين امتنع من السجود لآدم؛ فعداوته ظاهرةٌ بيِّـنةٌ؛ ولهذا نهى أن يشير الرجل إلى أخيه المسلم بحديدةٍ؛ فإن الشيطان ينزغ في يده، أي: فربما أصابه بها».

 قلت: وما من سلاحٍ أشدّ فتكًا من حصاد الألسنة! ذلك الناتج من سوء فهم الآخر، والجهل بما قد يزعجه؛ فيخرج وقت نزغات الشيطان أسوأ ما لديه؛ فنرى كيف يتطوَّر الخلاف إلى مشادَّات عنيفة، وخلافات حادَّة، وسوء ظن واتهامات لا أساس لها من الصحة. ونرى أيضًا كيف يستهلك الناس أعمارهم في المخاصمة والجدال، وكيف تُنهَك القلوب بما يقال، وما تُتَّهم به ظلمًا وعدوانًا، وكيف تُشحن النفوس بالكلام السيئ يتناقله الناس فيما بينهم؛ فيصل إلى صاحبه الذي قد قيل فيه. وقد استوقفني طويلًا حديثٌ عظيم، يحكي موقفًا شبيهًا بما يحدث في بيوتنا من المواقف التي ذكرتها آنفًا، وقد مرَّ به بيت سيدنا أبي بكر الصديق - رضي الله عنه ـ.

 فقد ورد في صحيح مسلم، في كتاب الأَشْرِبَة: قال عبد الرحمن بن أبي بكر - رضي الله عنهما ـ: جاء أبو بكر بضيفٍ له أو أضياف له، فأمسى عند النبي - صلى الله عليه وسلم-، فلما جاء قالت له أُمِّي : احْتَبَسْتَ عَنْ ضَيْفِكَ -أَوْ أَضْيَافِكَ -اللَّيْلَةِ، قَالَ: مَا عَشَّيْتِهِمْ، فَقَالَتْ عَرَضْنَا عَلَيْهِ - أَوْ عَلَيْهِمْ-فَأَبَوْا أَوْ -  فَأَبَى- فَغَضِبَ أَبُو بَكْرٍ فَسَبَّ وجَدع، وَحَلَفَ لا يَطْعَمَهُ، فاختبأت أَنَاَ، فَقَاَلَ: يَا غَنثر، فَحَلَفَت المرأة لا تَطْعَمه حَتَى يَطْعَمه، وَحَلَفَ الضَّيْفُ أَوْ الأَضْيَافُ أَنْ لا يَطْعَمُوهُ حَتَّى يَطْعَمَهُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: كَأَنَّ هَذِهِ مِنْ الشَّيْطَانِ، قَالَ: فَدَعَا بِالطَّعَامِ فَأَكَلَ وَأَكَلُوا، فَجَعَلُوا لا يَرْفَعُونَ لُقْمَةً إِلاَّ رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرَ مِنْهَا، فَقَالَ: يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ مَا هَذَا؟ فَقَالَتْ وقُرَّةُ عَيْنِي، إِنَّهَا الآنَ لأَكْثَرُ قَبْلَ أَنْ نَأْكُلَ، فَأَكَلُوا وَبَعَثَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَذَكَرَ أَنَّهُ أَكَلَ مِنْهَا"(ورواه البخاري أيضا).

 ومن خلال هذا الحديث نرى كيف تكون نزغات الشيطان بين عباد الله، عند نشوب الخلافات والمشادات العنيفة وغير المعتادة، ويتَّضح لنا ذلك من قول أبي بكر - رضي الله عنه ـ: «كأنَّ هذه من الشيطان»، وهنا لا بدَّ من عاقلٍ رزين يسعى إلى قطع الطريق على هذا اللعين؛ فيفيق الغافل، وتُعدَل كفة الميزان.

لو لم يكن أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- ذلك العاقل تُرى كيف كانت ستصير الأمور؟! وتُرى كيف كان سيتطوَّر الخلاف لو اقترب عقل الرَّجل الكبير -أبي بكر- من عقلِ المرأة، وقال لها: «كيف تسبِّبين لي هذا الحرج، وتجعلين رأسك برأسي، وتقسمين على قَسَمي، وتصرِّين على ألا تأكلي؛ الأمر الذي جعل الأضياف يقسمون كما أقسمتِ» (كما هو معتاد أثناء الخلافات الزوجية، وكما يحدث داخل معظم بيوتنا أثناء مواقف مشابهة لهذا الموقف)؟

هنا في أزمة بيت الصديق - رضي الله عنه- أفاق الكبير الحكيم واحتوى الموقف، وبسرعة البديهة قال: «كأنَّ هذه من الشيطان»، ولم يتوقَّف عند هذا، بل تواضع وتنازل ودعا بالطعام ليأكله، فهو من أخطأ في البداية بقَسَمه، وهو المتصدِّر لإصلاح الأمر برُمَّته؛ لرجاحة عقله وحكمته، فكان قدوةً بجميل صنعه، فهدأت الأمور سريعًا، وأكل وأكلوا؛ لأن النفس السوية تميل بفطرتها إلى الهدوء وحل المشكلات.

ولم يكتفِ أبو بكر - رضي الله عنه- بهذا الإصلاح، بل نراه يلاطف زوجته، ويجبر خاطرها بقوله: «يا أختَ أبي فراس»، تلك الملاطفة التي تقلب كِيان المرأة، وتشعرها بأنها ملكة متوَّجة على عرش قلبه، ويجبر خاطرها أمام أضيافها وأمام ابنها، كما كسره من قبل أمامهم بسبابه ووعيده وقسمه، فتسارع هي إلى إجابة لطفه، بما هو أكثر لطفًا وأكثر تودُّدًا، قائلةً: «لا، وقرة عيني»!

هذا التصرُّف المتَّزن من الرجل الحكيم: جعل جميع الأطراف تفيق، وتحسَّر الشيطان على ضياع فرصته في إحداث الضغينة والشقاق بين أهل البيت، وكأني به يوليهم ظهره هاربًا من بيتهم ولسان حاله يقول: «لا مبيت لي لديكم الليلة، ولا ضغينة». ويمتدُّ أثر احتواء أبي بكر - رضي الله عنه- للموقف إلى تلك البركة التي وضعها الله في الطعام، ببركة هذا الرجل الحكيم، صاحب العقل الكبير. فلعلَّنا جميعًا - نساءً ورجالًا- نقتدي بما فعله الصِّدِّيق - رضي الله عنه ـ، ونسارع إلى قطع الطريق على نزغات الشيطان فيما بيننا، فلو وُجِد طرفٌ عاقل حكيم، يفعل ذلك في كلِّ بيتٍ من بيوت المسلمين؛ لَما سمعنا عن خلافات حادَّة ومشاحناتٍ عنيفة، وما جَنينا إلا بركةً في بيوتنا وهدوءًا وصلاحًا للأحوال فيما بيننا.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...