تأملات في حديث "الأرواح جنود مجندة"!

أدب وفن » بوح الوجدان
26 - شوال - 1439 هـ| 10 - يوليو - 2018


1

الأرواح خلق مجهول المعنى، محسوس الأثر، فالحي فيه روح، والميت لا روح فيه، فالروح ترتبط بالحياة، أو هي الحياة نفسها، أو سر الوجود، ولكنها لا تقوم وحدها، إذ تحتاج إلى جسد مناسب يحملها.

 

وهذه الأرواح اجتماعية تبحث عن قرينها المناسب لها، تتجمّع في معسكرات تعارفٍ "وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا"الحجرات13، تتجنّد فيها وتحتشد وتبحث عن أليفها؛ لتشكّل معه صنفاً وجنساً متقارباً مؤتلفاً مشترك الصفات والخصائص، وتنفضّ هذه التجمعات إلى أجناد وأصناف مختلفة، كل صنف يأتلف وحده ويكوّن مجتمعه الخاص به.

 

وأداة التعارف هو في الميول والأمزجة التي تتوارثها هذه الأرواح عبر جيناتها، وتحمل في جوهرها قوة خفية تندفع للاجتماع بما يكمّلها.

 

والحديث عجيب في شرح هذا، فالجنود ليست جمع جنديّ، بل جمع جُنْد "وهو اسم جنس جمعيّ" ومعناه صنفٌ ونوعٌ منضبط، يخضع أفراد كل صنف لبعضه بالرضا والألفة والانسجام، وتتشامّ بعضها كما تتشامّ الخيل؛ حتى يكون لكل جند راية تسير خلفها؛ والصنف الواحد له مستويات مختلفة من التعارف والخيرية، كما له مستويات من النكران والشرور، والتعارف والتناكر صيغتان تفيدان المشاركة، أي أن كل روح تبحث عن الأخرى؛ حتى تتجند كل واحدة في جندها المناسب لها، لأنها ستحتاج لبعضها وتأنس بما يكمّلها، فغريزة الروح تطلب القوة وتبحث عن الحماية، فتراها تتجنّد وتجتمع وتتضاعف "جنود مجندة" كما تقول"آلافٌ مؤلّفة" و"قناطير مقنطرة" و"جيوش مجيّشة" و"أحزاب محزّبة" و"أبواب مبوّبة".

 

وهناك جنود خيرة مثل "وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ"القمر 31 "وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ"الصافات 173.  وهناك جنود شريرة "وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ"الشعراء95 "إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ"القصص 8.

إنها عمليات تجاذب وتنافر، تنتج الائتلاف والاختلاف، والأرواح التي لا تجد قرينها أو رايتها التي تتبعها: تصاب بالغياب المؤدي إلى العجز والإهمال وعدم المبالاة، فتنخنق وتتلاشى؛ لأنها لم تجد جندها ونوعها المناسب لها.

 والمجنّدة اسم مفعول، لابد من فاعل فيها، والفاعل هنا هو القدر الذي يرسم مسارها بإذن الله وسابقِ علمِه بها.

 

إنني عندما أقتربُ منك: فأحبك، فاعلم أنني ألتقي معك في كثير من صفاتك النفسية، وإذا كرهتُك فأنا لا أصلح لك، وأنت لا تصلح لي فالمعادن مختلفة «النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ، خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا"رواه مسلم. والأرواح جواهر ومعادن تلتقي قبل الأشباح، فإذا لقيت الروح معدناً شريفاً في شبحها الذي تسكنه أو تلاقيه: سَمَتْ وإلا استفَلَتْ بسببه.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...